أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي ج٢














المزيد.....

مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي ج٢


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 15:59
المحور: الادب والفن
    


مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي ج٢

قِراءةٌ نَفْسِيَّةٌ وَبَلاغِيَّةٌ في شِعْرِ المُتَنَبِّي: مِنْ عِلْمِ النَّفْسِ المَعْرِفِيِّ إِلى رَمادِ الخَيْبَةِ ج٢
​يُعرّف عالم النفس آرون بيك (Aaron T. Beck) —مؤسس العلاج المعرفي السلوكي— «التعميم المفرط» (Overgeneralization) بأنه: خطأ أو تشوّه معرفي يصوغ فيه الفرد قاعدة كليّة عامة بناءً على حادثة واحدة أو أدلة محدودة. والواقع أن بيك عندما طوّر هذا المفهوم في ستينيات القرن الماضي، كان يرتكز ضمنياً على «قانون التعميم» (Stimulus Generalization) الذي صاغه العالم الروسي إيفان بافلوف في نظرية المنعكسات الشرطية؛ حيث نقل بيك هذا المفهوم من نطاق الاستجابة الفيزيولوجية/السلوكية لا الإرادية إلى نطاق المعالجة المنطقية والفكرية.
​وبإسقاط هذا المفهوم على قول المتنبي:
​فِي عِشْقِ كُلِّ قَبِيحٍ وَجْهُهُ حَسَنُ
​نجد أن الذهن يمارس خديعة منطقية؛ حيث يُسقط حكم الحُسن والتفضيل على الكليّة (كُلّ قبيح) بناءً على انحياز نفسي عاطفي غير موضوعي، متحولاً من إدراك جزئية استحسان عابرة إلى قاعدة شمولية صلبة.
​وفي السياق ذاته، استندت الأطروحات النفسية إلى مفهوم «الواقعية السوداوية» (Depressive Realism) لدى الباحثَين أبرامسون وألوي (Abramson & Alloy)، والتي توضح كيف يميل الأشخاص الذين يمرون بمرارة أو انكسار نفسي إلى رؤية العالم بمنظار شديد القسوة والتشاؤم، معتقدين أنهم وحدهم يملكون «الحقيقة العارية»، بينما يرمون الآخرين بالسذاجة وقلة الفطنة، كما ينجلي في قول المتنبي:
​وَمَا عَرَفُوا الدُّنْيَا وَمَا فَطِنُوا
​ومن هذا المنطلق، لم يقف المتنبي عند حدود تشخيص حال العشاق، بل عمد إلى إطارهم الذهني عبر آلية «التأطير المعرفي» (Framing)، حاصراً إياهم في قالب المغفلين المنخدعين بالظاهر؛ وذلك بغية إقناع نفسه وتحصين ذاته بأنه أعلى شأناً وأنفذ بصيرة من أن يقع فيما وقعوا فيه من وهم واستجداء.
​ولم يقف التحليل النفسي لرؤية المتنبي عند حدود التعميم والتأطير، بل يمتد للامساك بمفهوم نفسي آخر صاغه عالم النفس إدوارد ثورندايك (Edward Thorndike) في أبحاثه عام (1920) حول «تأثير الهالة» (Halo Effect)، والذي طوّره العلماء لاحقاً إلى ما يُعرف بـ «تأثير القرون» (Horns Effect) أو «الهالة العكسية».
​فبينما تقود الهالة الإيجابية الفرد إلى افتراض أن صاحب الوجه الحسن يمتلك جوهراً حسناً بالضرورة، يمارس المتنبي معادلة قسرية معكوسة؛ إذ يفترض العقل المجهد والنفس المكسورة وجود عيب خفي ومدمّر خلف كل ما هو جميل، كنوع من «التشكيك الوقائي» (Suspiciousness)؛ وهو انحياز معرفي يجعل الفرد يسقط صفة القبح أو الرداءة الكلية على الجوهر، لمجرد الحذر من فخ الانخداع بالظاهر الجميل.
​ولتكتمل اللوحة التحليلية، يبرز التفسير ممتداً إلى مدرسة التحليل النفسي مع سيغموند فرويد (Sigmund Freud)، وتحديداً عبر ميكانيزمات الدفاع النفسي كالـ «التكوين العكسي» (Reaction Formation) و«التسامي» (Sublimation).
​فالمتنبي إذ يهاجم العشق ويتسفه مقاصد العشاق، يمارس حيلة دفاعية يغطي بها عن حرمان عاطفي أو رغبة دفينة لم تتحقق؛ فيتحول الشعور بالعجز عن التكيف مع الحب إلى هجوم ضارٍ عليه وازدرائه، محولاً تلك الطاقة العاطفية المحبطة عبر التسامي إلى استعلاء فكري وشعر حكائي يترفع فيه عن صغائر العواطف، مدعياً الخلاص والتعالي على وهم العشق الذي تورط فيه باقي البشر.
​بِمَ التَّعَلُّلُ؟.. عِنْدَما تُصاغُ الحِكْمَةُ مِنْ رَمادِ الخَيْبَةِ
​ومع كل هذا التحليل الفلسفي والنفسي لأبيات المتنبي، ينبغي ألا ننسى حقيقةً نقديةً جوهرية: أن الشاعر — وإن صاغ الحكمة وسكبها في قالب شوارد الأبيات — فإن نتاجه الإبداعي في النهاية هو استجابةٌ لحالةٍ نفسيةٍ راهنةٍ ولحظةٍ شعوريةٍ صادمة، وليس موقَفًا فكريًّا مجردًا أو نظريةً ثابتة.
​فعندما نقرأ بيته السائر في قصيدته الخالدة «بِمَ التَّعَلُّلُ لا أَهْلٌ وَلا وَطَنُ»:
​مِمّا أَضَرَّ بِأَهْلِ العِشْقِ أَنَّهُمُ ... هَوُوا وَما عَرَفُوا الدُّنيا وَما فَهِمُوا
​سنرى بوضوح أنه لم يأتِ في سياق غزلٍ تقليدي أو تأملٍ ذهني بارد، بل جاء عقب أبياتٍ تجسد ألم الخيبة بالمحبوب. فلم يكن المتنبي يتوقع أن «سيف الدولة الحمداني» — الذي أحبه بصدق، وخلّد بطولاته بأهم وأفخر القصائد في تاريخ الشعر العربي — سيقابله في النهاية بالجفاء والإهمال، منتصرًا لأعدائه وحسّاده.
​البُعد البلاغي والنفسي لـ «العِشْقِ»:
​إن استخدام المتنبي لكلمة «العِشْقِ» هنا يحمل شحنةً بلاغية ونفسية مكثفة؛ فالعشق عنده لم يكن موجّهًا لامرأة، بل كان عشقًا سياسيًا ووجدانيًا لسيف الدولة وللمشروع الحضاري والرمزي الذي حلم به المتنبي إلى جواره. لقد أعمى هذا العشق الصادقُ عينَ الشاعر عن طبيعة الدنيا وتقلبات الملوك، فلما استيقظ على فاجعة الجفاء، صاغ هذه الحكمة الموجعة وكأنه يعاتب بها نفسه ويجلد بها حسرتَه أولاً قبل أن يعاتب الأمير.
​لقد كانت تلك الخيبة بداية الشرارة التي دفعته لاحقًا — في آخر قصيدة أنشدها بمجلس سيف الدولة — إلى مواجهته بعتابٍ جريحٍ وقاسٍ يصل إلى حدّ الاتهام بـ «العمى في التمييز» وعدم القدرة على فرز الرجال، حين قال له:
​أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً ... أَن تَحْسَبَ الشَّحْمَ فيمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ
وَمَا انتِفاعُ أَخِي الدُّنْيا بِنَاظِرِهِ ... إِذا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الأَنْوارُ وَالظُّلَمُ
​إن حكمة المتنبي في «بِمَ التَّعَلُّلُ» ليست مجرد فلسفة في الحياة، بل هي «تلقيحٌ شعوري» للألم؛ إنها صرخة الرجل الذي غامر بقلبه وعقله في رهانٍ إنساني، فخرج منه بلا أهلٍ ولا وطن، ولم يبقَ له سوى الحرف ليصنع منه وطنه الخالد



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي.. موقفه من العشق ( ...
- مجلة بصرياثا تستأنف اصدارها بعد توقف قسري
- على حافة الغرق: بين مهاجري سبتة وموجات اللجوء العراقي
- اضاءة على الحي العشوائي
- تبرعات ب 58 مليون ين لقرد ياباني أصبح نجماً عالمياً
- بعد تناسٍ طويل.. رواية -لم أعد إنساناً- للياباني أوسامو دازا ...
- الإخفاق الفني في إزميل الجواهري
- سيكولوجية العزلة في رواية «المدمن» لليابانية أساكو
- رحيل الكاتبة والفنانة ساترابي: سادنة الذاكرة البصرية والشهاد ...
- عامل التوصيل وانغ ينال أرفع جائزة صينية
- رواية يوميات تايوان تحصد بوكر الدولية
- مراد بطرس: الهندسة الجمالية للحرف العربي وشاشة -العربية
- محاولة تقطير شعر المتنبي
- لوحة الرسالة في مسابقة صف الصورة
- الشيخ المدرسي يقذف ثورة تشرين.. المنبر الحسيني من ترسيخ القي ...
- إضاءة سيكولوجية على المجتمعات الأمريكية والبريطانية والفرنسي ...
- خلل في الشبكة
- سينمائية التشكيل في لوحة -صراط العراقيين- للفنان سلام جبار
- الحلم بين مظفر النواب وابي نؤاس
- فرشاة عباس هاشم: مشرطٌ يحفر في المشاعر ويستدعي قلق فان كوخ


المزيد.....




- المسرح السوري يتألق في جرش... زيناتي قدسية يحصد جائزتين وعبد ...
- الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط ...
- -من يرمي الحجر الأول؟-.. مسرحية سورية تحاكم العنف وتترك السؤ ...
- مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا ...
- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي ج٢