أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة















المزيد.....

شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 22:11
المحور: الادب والفن
    


​النص الشعري:


​مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني ... بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمانِ

وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها ... غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ

مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سارَ فيها ... سُلَيمانٌ لَسارَ بِتَرجُمانِ

طَبَت فُرسانَنا وَالخَيلَ حَتّى ... خَشيتُ وَإِن كَرُمنَ مِنَ الحِرانِ

غَدَونا تَنفُضُ الأَغصانُ فيها ... عَلى أَعرافِها مِثلَ الجُمانِ

فَسِرتُ وَقَد حَجَبنَ الشَمسَ عَنّي ... وَجَبنَ مِنَ الضِياءِ بِما كَفاني

وَأَلقى الشَرقُ مِنها في ثِيابي ... دَنانيراً تَفِرُّ مِنَ البَنانِ

لَها ثَمَرٌ تُشيرُ إِلَيكَ مِنهُ ... بِأَشرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أَواني

وَأَمواهٌ تَصِلُّ بِها حَصاها ... صَليلَ الحَليِ في أَيدي الغَواني

وَلَو كانَت دِمَشقَ ثَنى عِناني ... لَبيقُ الثُردِ صينِيُّ الجِفانِ

يَلَنجوجِيُّ ما رُفِعَت لِضَيفٍ ... بِهِ النيرانُ نَدِّيُّ الدُخانِ

تَحِلُّ بِهِ عَلى قَلبٍ شُجاعٍ ... وَتَرحَلُ مِنهُ عَن قَلبٍ جَبانِ

مَنازِلُ لَم يَزَل مِنها خَيالٌ ... يُشَيِّعُني إِلى النِوبَنذَجانِ

إِذا غَنّى الحَمامُ الوُرقُ فيها ... أَجابَتهُ أَغانِيُّ القِيانِ

وَمَن بِالشِعبِ أَحوَجُ مِن حَمامٍ ... إِذا غَنّى وَناحَ إِلى البَيانِ

وَقَد يَتَقارَبُ الوَصفانِ جِدّاً ... وَمَوصوفاهُما مُتَباعِدانِ

يَقولُ بِشِعبِ بَوّانٍ حِصاني ... أَعَن هَذا يُسارُ إِلى الطِعانِ

أَبوكُم آدَمٌ سَنَّ المَعاصي ... وَعَلَّمَكُم مُفارَقَةَ الجِنانِ

فَقُلتُ إِذا رَأَيتُ أَبا شُجاعٍ ... سَلَوتُ عَنِ العِبادِ وَذا المَكانِ

فَإِنَّ الناسَ وَالدُنيا طَريقٌ ... إِلى مَن ما لَهُ في الناسِ ثانِ

لَقَد عَلَّمتُ نَفسي القَولَ فيهِم ... كَتَعليمِ الطَرادِ بِلا سِنانِ




​أهمية القصيدة وتعدد المناهج

​نظراً لأهمية هذه القصيدة الاستثنائية، فقد تناولها أكثر من أربعة عشر دارساً ومهتماً بالشرح والتحليل، ويمكن تصنيفهم إلى:


​النقاد والشُّرّاح القدامى.

​المستشرقون والباحثون الغربيون.

​النقاد والباحثون المعاصرون.



​السياق النفسي والتاريخي

​بعد أن غادر المتنبي مصر وممتدَحه كافور، كان يقع تحت تأثير صدمة وجودية حادة؛ فقد شعر بأنه سعى عبر عقود وراء سراب لم يحقق طموحه السياسي، وأن مملوكاً تمكن من خداعه، حتى تهاوى كل مجده. فكانت قصيدته الأخيره في مصر (عِيدٌ بِأَيّةِ حالٍ عُدتَ يا عِيدُ) تمثل رثاءً للذات وإقراراً بالهزيمة.

​وعندما نستذكر قوله:


​أُريدُ مِنْ زَمَني ذَا أَنْ يُبَلِّغَني ... مَا لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ




​وقوله:


​وَمَا أَبْتَغِي جَلَّ أَنْ يُسَمَّى




​وكذلك:


​أُفَتِّشُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَيَذْهَبُ ... إِذَا لَمْ تَنُطْ لِي ضَيْعَةً أَوْ وِلَايَةً / فَقَوْلُكَ يَكْسُونِي وَفِعْلُكَ يَسْلُبُ




​نستوعب عمق وحجم الصدمة التي تمكنت منه فور حلوله ببلاد فارس؛ إذ قلّ نتاجه وضعفت قريحته. غير أن قصيدة "شِعب بَوّان" مثّلت قفزة نوعية، ويمكن وصفها بأنها تتمتع بـ الوحدة الموضوعية، على الرغم من أن جزءها الأخير انشغل بالمدح.

