|
|
ماذا تغيّر في الاتّحاد بعد مؤتمر مارس الماضي؟ (النص الكامل)
جيلاني الهمامي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 15:51
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
ماذا تغيّر في الاتّحاد بعد مؤتمر مارس الماضي؟ (النص الكامل)
سؤال بات يتردّد بكثرة في الساحة النقابية ويُرَدُّ عليه ردودا عدّة وشتّى. ويُسْتَشفُّ من التعاليق التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي حالة من عدم الرضا وفي بعض الأحيان نوع من الغضب والامتعاض من أداء القيادة النقابية الجديدة.
الآن وقد مضى على مؤتمر المنستير الأخير أكثر من ثلاثة أشهر (أكثر من 100 يوم) صار من المنطقي بل من الضروري إجراء تقييم وَلَوْ أوّلِي للوضع النقابي العام في ظل القيادة الجديدة. ولئن كانت هذه المدة تُعَدُّ قصيرة فإنها لا محالة كافية للحكم على حصيلتها انطلاقا من بعض المؤشرات المتوفّرة انطلاقا من الجوانب الأساسية من الحياة النقابية.
للتذكير، وبسرعة، انعقد المؤتمر الوطني الأخير بعد صراع حادّ قابل بين شقّين داخل القيادة السابقة، الأوّل تشبث بالبقاء في موقعه حتى نهاية المدة النيابية في بداية السنة القادمة (2027) والثاني ضغط بأشكال عدة (بما في ذلك اعتصام فيفري 2025) من أجل التعجيل بعقد المؤتمر استثنائيا كسبيل وحيد لانتشال المنظمة من الأزمة التي تردّت فيها. والحقيقة أنّ هذا الانقسام تمدّد إلى خارج القيادة ليشمل عموم هياكل الاتحاد الأخرى وعموم النقابيين والمتابعين للشأن النقابي العام. وَحُسِمَ هذا الصراع في النهاية لفائدة وجهة النظر الثانية فانعقد المؤتمر فعلا أواخر شهر مارس الماضي في مدينة المنستير.
وككلّ المؤتمرات طغت عليه الحسابات الانتخابية فيما لم تلق المسائل النقابية التي شكّلت محاور جدل وصراع من قَبْل الاهتمام المنتظر. فباستثناء بعض القرارات والإجراءات التنظيمية (تسقيف الحق في الترشح خاصة) فإنّ بقية القضايا النقابية المتصلة باستقلالية العمل النقابي عن السلطة الحاكمة وبمهام النضال في ظل الهجمة التي عاشها الاتحاد من قبل منظومة الحكم الشعبوية بما في ذلك مسألة الإضراب العام التي كان من المنتظر أن ينظر فيها المؤتمر، كل هذه القضايا لم تلق العناية الكافية بحيث لم ينبثق عن هذا المؤتمر برنامجَ نضال واضح في مستوى التحديات ولم يضع بالتالي للقيادة الجديدة إطارا دقيقا للعمل ولم يُصْدِرْ لها بوضوح جملة الالتزامات المطلوب منها تنفيذها.
طبيعة الرّهانات وحدود الحصيلة قبل الشروع في رصد حصيلة عمل القيادة الجديدة للحكم لها أو عليها يجدر أن نضع المقاييس المعيارية التي ينبغي الانطلاق منها حتى يكون الحكم أقرب ما أمكن إلى الموضوعية. وتتمثل هذه المقاييس في الرهانات التي بلورتها الحركة النقابية التونسية على امتداد تجربتها خاصة منذ أحداث 26 جانفي 1978 والتي يمكن اختزالها في شعارات الحركة، أي ثلاثي "الاستقلالية والنضالية والديمقراطية الداخلية". وقد برزت من خلال الصراعات التي جرت قبيل المؤتمر مؤشرات على وجود إرادة نقابية واسعة في إحياء هذه المبادئ الكبرى والسّعي إلى إعادة تفعيلها في علاقة بالاستحقاقات الراهنة المرتبطة بتطورات الواقع في السنوات الأخيرة.
