أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - محاولة تقطير شعر المتنبي














المزيد.....

محاولة تقطير شعر المتنبي


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 10:01
المحور: الادب والفن
    


​تنتشر مؤخراً في الأوساط النقدية آراء حول المتنبي تزعم أنه متمركز في المديح والهجاء، وهي محاولة لإعادة تقييم "المركزية المتنبئية" في الشعر العربي من منظور حديث، خصوصاً لدى بعض النقاد والأدباء العراقيين الذين يميلون بطبعهم إلى التفكيك والمساءلة النقدية الصارمة.
​لكن عند النظر إلى هذا الرأي بفضول نقدي وتمحيص تاريخي وفني، نجد أنه يغفل الجوهر الحقيقي الذي صنع ظاهرة أبي الطيب المتنبي وخاطب به الأجيال.
​١. المديح والهجاء: مجرد "حامل" لا "محتوى"
​لو كان المديح والهجاء بحد ذاتهما هما ما أبقى الشعراء حيين، لكان أبناء عصر المتنبي—مثل الشريف الرضي، أو أبي تمام، أو البحتري، أو عشرات الشعراء الذين ملأوا بلاطات الإخشيديين والحمدانيين مدحاً وهجاءً—قد نالوا نفس الشيوع والخلود.
​المديح والهجاء عند المتنبي لم يكن سوى الإطار الخارجي (أو الذريعة) للقصيدة؛ أما المحتوى الفعلي فكان فلسفة الحياة، والتجربة الإنسانية، وحكمة الصراع مع القدر والزمن:
​وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ ... فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ
تَصفو الحَياةُ لِجاهِلٍ أَو غافِلٍ ... عَمّا مَضى فيها وَما يُتَوقعُ
​هذه الأبيات، وغيرها المئات، قيلت في سياقات مدح أو هجاء، لكن الناس تناقلتها وعاشت في الذاكرة الجمعية لأنها تجاوزت المناسبة المباشرة لتلامس حقيقة الوجود الإنساني.
​٢. المتنبي كان يمدح "نفسه" في الآخرين
​أكبر دليل على أن المديح لم يكن سبب خلوده هو طبيعة المديح نفسه عنده؛ إذ لم يكن مداحاً تقليدياً يرتزق على أبواب السلاطين، بل كان يرى نفسه أرفع قامة من الممدوح.
​في سيفياته—التي تُعد ذروة شعره—لم يمدح سيف الدولة كملك يتسول منه العطاء، بل مدحه كرمز شجاعة وصورة مرآتية لأنا المتنبي المتضخمة. كان المديح عنده صياغة لملحمة أبطال، ولهذا عندما هجا كافوراً الإخشيدي، لم يهجه كشخص فحسب، بل صبّ فيه هجاءً فلسفياً للدهر وسوء الأقدار وتدني القيم:
​لا تَشتَرِ العَبدَ إِلّا وَالعَصا مَعَهُ ... إِنَّ العَبيدَ لأَنجاسٌ مَطاعينُ
​٣. الفلسفة والفروسية والحكمة (الرصيد الحقيقي)
​ما تبقى من المتنبي اليوم ليس أرقام الدنانير التي قبضها، ولا أسماء الفرسان الذين مدحهم وسرعان ما نسيهم التاريخ، بل ما تبقّى هو:
​صياغة الحكمة المكتنزة: قدرته الفريدة على اختزال التلخيص النفسي والإنساني في شطر واحد يجري مجرى الأمثال: (لَوْلا المَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ ... الجُودُ يُفْقِرُ وَالإِقْدَامُ قَتَّالُ).
​إعادة تعريف الأنا والشعر: هو من أسس لمفهوم "الشاعر البطل" الذي يرى الشعر قوة وجودية: (الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني...).
​الموسيقى العالية وقوة المخيلة والبناء المتين: جزالة اللفظ والتنسيق الموسيقي الشديد الذي يفرض نفسه على أذن السمع العربي.
​٤. بطلان الاستناد إلى "مبتسَرات أدونيس"
​ورغم أن البعض يستند في موقفه هذا على قراءة أدونيس للمتنبي، إلا أن ذلك ينطوي على وهم نقدي؛ فأدونيس لم يكتفِ ببضعة أبيات كما يُشاع، بل أفرد للمتنبي كتاباً كاملاً ضمن مشروعه "ديوان الشعر العربي".
​نعم، في المجلد الأول (الصادر عام 1964 عن دار الفكر)، اقتطع مجتزآت قصيرة جداً أثارت ضجة واسعة بين النقاد (كإحسان عباس وغيره) واتهموه بتقزيم المتنبي، لكن أدونيس بفعله ذاك كان يمارس منهجه الخاص في "بتر البيت من سياقه المناسباتي". إنه لا يهتم بالقصيدة كبناء عمودي كامل يمدح حاكماً، بل يقتطع البيت أو البيتين اللذين يلمس فيهما الرؤيا الصوفية أو التوتر الوجودي. فاقتطاع أدونيس كان تقطيراً لشعرية المتنبي وتجريداً لها من المناسبة، وليس إلغاءً لقيمته.
​٥. لماذا تصدر هذه الآراء من العراق تحديداً؟
​البيئة الأدبية العراقية—خاصة في مدن مثل بغداد والبصرة والكوفة—معروفة بتمردها النقدي وميلها لإسقاط الأوثان الأدبية لصالح التجديد، وهو أمر صحي في الحركة الأدبية. إلا أن الاختزال الناقد للمتنبي في أنه مجرد "شاعر مناسبات ومرتزق مدح وهجاء" ينظر إلى الشكل الظاهري ويكفّ البصر عن المضمون الرؤيوي والجمالي.
​خلاصة:
لو جرّدنا المتنبي من اسم سيف الدولة وكافور وابن العميد، ومحونا أسماء الأشخاص من ديوانه وتركنا المعاني والفلسفة والحكمة والصور الشعرية، لبقي المتنبي هو المتنبي: شاعر العربية الأكبر الذي جعل من المديح والهجاء مسرحاً لمنازلات الروح والدهر.



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لوحة الرسالة في مسابقة صف الصورة
- الشيخ المدرسي يقذف ثورة تشرين.. المنبر الحسيني من ترسيخ القي ...
- إضاءة سيكولوجية على المجتمعات الأمريكية والبريطانية والفرنسي ...
- خلل في الشبكة
- سينمائية التشكيل في لوحة -صراط العراقيين- للفنان سلام جبار
- الحلم بين مظفر النواب وابي نؤاس
- فرشاة عباس هاشم: مشرطٌ يحفر في المشاعر ويستدعي قلق فان كوخ
- التحصن ضد التخمة المعلوماتية
- ٣٧٥ اخر فلم رعب عراقي
- حوار حول روايةحياة الصبايا والنساء لمونرو
- صدى الصدمة: تشريح للعين التفكيكية
- ديوان الجرو اليتيم ..كتاب كامل
- جذع القصاب ...قصيدة
- ( القراء الخلدونية الجديدة ابو الجنيب‏
- آخر وظيفة لخنفسانة ... قصيدة
- الثعلبية تسحق جدران التكميم
- الرافدان فوق بركان
- مسابقة صف الصورة اثمرت تنوع الاساليب
- ٢ ترليون دولار اموال العراق المنهوبة
- العالم الرقمي يثري المجاز ومفردة تمام


المزيد.....




- زادونسك.. -القدس الروسية- التي ترك قديسها أثرا في عالم دوستو ...
- مدير مهرجان جرش لـCNN: المهرجان في دورته الـ40 يحتفي بجذوره ...
- ماريا فولكونسكايا.. الأم التي لم يعرفها تولستوي وخلّدها في ر ...
- عشرات الشخصيات الأردنية الوطنية والسياسية والثقافية والعشائر ...
- وفاة الممثلة الصماء كايلي هوتل بطلة سلسلة -غودزيلا- في حادث ...
- قصة قصيرة: بصراتو.. خَارِجَ البُرْوَازِ
- -الست لمّا-.. يسرا ترفع -الفيتو- بوجه الرجال في فيلم كوميدي ...
- إلغاء حفلات لفنانين أيّدوا نظام الأسد.. هل يمكن فصل الفن عن ...
- بعد توقف 3 سنوات.. الكتب تعود لسوق البوستة بأم درمان
- -الأوديسة-.. عندما حوّل كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى فيل ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - محاولة تقطير شعر المتنبي