​الرحلة إلى شيراز وصورة "شِعب بَوّان"

​قصد المتنبي بلاد فارس متوجهاً إلى شيراز بدعوة من الوزير ابن العميد، ليحلّ ضيفاً ومادحاً للأمير البويهي عضد الدولة (أبو شجاع). وفي طريقه عبر مدينة أَرّجان والمرور بالنوبندجان، مرّ بـ «شِعب بَوّان»؛ وهو وادٍ فسيح ومتنزه طبيعي ساحر يقع في أرض فارس (بين أرجان وشيراز)، تحيط به الجبال وتتدفق فيه المياه، وكان يُعدّ في التراث الجغرافي العربي واحداً من جنان الأرض الأربع (إلى جانب غوطة دمشق، ونهر أبلة بالبصرة، وسغد سمرقند).

​ومما يسترعي الانتباه في القصيدة، استدعاء المتنبي للنبيّين آدَم وسليمان (عليهما السلام)؛ ولا أحد يعلم كيف تسلّل اسماهما عبر اللاشعور الشعري لديه!

​الجمال المتجسّد واللقطة السينمائية

​في الأدب، يُمكن تجسيد الجمال عبر أثره لا رسمه المباشر، تماماً كما في قصّة ماركيز "فتاة الطائرة الحسناء"، حيث سحرنا بجمال الفتاة بالتركيز على أثر حضورها لا على تفاصيل ملامحها. وهذا ما نجده في قول المتنبي:


​طَبَت فُرسانَنا وَالخَيلَ حَتّى ... خَشيتُ وَإِن كَرُمنَ مِنَ الحِرانِ




​الجمال هنا بلغ حداً من السحر أحدث الذهول وأوقف الفرسان وخدر الخيل الأصيلة حتى كادت تُصاب بـ "الحِران" (الامتناع عن السير). فالجمال عند المتنبي يتجلى في إحداث الذهول، لا في مجرد وصف الأشكال والألوان.

​الأبيات التي تتلو هذا البيت هي لقطات "سينمائية" مختزلة وعميقة، وليست مجرد وصف جامد للطبيعة:


​الفاكهة كأنها أشربة بلا كؤوس تُشير إليك لتشربها (ويذكر البرقوقي في شرحه أن هذا المعنى متأثر بالبحتري في قوله: يُخفي الزجاجةَ لونُها فكأنها ... في الكفِّ قائمةٌ بغير إناء).

​الأغصان تنفض الندى والضوء كأنه الجُمان (اللؤلؤ) على أعراف الجياد العربيّة.

​ورغم الظل الكثيف، يتسلل الضياء متكسراً مثل دنانير ضوئية عصية على الإمساك بها من شدة حركتها.

​خرير المياه وحصاها يتناغم صليله كصوت الأساور في معاصم النساء.



​(ملاحظة نقدية: فسر بعض النقاد بيت "وأمواه تصل بها حصاها..." بأن المتنبي كان يكره النساء ولأن الطبيعة تشبههن فهو يفر منها، وهو تفسير متعسف لا يحتمله سياق البيت).

​وبعد هذه المشاهد الفاتنة، يأخذه الحنين إلى دمشق: فلو كانت هذه الجنة الفارسية بجمالها في دمشق، لأمال عنانه مقيماً عند رجل كريم يُحسن إعداد "الثريد" في أوانٍ صينية فاخرة، ويوقد لضيفه نيراناً حطبها من خشب "اليلنجوج" الطيب العبق. وليس مصادفةً استخدام مفردات ذات أصل فارسي كـ "اليلنجوج"، فهو في أرض فارس التي يتحدث عنها قائلاً إن سليمان لو زارها لاحتاج إلى ترجمان.

​سيلكولوجية المغامر وتبرير الخروج من الجنة

​قد يتساءل المرء: كيف ترك المتنبي هذه الجنة الأرضية وغادرها عبر الفيافي الشرسة ليصل إلى بغداد، وهو يعلم حجم الأعداء والمخاطر المتربصة به هناك؟

​إن المتنبي يتجلّى هنا كـ "مغامر"؛ والمغامر يمتلك تكيفاً جسدياً ونفسياً مع أقصى حالات الضغط. فالبيئات الخشنة والأخطار لا تعطّل ذهنه ولا تثبط همته، بل تستثير أداءه الاستثنائي وتمنحه نشوة السيطرة وسط الاضطراب.

