أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - أصناف النظرات في التراث العربي















المزيد.....

أصناف النظرات في التراث العربي


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 07:14
المحور: الادب والفن
    


​لم تكن العين في الثقافة العربية مجرد جارحة للبصر، بل كانت مرآةً صقيلة تُقرأ فيها سرائر النفوس ومضمرات القلوب. ولأن العربي كان رهين اللحظة الحسية والبلاغية، فقد أرهف سَمْعَه وبَصَرَه لفتحات الجفون وتنقلات الحدق، فلم يَدَع نظرةً تعبر وجه الإنسان إلا وجعل لها اسماً يوسمها، وحداً يعيّن موضعها من النفس.

​فبينما وقف المعجميون كالـثعالبي وابن سيده عند فِيزْياء العين وتسمية حركاتها من "رَنْوٍ" و"شَزْرٍ" و"حَدَجٍ"، نفذ الأدباء والفلاسفة كـابن حزم والجاحظ إلى ما بعد العين؛ فصنّفوا اللحظ بوصفه شفرة تواصلية قائمة بذاتها، ورسالة مكتومة تُستلّ فيها السيوف أو تُحلّ بها عِقَد القلوب، حتى غدت "النظرة" في التراث العربي نصاً كاملاً يُقرأ بلا حروف، ويُتأوَّل بلا لسان.

​التصنيف المعجمي للعين والنظرات:

هذا تقسيم معجمي دقيق للعين ونظراتها مرتباً حسب الغرض والشدة:

𔁯. نظرات التحقيق والحِدّة (التحديق والصدمة)


​الحَدَج / الإحْداد: النظر بحِدّة وإدامة البصر مع فتح العين دون إغماض (يُقال: حَدَجَه ببصره إذا رماه بنظرة حادة).

​الشَّخوص / الإشْخاص: النظر الذي لا يرمش فيه الطرف من هول، فزع، أو ذهول (كما في القرآن: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾).

​الزَّرْق / الزَّرْك: رمي الخصم بالنكزات البصرية الحادة والممتدة (ومنه الزَّغَر: إدامة النظر بحِدّة ومقت).

​التَّحْقِيق: النظر بشدة لتثبيت الشيء واستبيان تفاصيله.



𔁰. نظرات العداء والغضب (صراع الأنداد والضرائر)


​الشَّزْر: النظر بمؤخر العين (جانبها) مع إمالة الوجه؛ وهي نظرة المغضب، المتكبر، أو الغيور (وهي أشهر نظرة بين الضرائر والأنداد).

​الخَزْر: النظر بمؤخر العين مع تضييق الجفن؛ للتقييم الدقيق أو لإظهار المقت والاستهانة.

​الشَّفْن: النظر إلى الشيء بمقت وكراهية أو عدم رضا.

​الاسْتِشْفاف: النظر إلى الشخص من قمة رأسه إلى قدميه لتقييم حسناته وعيوبه أو الاستهانة به.



𔁱. نظرات الحب، الهوى، والرفق


​الرَّنْو: النظر الدائم المتصل مع سكون الطرف في طمأنينة، اشتهاء، أو فكر عميق (رنا إليه).

​الْغَضّ: خفض البصر والغمض الجزئي للعين حياءً، هيبة، أو إجلالاً.

​الْمُطالَعة / اللَّحْظ: اختلاس النظر بذكاء وخفة نحو المحبوب دون أن يشعر الآخرون.

​التَّعَشُّج / التَّأَمُّل: إطالة النظر إلى الوجه حسناً واستحساناً.



𔁲. نظرات الخفاء والتربص


​المُسارَقة: سرقة النظر إلى الشيء دون أن يفطن المنظور إليه.

​الاسْتِشْراف: رفع البصر وتمديد العنق لرؤية الشيء من بعيد أو لتوقع قادم.

​التَّلَفُّت / الكَهَل: النظر يمنة ويسرة بحذر وترقب.



