أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - المهلهل يمثل أعلى تجسيد للثأر الجاهلي















المزيد.....

المهلهل يمثل أعلى تجسيد للثأر الجاهلي


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 16:09
المحور: الادب والفن
    


​شكلت شخصية الشاعر الجاهلي المهلهل بن ربيعة (المتوفى نحو 530 م) مادة لروايات تاريخية متناقضة وأساطير شعبية. ويمثل مقتل أخيه "كليب" نقطة التحول الكبرى في حياته؛ إذ هجر حياة اللهو والترف - المتمثلة في الخمرة والغانيات - ووهب حياته لطلب الثأر، ليخوض "حرب البسوس" التي امتدت أربعين عاماً.

​سَأَلْتُ الحَيَّ أَيْنَ دَفَنْتُمُوهُ ... فَقَالُوا لِي بِسَفْحِ الحَيِّ دَارُ

فَسَرْتُ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِي حَثِيثاً ... وَطَارَ النَّوْمُ وَامْتَنَعَ القَرَارُ

وَحَادَتْ نَاقَتِي عَنْ ظِلِّ قَبْرٍ ... ثَوَى فِيهِ المَكَارِمُ وَالفَخَارُ

خُذِي العَهْدَ الأَكِيدَ عَلَيَّ عُمْرِي ... بِتَرْكِي كُلَّ مَا حَوَتِ الدِّيَارُ

وَهَجْرِي الغَانِيَاتِ وَشُرْبَ كَأْسٍ ... وَلُبْسِي جُبَّةً لا تُسْتَعَارُ

وَلَسْتُ بِخَالِعٍ دِرْعِي وَسَيْفِي ... إِلَى أَنْ يَخْلَعَ اللَّيْلَ النَّهَارُ

وَإِلاَّ أَنْ تَبِيدَ سَرَاةُ بَكْرٍ ... فَلا يَبْقَى لَهَا أَبَداً أَثَارُ

​يُظهر نصّ المهلهل كيف أنَّ الشعرَ العظيمَ هو الذي يستطيعُ حشدَ أقصى طاقةٍ مجازية ونفسية دونَ أن يضحّي بشرطِ الوضوحِ البصري، ولا بصلابةِ السبك، ولا بصدقِ اللحظةِ الإنسانية.

​البُعد التاريخي والنفسي في بناء القصيدة

​تذكر المصادر والمرويات التاريخية (مثل الأغاني للأصفهاني والعقد الفريد لابن عبد ربه) أن المهلهل لم يكن حاضراً لحظة مقتل أخيه كليب ولا وقت دفنه؛ بل كان بعيداً في دياره غارقاً في لهوه. ولما وقعت الجريمة دُفن كليب سرّاً في منطقة "الذنائب"، ولم يعلم المهلهل بالخبر إلا بعد فترة. لهذا جاءت أفعال الشاعر متسلسلة تعبيراً عن هذه الفجوة المكانية والزمانية:


​«سَأَلْتُ الحَيَّ أَيْنَ دَفَنْتُمُوهُ»: سؤالٌ ينبع من الجهل بمكان القبر لغيابه عن الجنازة.

​«فَسَرْتُ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِي حَثِيثاً»: تأكيدٌ للمسافة وسباق الزمن فور وقوع الخبر.



​وقد يبدو للوهلة الأولى أن الأرق وامتناع القرار كان يجب أن يسبقا السير، لكن هذا الترتيب استقام بلاغياً ونفسياً؛ فالشاعر يبدأ بالفعل الأكثر حسمًا واستجابة للهول وهو Movement الحركة الفورية (سَرْتُ)، ثم ينعطف لوصف الحالة الممتدة المصاحبة للسير وهي سلب النوم والقرار؛ فالواو هنا للمصاحبة النفسية لا للترتيب الزمني.

​وهذا الذهول النفسي يُعيد إلى الأذهان موقف المتنبي حين بلغه رثاء خولة (أخت سيف الدولة)، وكيف يُعطّل الهول إدراك الزمان والمكان:


​طَوَى الجَزِيرَةَ حَتَّى جَاءَنِي خَبَرٌ ... فَزِعْتُ فِيهِ بآمالِي إِلى الكَذِبِ

حَتَّى إِذَا لَمْ يَدَعْ لِي صِدْقُهُ أَمَلاً ... شَرِقْتُ بِالدَّمْعِ حَتَّى كَادَ يَشْرَقُ بِي




​سيكولوجيا المكان وهندسة "ظل القبر"

​وفي قوله لحظة وصوله: «وَحَادَتْ نَاقَتِي عَنْ ظِلِّ قَبْرٍ»، يترجح أن كلمة "الظل" لم ترد لمجرد التوسع المجازي، بل تعبر عن واقع مادي بصيريّ ينطلق منه الشاعر ليرسم لوحته الوجدانية:


​الشاخص البنائي: لم يكن كليب رجلاً عادياً بل كان ملكاً وسيداً مطاعاً، والطقس المتبع عند دفن الرؤساء والفرسان في الجاهلية هو رفع المدفن وشقّه بـ "الشواخص" أو بناء "الظَّلِلة" و"النَّصَب" (وهي حجارة ضخمة تُرفع فوق القبر لتكون علامة يُزار عندها). هذا الارتفاع البنائي كفيل بإلقاء ظلٍّ مادي واضح على الأرض.

