أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - رواية «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدوستويفسكي: انهيار الوهم مقود للدمار














المزيد.....

رواية «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدوستويفسكي: انهيار الوهم مقود للدمار


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 14:11
المحور: الادب والفن
    


​الوهم حين يتسلل إلى الوعي لا يكتفي بتزييف جزئية عابرة من الواقع، بل يتولى إعادة بناء الواقع كلياً وفق هندسة إدراكية بديلة، تُقنع الفرد بصحتها مطلقاً وتُحصّنه ضد أي برهان عقلاني.

​في سن مبكرة، قرأتُ رواية دوستويفسكي («نيتوتشكا نيزفانوفا»)، وانتقى الوعي منها ثيمة الوهم متجسدةً في سلوك أبطالها. ورسخ في الذاكرة — بعد توالي السنين وازدحام القراءات — مشهد تلك المرأة التي كشف زوجها خطأً مفترضاً في تاريخها، فاستعاض عن العقاب المادي بلغة الصمت الشرس؛ فكلما حاولت النطق بأي حرف، سلط عليها عينين ذئبيتين فيخرسها.

​إنها ألكسندرا ميخائيلوفنا؛ وزوجها بيوتر ألكسندروفتش، الرجل الأرستقراطي البارد، قاسي الملامح، وذو السلطة النفسية المطلقة. عندما اكتشف وجود رسالة غرامية قديمة موجهة إليها من شخص آخر، اتخذ من ذلك ذريعة ليخلق "محكمة صامتة" داخل البيت. لم يحاكمها علناً ولم يطلقها، بل عاقبها بـ الصمت العقابي والمراقبة الدائمة؛ فكان كلما رآها أو حاولت الكلام أو التبرير، نظر إليها بنظرات باردة ومحيّرة تُشعرها بالنقص والإثم، مما أدى إلى شلها نفسياً وإخراسها تماماً.

​هذا السلوك القسري دفع ألكسندرا إلى الوقوع في وهم الذنب المطلق؛ فبدأت تصدق أنها مجرمة آثمة وتعيش حالة من الجلد الذاتي والرعب اليومي، على الرغم من أن مشاعرها كانت طاهرة وأن زوجها استغل الموقف ليمارس سلطته السايكوباتية ويكسر إرادتها.

​غير أن "وهم الذنب المطلق" الذي استعبد ألكسندرا ميخائيلوفنا ليس سوى وجه واحد للعملة؛ إذ يضعنا دوستويفسكي في المقابل أمام نموذج أكثر تركيباً وانحرافاً في هندسته الإدراكية: إيفان يفييموف، زوج أم نيتوتشكا، العازف الذي شاد حياته كلها على وهم العبقرية المجهولة.

​لم يكن يفييموف مجرد عازف فاشل، بل كان كائناً يتغذى على النرجسية التعويضية؛ صاغ لنفسه واقعاً بديلاً يعتقد فيه أنه عبقري مظلوم تعوقه الظروف، وقسوة زوجته، وفقره الشديد. لقد أحاط نفسه بأسوار من الإسقاطات والتبريرات النفسية التي حمت عزة أناه من الانهيار عقوداً طويلة. كان الوهم بالنسبة له بمثابة "مخدر وجودي" يُبرر به كسله، وإدمانه، وسوء معاملته لبيته.

​وتتجلى الفاجعة الإدراكية في لحظة كشف الوهم؛ تلك اللحظة التراجيدية التي واجه فيها عزف المايسترو والعبقري الحقيقي (بيتر B.)، أو حين وُضع في اختبار حقيقي أمام كمنجته الخاصة. هناك، وفي لحظة صدق خاطفة وقاسية، تداعت الهياكل الهشة لواقعه المصنوع، وأدرك — في صحوة ذهنية مروعة — أنه لم يكن يوماً مبدعاً، بل كان مدعياً عاجزاً ضيع حياته وحياة من حوله في سراب خادع.

​إن كشف الوهم عند يفييموف لم يؤدِ إلى إصلاحه أو نضجه، بل أحدث انهياراً سيكولوجياً كلياً؛ إذ لم يحتمل الوعي أن يُعرّى فجأة من مدرعه الذهني الوهمي، فكان الاصطدام بالحقيقة الصريحة بمث بمثابة صدمة قاتلة قادته مباشرة إلى الجنون والموت. هنا يضعنا النص أمام حقيقة فلسفية مرعبة: إن الوهم حين يكون هو القوام الوحيد للذات، فإن اقتلاعه لا يعني الشفاء، بل يعني تدمير الذات بالكامل.
والوهم وباء ادراكي من اخطر الاوبئة, ونادرا ما يكشفه انسان في نفسه عبر الوعي المركز او الصدمة وهو يتجلى باشكال من الشخصيات والسلوكيات التي يتعذر حصرها او تصنيفها,فتراها متمثلا بالطقوس والمعتقدات وتكتشفه متلبسا بعض الكتاب والشعراء الذين وهبتهم الكروبات فرصة للظهور فانشؤوا لهم القابا امبراطورية وتراه مجسدا لدى العشاق الواهمين خاصة اولئك الذين يفنون سنواتهم دمعا لاجل امرأة لم يخطروا في بالها.
وربما ان لم يكن لديك بديل وتدفع احدا لكشف وهمه فستحكم عليه بالدمار كبطل دستوفسكي ايفان ....الذي انهار كليا بعد ان اكتشف وهمه.
الصياد
آب
٢٠٢٦




#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المهلهل يمثل أعلى تجسيد للثأر الجاهلي
- ​نلتقي في أغسطس لماركيز وكشف الشفرة الوراثية
- خطورة المجاز في الشعر )
- الصيادون يعودون لشط العرب
- الحوار الثقافي في عطلة موسمية
- الذكاء الاصطناعي افضل المخترعات
- تشوهات ...قصيدة
- الغزي د.محمود العساف يخوض معركة البقاء
- كيف تطلق الاسماء والالقاب والكنى ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان: من العزلة إلى المواجهة النقدية ج ...
- الأطروحات حول شعر البريكان: من العزلة إلى المواجهة النقدية ج ...
- كيف تطلق الالقاب
- تحجر الحوار: صرخة ضد الجفاء الإنساني في زمن الشاشات
- رواية «أغنية هادئة»: أبشع الفجائع ما تنمو بالتدريج
- عندما تطيح السخرية الرقمية بالمسؤولين: من حزب -صراصير- الهند ...
- اشهر ابيات امريء القيس وهو يحتضر ج٢
- أشهَرُ أَبيَاتِ امْرِئِ القَيْسِ وَهُوَ يَحْتَضِرُ ج١
- مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي ج٢
- مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي.. موقفه من العشق ( ...


المزيد.....




- -نازا- فيلم وثائقي ينافس في مهرجان -البندقية- ويحاكم آليات ا ...
- بين الوفاء للفن والخوف من النسيان.. متى يعتزل الفنان؟
- كاتب إيطالي يعتزم كتابة رواية عن تولستوي
- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - رواية «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدوستويفسكي: انهيار الوهم مقود للدمار