𔁳. نظرات الضعف والانكسار


​الخُشُوع: انخفاض البصر وسكونه ذلاً أو هيبة (﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾).

​الإطْراق: سكون العين والنظر إلى الأرض حزناً، تفكيراً، أو خجلاً.

​السَّدَر: النظر المتشتت الذي لا يستقر على شيء لضعف في البصر أو حيرة في النفس.



​ثانياً: من المعجم إلى النص: التصنيف البلاغي والنفسي للنظرة

​إذا كان المعجميون قد انشغلوا برصد "هيئة الحدقة"، فإن الشعراء والأدباء تحولوا بالنظرة من مجرد حركة جسدية إلى "فعل وجودي" يحمل شحنات انفعالية قادرة على التأثير المادي والمعنوي في المنظور إليه. ويمكن تصنيف النظرة في النص الأدبي والتراثي إلى ثلاثة مجالات رئيسة:

𔁯. نظرة الصرع والإزلاق (السلاح البصري)

لا تقف النظرة في الأدب العربي عند حدود التأثر الوجداني، بل تتعداه لتغدو قوة صدمة زلزالية تزيل الخصم عن ثباته، وهي النظرة التي تجمع بين شدة العداء وتوتر الإرادات:


​في الموروث القرآني: يتجلى هذا المعنى بأعلى درجات البلاغة في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: 51]؛ إذ أُسند فعل "الإزلاق" (وهو تنحية القدم عن موضعها وسقوطها) إلى "الأبصار"، لتتحول النظرة إلى طاقة مادية طاعنة تصيب ثبات الإنسان في مقتل.

​في الصراع الحماسي: تتجسد هذه النظرة في مقارعة الأنداد والفرسان؛ حيث يُقاس العنف البصري بمكيال السلاح المادي، كما في القول:





​يَتَقارَعُونَ إذا التقوا في موضعٍ ... نَظَراً يَزِلُّ مَواضِعُ الأَقْدامِ

فالمقارعة هنا ليست بالسيوف، بل بـ "اللحظ"، وتأثير هذا اللحظ يبلغ من الهيبة والغضب ما يجعل أرض الخصم تهتز من تحت قدميه قبل أن تبدأ الحرب الفعلية.







𔁰. نظرات الحرب الباردة (تقاطُع الضرائر والأنداد)

في دوائر التنافس المكتوم—ولا سيما بين الضرائر أو المعشوقات المحتملات—تتحول النظرة إلى أداة تقييم ومسح وتفكيك، حيث تستعيض المرأة أو المنافس عن القول الشديد برصد بصري يتوزع بين:


​نظرة المسح والمقايسة: وهي نظرة تتفقد الغريمة من أعلى رأسها إلى قدميها (الاستشفاف) لتقييم مكامن القوة والضعف فيها.

​نظرة السلب والتسقيط: تُمارس عبر تضييق الجفن (الخَزْر) أو النظر بمؤخر العين (الشَّزْر)، لإشعار الطرف الآخر بأنه طارئ أو غير مستحق، ومحاولة إزلاق ثقته بنفسه وإرباك حضورها أمام الآخرين.



𔁱. شفرات العاطفة وإشارات الروح (سيميائية ابن حزم)

في المقابل، ينفتح باب الهوى على لغة بصرية شديدة التكثيف؛ فالعين في مجلس العشق لا ترمش عبثاً، بل ترسل إشارات منتظمة ضبطها ابن حزم الأندلسي في كتابه طوق الحمامة:


​نظرة الإقبال والرضا: تكون بإدامة البصر مع غمض جزئي هادئ يُفصح عن الاطمئنان.

​نظرة المنع والتحذير: كَسْرُ البصر أو رَمْيُ المحبوب بنظرة شَزْرٍ خاطفة إذا تجاوز حدود الأدب أو كشف السر أمام الرقباء.

​نظرة الاستغاثة والمطالبة: وهي نظرة الرَّنْوِ المكسورة التي تُشعر الطرف الآخر باللوعة وتحثه على الوصل.