​ولهذا ينطق حصانه بالأسئلة، ليرد المتنبي مبرراً بأن سلوك الرحيل هذا متجذر في الطبيعة البشرية منذ الأزل، لأن أبانا آدم هو من سنّ المعصية وعلم بني البشر مفارقة الجنان:


​يَقولُ بِشِعبِ بَوّانٍ حِصاني ... أَعَن هَذا يُسارُ إِلى الطِعانِ

أَبوكُم آدَمٌ سَنَّ المَعاصي ... وَعَلَّمَكُم مُفارَقَةَ الجِنانِ




​ مستويات القراءة ورحلة العمر مع النص
نحس بايقاع القصيدة وهي من الوافر ولكنا بحاجة لعلماء عروض واصوات لنحلل جرس الالفاظ و العلل و التفعيلات العروضية في هذه القصيدة, هي وحدات وزنية تتكون من تركيب الأسباب والأوتاد (الحركات والسكنات)، وعددها الأساسي 10 تفعيلات (تتوزع بين خماسية وسباعية):
​الشعر العظيم يتكشف عبر مستويات متعددة في القراءة؛ فهذه القصيدة قرأتها قبل أكثر من نصف قرن، وحين عدتُ إليها اليوم اكتشفتُ فيها ما لم أستخلصه طوال تلك السنوات.

​أتذكر جيداً كيف علق في ذهني منذ القراءة المبكرة مفرداتها الغريبة، والتبرير المستفز المُعلَّل بسلوك النبي آدم، وتلك الصور المتفردة للفاكهة وأمثالها، مع سحر إيقاعها الذي لا يُنسى.

​لكني اليوم، رأيتُ فيها محنة المتنبي الوجودية، وعمق قلقه الإنساني، وروحه المغامرة الجسورة التي دفع حياته ثمناً لها.

الصياد
آب
٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشعر الأندلسي في القرون الثلاثة الأولى
- توضيح وأمانة أدبية: حول ما ينشر لي في موقع «الحوار المتمدن
- رواية «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدوستويفسكي: انهيار الوهم مقود لل ...
- المهلهل يمثل أعلى تجسيد للثأر الجاهلي
- ​نلتقي في أغسطس لماركيز وكشف الشفرة الوراثية
- خطورة المجاز في الشعر )
- الصيادون يعودون لشط العرب
- الحوار الثقافي في عطلة موسمية
- الذكاء الاصطناعي افضل المخترعات
- تشوهات ...قصيدة
- الغزي د.محمود العساف يخوض معركة البقاء
- كيف تطلق الاسماء والالقاب والكنى ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان: من العزلة إلى المواجهة النقدية ج ...
- الأطروحات حول شعر البريكان: من العزلة إلى المواجهة النقدية ج ...
- كيف تطلق الالقاب
- تحجر الحوار: صرخة ضد الجفاء الإنساني في زمن الشاشات
- رواية «أغنية هادئة»: أبشع الفجائع ما تنمو بالتدريج
- عندما تطيح السخرية الرقمية بالمسؤولين: من حزب -صراصير- الهند ...
- اشهر ابيات امريء القيس وهو يحتضر ج٢


المزيد.....




- رحيل دوللي بارتون ملكة موسيقى -الكانتري- وصاحبة الإرث الإنسا ...
- رحيل الفنان الفلسطيني سليمان منصور: كواليس أيقونة -جمل المحا ...
- ترامب يأمر بتنكيس الأعلام أسبوعا حدادا على وفاة النجمة دوللي ...
- الممثلة اليهودية هانا إينبيندر تدافع عن مارك رافالو بعد اتها ...
- وفاة دولي بارتون -ملكة موسيقى الكانتري-
- -ما وراء الاستشراق-.. كيف نُعيد بناء اللقاء الحضاري بعيداً ع ...
- وفاة أسطورة موسيقى الكانتري الأمريكية دولي بارتون عن 80 عاما ...
- معتصم النهار يراهن على الكوميديا والدراما الاجتماعية في رمضا ...
- بيان مشترك | مصر: حان الوقت لإطلاق سراح المخرج عمر صلاح مرعي ...
- كبرنا وكبر الكرتون.. هل كان الضحك كافيًا أم بات لا يضحكنا شي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة