أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جيلاني الهمامي - الهروب إلى الأمام .. ومؤشرات النهايات















المزيد.....

الهروب إلى الأمام .. ومؤشرات النهايات


جيلاني الهمامي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 07:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


شنت السلطة في الأيام الماضية هجوما عشوائيا على النشطاء والشباب المحتج وقامت باعتقالات واسعة شملت عددا من المشاركين في مسيرة يوم السبت الماضي (السبت 19 سبتمبر 2026) وايقافات في صفوف المعطلين عن العمال من أصحاب الشهادات العليا. و"فبركت" لهم في الابّان ملفات قضائية وأودعتهم السّجن بعد تأجيل موعد الإيقاف أكثر من مرّة وبذلك أنضافت لجملة القضايا المعروفة في تونس، التآمر 1 والتآمر 2 وأسطول الصمود والصحافيين الخ...، قضية جديدة هي قضية المسيرة أو قضية "المس من رموز الدولة".

إن الطريقة التي تمّت بها عملية مداهمة مقارّ سكنى الموقوفين ليلا وبأساليب خِلْنا أنّها انتهت وتوسيع دائرة الاعتقالات والتعجيل بفتح تحقيق قضائي في شأنهم وتمديد مدّة الاحتفاظ، كل هذه الممارسات التي عاشت على وقعها العديد من العائلات وجانب من الرأي العام أعادت إلى الأذهان ما كان سائدا في سنوات الجمر في عهد الاستبداد البورقيبي وبن علي من بعده. ولكن أيضا نبّهت الجميع إلى درجة التّقهقر التي بلغتها أوضاع الحريات في بلادنا مقابل درجة تغوّل سلطة الاستبداد الجديد السائد في السنوات الأخيرة. وأكثر من ذلك كشفت في خضم المشاعر والانطباعات المتضاربة التي خلفتها حملة القمع الأخيرة لدى دائرة واسعة من الناس، عن الرّعب الذي يسكن قلوب وعقول الذين كانوا وراء الحملة وأصحاب القرار السياسي والأمني.

إن تجنيد أجهزة الشرطة الفنية بطم طميمها لتصوير المسيرة وتجنيد أعداد مهولة من أعوان البوليس لمراقبة المسيرة ورصد كل تفاصيلها وتتبع العديد من العناصر الناشطة في تنظيمها تؤكد بلا شك أن السلطة بكل أجهزتها كانت، وهي تتابع الاخبار، قد استعدت لهذا الحدث "الجلل" بدليل أنها اعتمدت على الصور التي أخذتها للمتظاهرين وانطلقت مباشرة بعدها في المداهمات والايقافات والتحقيق مع الموقوفين ورفع الأبحاث إلى النيابة العمومية لتكوين ملف القضية. بعبارة أخرى كانت السلطة في انتظار هذه اللحظة لتضع أمرا خططت له موضع تنفيذ. وما هو هذا الامر؟ إنه الإعلان بشكل صريح وواضح أن لا مكان للتظاهر في تونس بعد اليوم. هذه هي الرسالة المراد نشره على أوسع نطاق فبدعوى "المس من رموز الدولة، إقرأ قيس سعيد، فإن كل من سيتظاهر من الان فصاعدا سيكون عرضة للإيقاف والتتبع والسجن.

ما مغزى هذا التطور؟
إن إيقاف عشرات من المتظاهرين سواء يوم السبت 19 سبتمبر الماضي أو في احتجاجات أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل يمثل انعطافة خطيرة في مسار تركيز منظومة الاستبداد الشعبوي ونسف مكسب الحريات الذي أتت بها ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي 2011 يتم فيها القضاء على أخر ما تبقى تقريبا من "حريات الثورة". فبعد تحوير الدستور واستصدار سلسلة المراسيم والقوانين ومنها خاصة المرسوم 54 وبعد حل العديد من الهيئات والمؤسسات وتجميدها (الهايكا، المجالس البلدية، المجلس الأعلى للحوار الاجتماعي، المجلس الأعلى للقضاء الخ...) وبعد وضع اليد على مؤسسات الاعلام ومحاصرة الأحزاب والمنظمات والجمعيات وتصحير الحياة السياسية والفكرية ها هي سلطة الانقلاب تمر إلى منع المظاهرات حتى لا يبقى للشعب التونسي وفعالياته المدنية والسياسية الامكانية للتعبير عن موقفها مما يحصل في البلاد.

إن الشعبوية لا تكتفي ببلاد صحراء خالية من الحركة والنشاط بل تريد أن تصبح البلاد مقبرة خالية من كل مظاهر الحياة. تلك هي الوضعية المثلى التي تهدف الشعبوية إلى تحقيقها حتى يتسنى لها بسط نفوذها المجتمع والشعب والبلاد الآن وفي المستقبل. وقد شرعت في العمل من الآن لتستبق الاحداث وتعد كل شيء من أجل أن تكون المناسبات الانتخابية القادمة وخاصة الانتخابات الرئاسية مجرد عملية فلكلورية سمجة لتجديد خضوع البلاد لطاعون الاستبداد والحكم الفردي المريض. ولكن هذه الحسابات التي تنبني بكل غرور وسذاجة على القولة الفرنسية «toutes choses étant égales par ailleurs» لم تأخذ في الاعتبار طوارئ الزمن وصروف الدهر أو بلغة السياسة المعاصرة تطورات الصراع الطبقي والسياسي.

هذا ما يستشف ظاهريا من هذا التصعيد القمعي غير المفاجئ ولكن للحقيقة أوجه أخرى.

من علامات النهاية
فاللجوء للقوة والتصعيد في قمع الحريات ليس بالضرورة علامة قوة بل العكس صحيح ووراء كل حملة قمعية هناك مخاوف لدى السلطة من أن تفقد سيطرتها وتنفلت الأمور فتصبح مهددة بفقدان نفوذها. كل حركة احتجاجية مهما كان حجمها هي في منظور النظام الفاشستي حمالة لبذرة انتفاضة عارمة وعليه وجب قمعها في المهد. وكل تيار سياسي أو حزب أو حتى مجموعة نشطاء معارضين من الوارد أن يستقطبوا الرأي العام وأن يتحولوا إلى خصم قوي بمقدوره تهديد النظام لذلك وجب مراقبتهم ومنعهم والتضييق عليهم وعند الاقتضاء افتعال قضية ضدهم والزج بهم في السجن للتخلص منهم.

إن كل مغالاة في التطرف الاستبدادي والقمع والظلم تنبع في الأساس من حالة الرعب التي تستبد بالسلطة القمعية التي لا تثق في شيء ولا ترى من حولها إلا ما يهددها ويستهدف وجودها. وحينما تتواتر حملات القمع مثلما يجري في تونس في الأشهر الأخيرة فأعلم أن قيس سعيد ومن حوله في منظومة الحكم قد تملكهم بالضعف وسيطر عليهم الخوف من السقوط وخسارة كرسي الحكم. والحقيقة أن التصعيد القمعي بالقدر الذي نراه اليوم هو في حدّ ذاته علامة على أن منظومة الحكم فقدت كل الوسائل السياسية والشرعية للاحتفاظ بالحكم ولم يتبق لها في سبيل ذلك غير العصا. ولكن تاريخ النضال السياسي في عالمنا المعاصر وتاريخ نضال الشعوب من أجل الحرية والعيش الكريم يؤكد أن أكثر ما يتسبب في انهيار نُظُمٍ الحكم إنما هو القمع ومنع الحرية ونشر الخوف. وقد ثبت بما لا مجال للشك أن القمع لا يبني حكما مستداما بقدر ما ينمي كل عوامل خراب السلطة والمجتمعات.

إن لجوء قيس سعيد وحكومته للاساليب المنافية للحريات والديمقراطية تؤشر بوضوح على أيام هذه المنظومة باتت معدودة. فهي عاجزة بتمام الوضوح أيضا عن إدارة شؤون الدولة والمجتمع وعن تلبية حاجيات الشعب والاستجابة لانتظاراته. في المقابل من ذلك تكثّف من أعمال التعدي على حقوق الناس وانتهاك حرياتهم بحيث لم يسلم من ذلك أي قطاع من القطاعات ولا فئة من فئات الشعب، السياسيون ونشطاء المجتمع المدني والصحافيون والمدونون والنقابيون ورجال الاعمال والعاطلون عن العمل وغيرهم.

وبطبيعة الحال فإن سلطة تَسْتَعْدِي الجميع وتَعْتَدِي على حقوق الجميع ماذا تبقى لها لتكوين حزامها السياسي وقاعدتها الاجتماعية ومن سيتولى الدفاع عنها عند الشدة؟ يعلم الجميع في هذا الصدد أن قيس سعيد لا يعوّل من منطلق المفهوم الشعبوي للسلطة إلاّ على الأجهزة الصلبة للدولة التي ولئن شكلت حتى الآن حصن نظامه وأدواته في بسط نفوذه فإنها جُبِلَتْ كأجهزة على خذمة من هو في كرسي الحكم بصرف النظر عن اسمه ومميزات شخصيته شرط أن يكون قادرا على تبجيلها وحماية مصالحها وتوفير الضمانات على استقرارها وديمومتها. فهذه الأجهزة في بلادنا كما في كل بلدان الدنيا لا تدين إذن بالولاء إلا لمن هو أهل بالولاء. وفي كم تجربة في العالم بما في ذلك في تونس سنوات 2011 وما تلاها أثبتت أن لا طاعة مطلقة ولا ولاء دائم في منظور هذه الأجهزة التي تتعامل مع الدولة كمفهوم مطلق وككائن خالص مهما تقلّبت الأوضاع وتغيّرت الأحوال.
فاليوم زيد وغدا عمرو.



#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة العلاقات التجارية الأمريكية الكندية ونهاية النظام التجا ...
- قراءة في بيان
- ألمانيا تتسلح فيما تستعد لصعود النازية الجديدة إلى سدة الحكم
- الحصيلة الاقتصادية بعد 7 سنوات من الحكم: شعارات على محك الوا ...
- ماذا تغيّر في الاتّحاد بعد مؤتمر مارس الماضي؟ (الجزء الثاني)
- ماذا تغيّر في الاتّحاد بعد مؤتمر مارس الماضي؟ (النص الكامل)
- ماذاتغير في الاتحاد بعد مؤتمر مارس الفارط؟
- منشور القيود على تمويل الواردات وجه من أوجه إفلاس الخيارات ا ...
- القطاع المصرفي الموازي: قنبلة موقوتة في الاقتصاد الأمريكي
- إدغار مورين: الموسوعي في غير عصر الموسوعات
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (النص الكامل)
- الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرأسمالية من منظور ماركسي ونيوكلاس ...
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا - الجزء الثالث
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الأول)
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الثاني)
- الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل - النص الكامل
- الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل (1) (الجزء الثاني)
- رفع العقوبات عن النقابيين خطوة على طريق المصالحة
- الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل (1) (الجزء الأول)
- نظام ترامب يساعد كبرى الشركات من خلال التلاعب الضريبي، ويعرض ...


المزيد.....




- مع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية عالمياً.. هل يواصل الأردن س ...
- نقيب البيطريين يتفقد تدريب أطباء الامتياز بـ “بيطري قناة الس ...
- نقيب المحامين يشارك في حفل تكريم شيوخ المحامين والمتفوقين من ...
- مساعد وزيرة الإسكان يشارك في الدورة الثالثة لمنتدى البناء وا ...
- في إطار استعدادات الحكومة لتنظيم مؤتمر شهر أكتوبر بتكليف من ...
- إسبانيا تكتسح كرواتيا وإنكلترا تتجاوز تشيكيا في دوري الأمم ا ...
- اليمن يترأس اجتماعاً عربياً لبحث أولويات البيئة وتغير المناخ ...
- الثورتان اليمنيتان (سبتمبر، أكتوبر) قراءة سوسيو- سياسية، نقد ...
- وزير دفاع أمريكا يعتزم خفض عدد كبار الضباط في الجيش.. ما الق ...
- -الشيوخ- الأمريكي يرفض مقترحاً لإلزام -الخارجية- بالتحقيق في ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جيلاني الهمامي - الهروب إلى الأمام .. ومؤشرات النهايات