أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية














المزيد.....

بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 00:49
المحور: الادب والفن
    


​في الجزء الأخير من رواية ماركيز (الحب في زمن الكوليرا)، تظهر شخصية ثانوية لكن ثيمتها أصبحت تجذب النقاد والمهتمين:


​«كانت ديلفينا كاستيلدياغوا امرأة ناعمة كالحرير، تلبس الحرير وتتزين بالمجوهرات، ولكنها تحمل سرها الغامض. ففي صباها، وأثناء إحدى الحفلات التنكرية في الظلمة التي تخللت إحدى الأزمات الكهربائية المتكررة في المدينة، تسلل إليها رجل مجهول في العتمة المطلقة واغتصبها دون أن ينطق بكلمة واحدة، واختفى في الظلمة.

​لم تره، ولم تعرف من يكون، لكن تلك اللحظة حفرت مجراها في حياتها. لم تقضِ سنيها في الحسرة، بل تحولت تلك الواقعة إلى هوس دائم؛ وظلت لسنوات طويلة تطوف المدينة وتتدخل في كل جمع، وتتفرس في وجوه الرجال ورائحتهم وأصواتهم، باحثةً في الظلام عن ذراعي ذلك الغريب الذي اغتصبها، علّها تكتشف هويته أو تعيد العثور على اللحظة التي غيرت مجرى حياتها.»




​البناء السيكولوجي ودوافع الشخصية

​لم يكن دافع ديلفينا الحب العاطفي التقليدي، بل كان مزيجاً معقداً بين الهوس بكشف المجهول والسعي لاستعادة السيطرة على مصيرها. وقد تجسد هذا البناء في أبعاد رئيسية:


​هوس الفضول وكشف اللغز: كان الجهل بهوية الفاعل أشد ثقلاً عليها من الواقعة ذاتها، حيث تحول الغريب إلى شبح بلا وجه، وباتت رؤيته وتحديده شرطاً ضرورياً لتأطير الحدث وإغلاق الملف النفسي المفتوح.

​استعادة السيطرة والكرامة: التفتيش عنه في الزحام كان محاولة واعية (وغير واعية) للتحول من دور "الضحية المغلوبة" إلى دور "المتقصي والباحث" الذي يملك زمام المبادرة.

​التعلق باللحظة المفصلية: أحدثت تلك الليلة المظلمة قطيعة كاملة بين حياتها السابقة وحاضرها، فأصبح البحث سرياناً قهرياً لفك شفرة المجهول وترميم الإرادة التي انتُزعت منها في العتمة.



​مقاربة النقد النسوي


​نقد الفانتازيا الذكورية وتجميل الصدمة: تتجه القراءات النسوية إلى إدانة المعالجة الرمزية للواقعة، وتأخذ على النص تحويل جريمة عنف جسدي واغتصاب صارخ إلى لغز تشويقي أو "فانتازيا غرائبية" تُجمل الصدمة وتُسلب الضحية الاستجابة الإنسانية الطبيعية للصدمات النفسية.

​التشييء واختلال الفاعلية: تظهر هذه المقاربة أن حركات ديلفينا ورغباتها ظلت محاصرة داخل المنظور الذكوري؛ إذ أصبحت حياتها مُحددة كلياً بفعل الرجل المجهول، وتظل حركتها مجرد رد فعل للجريمة مما يرسخ المركزية الذكورية في توجيه مسارها.

​ترميم الفاعلية : في المقابل، ترى قراءات نسوية أكثر اعتدالاً أن تحوّل ديلفينا إلى التقصي والتفرس في الوجوه يمثل خروجاً من حالة السلبية المطلقة ومحاولة واعية لترميم الإرادة المهدورة ورفض الاستسلام لدور الضحية.



​رأي ماريو فارغاس يوسا


​ثيمة الهوس القهري : ينطلق الروائي يوسا في تحليله لشخصيات ماركيز من فكرة "الشغف القهري المغلق" الذي يلتهم الكائن الإنساني؛ ويرى أن ديلفينا لا تُحركها العواطف التقليدية بل هوس أحادي يجعل حياتها برمتها مفصلة على مقاس واقعة واحدة.

​الحدث التأسيسي وقطيعة الزمن: يرى يوسا أن واقعة العتمة هي "حدث تأسيسي" أحدث قطيعة كاملة بين ماضي ديلفينا ومستقبلها، ليتناول الجريمة بوصفها النقطة التي أعادت تشكيل وجودها وجعلت من تقفي الأثر طقساً يومياً لفك شفرة اللحظة التي صنعت مصيرها.

​الشغف المولود من رحم الفوضى: تؤكد قراءة يوسا أن البناء الأدبي عند ماركيز يعتمد على خلق شخصيات ثانوية تُبنى على شيفرة أسطورية حادة: شغف مطلق ومظلم يولد من قلب الفوضى أو الجريمة، ويمضي بالشخصية إلى أقصى حدود التفرغ الذهني والنفسي حتى يتلاشى كل ما عداه في واقعها.



​قراءة نقدية وتعقيب ختامي

​غالباً ما يتوجه الإنسان إلى تنقية الذاكرة من مساحة الصدمات لكي يعبر العوائق النفسية ويستمر، لكن في حالة بطلة ماركيز ديلفينا يحدث العكس تماماً؛ إذ تبقى الحادثة التي تعرضت لها في الظلمة متصدرة الذاكرة والمخيلة كقوة محركة.

​من هذا المنظور، يبدو التفسير النسوي قاصراً في تأطير الشخصية؛ لأن ديلفينا تمثل حالة نادرة وفريدة، ولم يقصد ماركيز تعميمها كنموذج اجتماعي. إن البحث الدؤوب عن المغتصب ليس خضوعاً قدر ما هو محاولة للانتصار ولفهم اللغز؛ وحتى إن كانت الشخصية تُحرّكها دوافع مازوخية (وهو رأي افتراضي سيكولوجي)، فإنها تظل تعبيراً عن رغبة قهرية بالوصول إلى المعتدي والخضوع له في سبيل إتمام مواجهة اللحظة التي اختُطفت في العتمة.


الصياد
٣١ آب
٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة طابور الموت تفتح ابواب النقد
- الروائية الألمانية كارولين فال: اقتطاع الوجع وصناعة الشهرة ا ...
- شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة
- الشعر الأندلسي في القرون الثلاثة الأولى
- توضيح وأمانة أدبية: حول ما ينشر لي في موقع «الحوار المتمدن
- رواية «نيتوتشكا نيزفانوفا» لدوستويفسكي: انهيار الوهم مقود لل ...
- المهلهل يمثل أعلى تجسيد للثأر الجاهلي
- ​نلتقي في أغسطس لماركيز وكشف الشفرة الوراثية
- خطورة المجاز في الشعر )
- الصيادون يعودون لشط العرب
- الحوار الثقافي في عطلة موسمية
- الذكاء الاصطناعي افضل المخترعات
- تشوهات ...قصيدة
- الغزي د.محمود العساف يخوض معركة البقاء
- كيف تطلق الاسماء والالقاب والكنى ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان ج٢
- الأطروحات حول شعر البريكان: من العزلة إلى المواجهة النقدية ج ...
- الأطروحات حول شعر البريكان: من العزلة إلى المواجهة النقدية ج ...
- كيف تطلق الالقاب
- تحجر الحوار: صرخة ضد الجفاء الإنساني في زمن الشاشات


المزيد.....




- ميل غيبسون يعتذر عن سخريته من مترجم لغة الإشارة في مهرجان سي ...
- أدباء وفنانون عراقيون يستعيدون التفاصيل الأولى التي قادتهم إ ...
- شاعر سوري يفوز بجائزة -عبد العزيز سعود البابطين- التقديرية ل ...
- عام نجيب محفوظ.. كيف تستعيد القاهرة ذاكرة -ابن البلد- بعد عق ...
- بعد جدل حفله بالتزامن مع حرائق الجزائر.. الشاب خالد يرد بفيد ...
- الثقافة تنفي إلغاء منحة الأدباء والصحفيين وتؤكد مواصلة المسا ...
- سوريا.. الفنانة والنائبة لاذقاني تبكي أمام مجسّم سجن صيدنايا ...
- تركيا.. نجار متقاعد يحول جدران بلدته إلى لوحات فنية
- -رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور ...
- حرب الروايات في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحاول إسرائيل إعاد ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية