أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - صدى الصدمة: تشريح للعين التفكيكية














المزيد.....

صدى الصدمة: تشريح للعين التفكيكية


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 00:16
المحور: الادب والفن
    


​منذ عقود، وجدتني مهتماً برد فعل الجمهور—مسرحاً أو واقعاً—أكثر من الاهتمام بالحدث نفسه. وقد وجدتُ الكثير من كتاباتي مستفيدة من هذا الشغف الخاص برصد الارتدادات. واليوم، حين أعدتُ قراءة هذه الظاهرة عبر منشور نظريات علم النفس وأطروحات الفلاسفة والنقاد، جاءت هذه الثمرة لتشريح تلك "العين التفكيكية".

​إن ظاهرة الانتقال بالنظر من الاستعراض أو الحدث الصاخب إلى رصد الارتداد النفسي على وجوه الجمهور ليست مجرد التفاتة بصرية عابرة؛ بل نحن أمام آلية إدراكية ومعرفية بالغة التعقيد، تقع عند نقطة التقاء فريدة بين الفلسفة النقدية وأعمق المدارس في تاريخ علم النفس. ويتجلى هذا العمق عبر أربع زوايا فكرية وعلمية صاغها كبار المفكرين:

𔁯. الزاوية الإدراكية: هيرمان ويتكين وعزل "المجال"

​من الناحية الفيزيائية والبيولوجية، يفسر عالم نفس الإدراك هيرمان ويتكين (Herman Witkin) آلية عمل هذه العين من خلال نظريته الشهيرة "الاستقلال عن المجال الإدراكي". ففي الوقت الذي يقع فيه الجميع تحت التأثير التنويمي للمشهد الكلي الصاخب (الحدث أو الاستعراض)، يرفض الجهاز العصبي للراصد هذا الابتلاع البصري. تمتلك هذه العين قدرة تشريحية مستقلة تفكك المشهد فوراً، فتعزل "الخلفية الكبيرة" المتمثلة في الفعل المصنوع، لتلتفت بالكامل إلى "العناصر الدقيقة" المتمثلة في التفاصيل المجهرية والانفعالات المرتسمة على وجوه الحاضرين.

𔁰. الزاوية العاطفية: ليف فيغوتسكي وكيمياء الأثر النفسي

​إذا كان ويتكين يفسر أداة الرصد، فإن الرائد ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky) في كتابه "علم نفس الفن" يفسر جوهر هذا الشغف. يرى فيغوتسكي أن الحدث الإنساني أو الاستعراض الفني ليس إلا مثيراً أولياً، أما الدراما الحقيقية والتفاعل النفسي الأعمق (التطهير النفسي) فلا يقع فوق خشبة المسرح، بل يحدث داخل المنظومة العاطفية للمتلقي. برصد الجمهور، يترك الراصدُ المادة المصنوعة ويذهب لمراقبة "التفاعل الكيميائي الإنساني" في لحظة اشتعاله الحية؛ ليبحث عن النبض البشري العاري في رد الفعل، لا عن الآلية المبرمجة في الفعل.

𔁱. الزاوية الجماعية: كارل غوستاف يونغ واللاوعي المشترك

​من جانبه، يفسر العالم التحليلي كارل غوستاف يونغ (Carl Jung) ثراء هذه المراقبة وعمقها. يرى يونغ أن البشر يشتركون في طبقة عميقة تحت الوعي تُدعى "اللاوعي الجمعي"، تضم الرموز والمخاوف والأشواق المشتركة للإنسانية. عندما يجلس الجمهور أمام حدث أو استعراض، تسقط الأقنعة الفردية المصطنعة، ويتحركون كموجة عاطفية واحدة تحركها هذه الطبقة السحرية المخبوءة. إن مراقبة الجمهور هي رغبة يونغية عميقة في قراءة "الكتاب المفتوح" للروح المشتركة والمخزون النفسي السري للمجتمع في لحظة تجليه وعفويته.

𔁲. الإطار الفلسفي: جاك ديريدا وهدم المركزية لصالح الهامش

​هنا يكتمل المشهد ويجلس الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا في قلب هذه المجموعة ليمنح العين التفكيكية شرعيتها المعرفية والنقدية من خلال مذهبه "التفكيكي". يفسر ديريدا هذه الحالة عبر ثلاثة محاور رئيسية تعيد ترتيب المشهد:


​تقويض المركزية: الفعل أو الاستعراض هو "المركز" التقليدي الذي يركض خلفه الجميع، بينما الجمهور هو "الهامش" المنسي في الظلام. تمارس هذه العين تفكيكاً ديريدياً خالصاً عندما تقلب هذه الموازين، فتجعل من الهامش هو المركز الحقيقي للرصد، إيماناً بأن الحقيقة والعمق يختبئان دائماً في الزوايا المهملة لا تحت الأضواء المسلطة.

​قراءة المسكوت عنه: الفعل البشري نص معلن ومصنوع ومحسوب، أما ردة فعل الجمهور فهي "المسافات البيضاء والفراغات التي بين السطور"؛ هي الدمعة الخاطفة، الصدمة، أو الصمت الثقيل. الرصد هنا يذهب إلى هذا المسكوت عنه لأنه المادة الخام الأصدق التي تفضح أثر النص وتكشف أسراره.

​موت سلطة الفعل وولادة الأثر: عند ديريدا، المعنى لا يملكه صاحب الفعل، بل يعاد إنتاجه ويتعدد لحظة اصطدامه بوعي المتلقي. إن الالتفات للجمهور يعكس وعياً بأن الحدث قد انتهى فور وقوعه، وما يجري مراقبته الآن على وجوه الناس هو عملية "ولادة المعنى المتعدد"، حيث يتحول الفعل الواحد إلى مئات التأويلات والارتدادات الوجودية الحية.



​خلاصة:

إن العين التي تترك "الحدث" وتراقب "الجمهور" هي عين يمتزج فيها حسّ عالم الإدراك (ويتكين) الذي يشرح التفاصيل، وعمق عالم نفس الفن (فيغوتسكي) الذي يتتبع كيمياء المشاعر، وشغف عالم التحليل (يونغ) الذي يستنطق الروح الجماعية، يكللهم جميعاً منهج الفيلسوف التفكيكي (ديريدا) الذي يرى أن صدى الصوت يحمل حقيقة تفوق الصوت نفسه ثراءً وتعبيراً. إننا هنا لا نستهلك الموقف كمتفرجين عابرين، بل نقرأه كمحللين نرى الوجود من خلال ظلاله وارتداداته الإنسانية.




#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديوان الجرو اليتيم ..كتاب كامل
- جذع القصاب ...قصيدة
- ( القراء الخلدونية الجديدة ابو الجنيب‏
- آخر وظيفة لخنفسانة ... قصيدة
- الثعلبية تسحق جدران التكميم
- الرافدان فوق بركان
- مسابقة صف الصورة اثمرت تنوع الاساليب
- ٢ ترليون دولار اموال العراق المنهوبة
- العالم الرقمي يثري المجاز ومفردة تمام
- حوار في ملاحظات حول الكتابة ج٤
- ملاحظات حول الكتابة ج٤
- كتاب معجم الفاظ ابي الخصيب
- ملاحظات حول الكتابة ج٣
- تسجيل لحكايا برقية ‏( انفس ضباعية‏)
- المشيدات تغلق ضفاف الانهار بالبصرة
- كمين للذكاء الاصطناعي
- كربلاء اعلى تجسيد ل ‏( لا‏)
- مقتل الأمين وثرم الأمويين: قراءة تفكيكية
- صبيحة ثرم الامويين‏ ...قصيدة
- شجيرة الجوز ...قصيدة


المزيد.....




- يعرض قريبا.. -خلي بالك من نفسك- أول فيلم يجمع بين ياسمين عبد ...
- كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم ...
- -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع ...
- -إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح ...
- موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية
- رسول حمزاتوف... الشاعر الذي حمل داغستان إلى العالم
- غموض يلف حادثة بوشهر: تضارب الروايات يفتح الباب أمام فرضية - ...
- لماذا تُعد رواية -يفغيني أونيغين- لبوشكين -موسوعة الحياة الر ...
- مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي ...
- الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - صدى الصدمة: تشريح للعين التفكيكية