​خاتمة

​إنّ استقراء أصناف النظرات في التراث العربي يبتعد عن كونه رصداً معجمياً مجرداً لمسميات الجوارح، ليغدو كشفاً عن وعي سيميائي وبلاغي متقدم. لقد أدرك الأديب والمفكر العربي أن اللسان قد يتصنّع البيان ويموه عن الحقيقة، في حين تظل الحدقة ثغرة النفس العصية على التزييف؛ فالعين إن حَدَجَت أعلنت عن استكبار وتحدٍ، وإن شَزَرَت أفصحت عن غيرة وجمر مكتوم، وإن رَنَت أراقت حنين الروح واستسلامها.

​وتكمن عبقرية النص الأدبي والتراثي في قدرته على تحويل "اللحظة البصرية" العابرة إلى زلزال مادي يُخلّ بثبات الأجساد والأقدام، كما في صراع الأنداد، أو يزلزل الطمأنينة النفسية كما في تقاطع الضرائر، أو يبني جسور الوصل الكتماني كما في أدبيات الحب لدى ابن حزم، لتغدو "النظرة" في المحصلة لغة كاملة تُقرأ بلا حروف، وتُتأوَّل بلا لسان، وتستقر كوثيقة إنسانية شديدة الكثافة والعمق.

​قال الشاعر: (فنحنُ سُكوتٌ والهوى يتكَلَّمُ)، وبإمكان القارئ النهم والمدقق أن يجد عشرات الأمثلة الشعرية والنثرية على كل صنف من النظرات ويتابع تأثيل مفرداته.

​الصياد
أيلول ٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طرديات أبي نواس
- من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة ...
- سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً
- الوشاء في كتابه الموشى يصف جمال الفارسيات
- قصة الشاعر الحلي وأبيات أبي الشيص
- أشهر شاعرتين من الخوارج: قراءة في سيكولوجية الدم والجمال
- الذكاء الاصطناعي يطيح برواية «كان ذلك أو الموت» من قائمة جائ ...
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف.ج٢
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف
- ظلال المفردات في النص التراثي
- في جماليات النص التراثي قراءات في التشكيل والرؤية .. كتاب كا ...
- ازهار الجوز كتاب كامل
- قصيدة ​أَطْلاَلُ حَانَةٍ ..لابي نواس: حداثة مبكرة
- من الذائقة إلى الخوارزمية: السرديات الكمية وتفكيك دينامية ال ...
- جرس مدرسة انقذ تسع مائة طالب بالنيبال
- كتاب الإيطاليون: جذور الظواهر الاجتماعية
- بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية
- قصة طابور الموت تفتح ابواب النقد
- الروائية الألمانية كارولين فال: اقتطاع الوجع وصناعة الشهرة ا ...
- شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة


المزيد.....




- تجارب نسوية أدبية في جلسة بالمنبر النسوي في اتحاد الأدباء
- سينما الذاكرة.. كيف تنقذ الأفلام المستقلة حكايات الجنوب العا ...
- بعد 60 عاما على صدورها.. هل ما زالت -موسم الهجرة- سقفا للأدب ...
- سوريا تستعيد 21 قطعة أثرية من الولايات المتحدة
- -شهرزاد المغربية التي لم تفاوض الخوف-.. سيرة مفكرة خلقت نسوي ...
- سبعون عاما على مهرجانات بعلبك.. ذاكرة الحجارة التي تقاوم ثقل ...
- الأردن يحتضن ملتقى -زمن الأبطال- للأفلام الوثائقية
- سهرة عائلية لا تُنسى.. دليلك لأفضل أفلام الرسوم المتحركة في ...
- -التكفير-.. فيلم يعيد حرب العراق إلى الواجهة
- حسين فهمي: أفلام الذكاء الاصطناعي لن تشارك في مهرجان القاهرة ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - أصناف النظرات في التراث العربي