​حدّة الضوء الصحراوي: في البيئة الصحراوية الشديدة السطوع، تُلقي الأشياء المرتفعة ظلالاً داكنة حادة التباين مع الرمال، لا سيما في أوقات الشروق أو الأصيل.

​استجابة الفزع البصري عند الإبل: الإبل في الفضاء المفتوح تتوجس فطرياً من الظلال الحادة والمفاجئة التي تقطع رتابة الصحراء. انحراف الناقة والجفول (حَادَتْ) يمثل رد فعل حيواني طبيعي تجاه كتلة مظلمة طارئة، مما يؤكد أن القبر كان بنياناً شاخصاً يُحرّك ظله مع ميل الشمس.



​إن هذا الجمع بين الواقع المادي الملموس (ظل الشاخص البنائي) والبُعد النفسي (ذهول الشاعر وهيبة الموت) يمنح النص صلابة جاهلية أصيلة؛ حيث ينطلق المهلهل من واقعة مادية محسوسة ليُحمّلها أقصى طاقته الوجدانية والفلسفية.
الاستحالة الزمنية وفوران "اسم الفاعل"

​بعد أن يقف المهلهل على القبر ويرثي أخاه، مشدداً على مكانته المرموقة وقيمه الأخلاقية وفروسيته، يصرخ مقرراً أطروحة الثأر الأبدي:


​وَلَسْتُ بِخَالِعٍ دِرْعِي وَسَيْفِي ... إِلَى أَنْ يَخْلَعَ اللَّيْلَ النَّهَارُ




​تتتجلى في هذا البيت ذروة الحسم النفسي عبر مستويين بنيويين:


​الاستحالة الزمنية (تجمد الزمن): لم يختر الشاعر شرطاً تعجيزياً من المستحيلات المكانية أو المادية لربط نهاية حربه بها، بل التمس شرطاً مطلقاً ينتمي إلى "اللامتناهي"؛ وهو استحالة توقف التعاقب الأزلي بين الليل والنهار (تجمد الزمن). إنها صياغة وجودية تعني أن الحرب لن تنتهي إلا بفناء النظام الكوني نفسه، مما يرفع الثأر من مجرد رد فعل قبيلي إلى قدر كوني محتوم.


​البلاغة الصرفية (ظلال اسم الفاعل): آثر المهلهل استخدام اسم الفاعل العامل «خَالِعٍ» المسبوق بـ "ليس" والمقترن بـ "باء" التوكيد (وَلَسْتُ بِخَالِعٍ) بدلاً من التركيب الفعلِي (ولستُ أخلعُ). هذا الاختيار الصرفي يمنح النص ديمومة وثباتاً؛ فاسم الفاعل يدل على الاستقرار والصفة الثابتة الراسخة التي تتلبس الذات، فضلاً عن إيقاعه النحوي الممتد الذي يعكس حالة الفوران النفسي والجاهزية القتالية المطلقة التي لا تزول بزوال لحظتها.




​بهذا التلاحم بين المستحيل الزمني والثبات الصرفي، يغلق المهلهل أي نافذة للصلح أو التراجع، ليتجسد الثأر الجاهلي في أقصى كينونته النفسية والمجازية.

.........
الصياد
آب
٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ​نلتقي في أغسطس لماركيز وكشف الشفرة الوراثية
- خطورة المجاز في الشعر )
- الصيادون يعودون لشط العرب
- الحوار الثقافي في عطلة موسمية
- الذكاء الاصطناعي افضل المخترعات
- تشوهات ...قصيدة
- الغزي د.محمود العساف يخوض معركة البقاء
- كيف تطلق الاسماء والالقاب والكنى ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان: من العزلة إلى المواجهة النقدية ج ...
- الأطروحات حول شعر البريكان: من العزلة إلى المواجهة النقدية ج ...
- كيف تطلق الالقاب
- تحجر الحوار: صرخة ضد الجفاء الإنساني في زمن الشاشات
- رواية «أغنية هادئة»: أبشع الفجائع ما تنمو بالتدريج
- عندما تطيح السخرية الرقمية بالمسؤولين: من حزب -صراصير- الهند ...
- اشهر ابيات امريء القيس وهو يحتضر ج٢
- أشهَرُ أَبيَاتِ امْرِئِ القَيْسِ وَهُوَ يَحْتَضِرُ ج١
- مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي ج٢
- مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي.. موقفه من العشق ( ...
- مجلة بصرياثا تستأنف اصدارها بعد توقف قسري


المزيد.....




- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...
- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...
- لينفيلم تفتتح معرضا بمناسبة مرور 130 عاما على أول عرض سينمائ ...
- بوتين يكرّم شخصيات ومؤسسات بارزة في الثقافة والفنون الروسية ...
- مهرجان البندقية: فيلم عن غزة لمخرجين إسرائيليين ضمن الاختيار ...
- -الله الله الله.. محمد صلاح-.. مطربة تركية تفاجئ النجم المصر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - المهلهل يمثل أعلى تجسيد للثأر الجاهلي