أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة المظلمة














المزيد.....

من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة المظلمة


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 04:50
المحور: الادب والفن
    


من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة المظلمة.

​يُطلق مصطلح «عصر الانحطاط» أو «الفترة المظلمة» في الأدب العربي عادةً على العصور الممتدة من سقوط بغداد على يد المغول (656 هـ) وحتى بداية النهضة الحديثة مع حملة نابليون على مصر (1213 هـ). ورغم ما وُصفت به هذه الحقبة في أدبيات النقد من جمود شعري وميل إلى التكلف والزخرفة البديعية الجافة، إلا أنها لم تكن مظلمة علمياً ولا موسوعياً؛ بل شُغف العلماء حينها بحفظ التراث الجمعي والإسلامي من الضياع بعد دمار المكتبات وغرق الذاكرة الحضارية.

​من رحم هذا الذعر الحضاري، ظهرت أضخم المعاجم والموسوعات؛ حيث برزت المعاجم اللغوية الشاملة كـ «لسان العرب» لابن منظور، و«القاموس المحيط» للفيروزآبادي، وصولاً إلى «تاج العروس» للزبيدي. ولم يكن هذا الجمع لغوياً فحسب، بل اتسع ليكون استيعاباً كونياً كما في «نهاية الأرب» للنويري، و«مسالك الأبصار» لابن فضل الله العمري، والدليل الدبلوماسي والإداري الشامل «صبح الأعشى» للقلقشندي. وفي قلب هذا التحول المنهجي، بزغ الفكر التأسيسي مع ابن خلدون في «مقدمته» التي أرست قواعد علم الاجتماع والعمران، والتأريخ التوثيقي العميق في «خطط المقريزي» و«سير أعلام النبلاء» للذهبي. وحين اضطربت وسائل التلقي، لجأ العصر إلى "الشعر التعليمي" والمتون لتيسير العلوم، فنظمت الألفيات كـ «ألفية ابن مالك». ومع هذا الانغلاق المؤسسي، ظلت هناك ثقوب ضوء تتسلل منها الحيوية الإنسانية، كما تجلى في أدب الرحلات عند ابن بطوطة وابن جبير، واستمرار فن الموشحات في المغرب والشام.

​غير أن هذا الجهد الموسوعي المادي كان يوازيه تحول أعمق في الضمير والروح؛ إذ شهدت الفترة الممتدة من القرن السابع إلى العاشر الهجري أكبر ثورة تدوين وفهرسة فقهية وشروح وحواشٍ في تاريخ الإسلام.

​لقد أدرك المجتمع -بعد تزلزل المركز السياسي والخلافة- أن الفقه والمؤسسة الروحية (التصوف) هما الهيكل الوحيد القادر على حفظ تماسك الأسرة، والمعاملات، ونظام القضاء، والسلوك اليومي من الانهيار التام. فظهرت أمهات المصنفات الفقهية الكبرى التي ضبطت المذاهب: كـ «المغني» لابن قدامة والمؤلفات الفتاوية لابن تيمية وابن القيم لدى الحنابلة، وموسوعات النووي والأذرعي لدى الشافعية، والمتون الحاكمة لدى الحنفية والمالكية.

​وهنا تكمن الإشكالية الجمالية: لقد تسيد الطابع الفقهي والتقنيني على اللسان العربي، فاستحالت اللغة في تلك القرون لغة "فقهاء وحكام وشراح"؛ يغلب عليها التحديد المنطقي، والجفاف اللفظي، والاهتمام بالضوابط والمعايير الصارمة على حساب الخيال الشعري والتحليق البلاغي. انزاحت الطاقة الإبداعية للأمة من "مغامرة السحر الجمالي" إلى "حرفية الضبط التشريعي".

​وهكذا، لم يكن الجفاف الأدبي عُقماً طارئاً في العقل العربي، بل كان ثمرة تحول وظيفي؛ إذ برز الطرح الفقهي واللوذ الصوفي كطوق نجاة وأداة إنقاذ للأرواح التي هزها تلاشي الحضارة، واحتمت باليقين التشريعي والروحي تعويضاً عن الإيمان بالجمال. لقد كان الفقه بمثابة الهيكل الخرساني والدرع الذي أبقى بناء المجتمع قائماً ومنعه من الانهيار، بيد أن السعر الجمالي الذي دفعته الأمة مقابل هذا الحصن كان جفاف الأدب وتواريه.

​الصياد
أيلول ٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً
- الوشاء في كتابه الموشى يصف جمال الفارسيات
- قصة الشاعر الحلي وأبيات أبي الشيص
- أشهر شاعرتين من الخوارج: قراءة في سيكولوجية الدم والجمال
- الذكاء الاصطناعي يطيح برواية «كان ذلك أو الموت» من قائمة جائ ...
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف.ج٢
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف
- ظلال المفردات في النص التراثي
- في جماليات النص التراثي قراءات في التشكيل والرؤية .. كتاب كا ...
- ازهار الجوز كتاب كامل
- قصيدة ​أَطْلاَلُ حَانَةٍ ..لابي نواس: حداثة مبكرة
- من الذائقة إلى الخوارزمية: السرديات الكمية وتفكيك دينامية ال ...
- جرس مدرسة انقذ تسع مائة طالب بالنيبال
- كتاب الإيطاليون: جذور الظواهر الاجتماعية
- بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية
- قصة طابور الموت تفتح ابواب النقد
- الروائية الألمانية كارولين فال: اقتطاع الوجع وصناعة الشهرة ا ...
- شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة
- الشعر الأندلسي في القرون الثلاثة الأولى
- توضيح وأمانة أدبية: حول ما ينشر لي في موقع «الحوار المتمدن


المزيد.....




- إيشان والمركز الثقافي البغدادي يحتفيان بذكرى الشاعرة فدعة ال ...
- قمر خلف تعود إلى الحارة الدمشقية لمواجهة الظلم بـ-التوأم الش ...
- بجهود ذاتية.. باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون روماني ...
- تايلور سويفت تتجاوز بيونسيه كأكثر فنانة حائزة على جوائز MTV ...
- -عَسطح بيروت-... نجوى كرم تطلق فيديو كليب أغنية -تاك تاك-
- -أفنجرز: إندجيم-.. الفيلم الذي عاد إلى القمة بعد 7 أعوام
- بين -المواطن كين- والملياردير -ماسك-.. حين أغضبت السينما أصح ...
- -تعليم بمليون دولار لا يكفي-… رحلة طبيب أمريكي من حيرة الرعا ...
- بزخم أكاديمي من 5 قارات.. إسطنبول تُفتش عن -الحلول القرآنية- ...
- التعليم العالي:جامعة القاهرة تطلق منصة رقمية للملكية الفكرية ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة المظلمة