فقد رأى الكثير من النقابيّين في مؤتمر المنستير فرصة كي يستعيد الاتحاد مكانته في الساحة السياسية والديمقراطية ويلعب دوره في الموازنات العامة في وقت كانت الدولة قد استولت على جانب كبير من الفضاء العام ونسفت المنجزات الديمقراطية (على محدوديتها) التي أنجزتها ثورة 2010 – 2011. كما رأوا فيه مناسبة لنهوض الاتحاد من حالة العطالة التي أضحى عليها في الوقت الذي قوّضت فيه الدولة أسس الحوار الاجتماعي والمفاوضات والحقوق بما في ذلك الحق النقابي وألحقت بالعمال وسائر الكادحين أضرارا كثيرة في ظروف عيشهم كما في ظروف العمل. ورأوا فيه أيضا الأداة لمحو آثار الانقلاب البيروقراطي على الفصل 20 الذي مثّل على امتداد سنوات عنوانا للمكاسب الديمقراطية داخل المنظمة (على قلّتها). لذلك شكّل المؤتمر في نظر الكثير ممّن دافعوا عن ضرورة عقده والتعجيل به محطة ومنعرجا تاريخيا ومدخلا لإصلاح أوضاع المنظمة المهددة بمخاطر كثيرة.
وممّا لا شك فيه كان كل طرف ينظر إلى المؤتمر من زاوية نظره الخاصة. ورغم تباين زوايا النظر وبالتالي تباين المقاربات والمصالح والأهداف فقد جرى عمل دعائي وميداني من مواقع مختلفة للضغط من أجل أن تكون هذه الاستحقاقات في قلب اهتمامات المؤتمر وعلى رأس جدول أعماله. ولكن وللأسف لم يكن الأمر كذلك بل وكما كان متوقعا طغى عليه الهاجس الانتخابي والتسابق نحو كرسي القيادة. لذلك جاءت مخرجاته ضعيفة نسبيا ولا ترتقي إلى متطلبات معالجة آثار الأزمة والنهوض بالاتحاد لمواجهة التحديات الجديدة/القديمة في عهد الشعبوية التي ماتزال تصرّ على تهميش المنظمة النقابية باتجاه محو وجودها أصلا.
حصيلة هزيلة وبصرف النظر عن المآخذ المسجلة على المؤتمر وخاصة فشله في وضع برنامج لإنقاذ المنظمة فإنّ مجمل حصيلة ثلاثة أشهر من عمل القيادة الجديدة تبدو بالعين المجردة بعيدة كل البعد عمّا كان مطلوبا منها وتتحمل هي في المقام الأول المسؤولية في ذلك بالنظر إلى ما نسبته إلى نفسها كونها "قيادة بديلة" جاءت لتطوي صفحة سيئة من تاريخ الاتحاد وتفتح صفحة جديدة أفضل وأرقى. ولعلّ أوّل ما تؤاخذ عليه القيادة الجديدة سقوطها في نزعة انتظارية فيما يخص التعاطي مع السلطة. كان ذلك واضحا من خلال ما قضته من وقت وهي تأمل في الفوز بلفتة كريمة من طرف قيس سعيد الذي رفض ومازال رافضا لاستقبالها وراحت تلهث وراء أبسط مؤشر يفيد، على سبيل التصريح أو حتى على سبيل التلميح، بإمكانية عودة علاقات الوئام أو التعاون أو حتى مجرد التواصل بين الاتحاد وقيس سعيد وحكومته.
وفي ظلّ هذه الانتظارية قيّد المكتب التنفيذي الجديد يديه وضرب على نفسه نوعا من الرقابة الذاتية وهو ما يفسّر، إلى حدّ بعيد، النسق البطيء في التعاطي مع جملة محاور العمل الموروثة عن الفترة الماضية. ويشمل هذا البطء لا فحسب الملفات المطروحة ذات الصلة بمؤسسات السلطة وإنما أيضا الملفات الأخرى الداخلية أو المطروحة المتّصلة بالحراك المدني الاجتماعي والحقوقي على الساحة السياسية.
لقد اتّبع المكتب التنفيذي سياسة الحذر في التعامل مع الحكومة ودوائر السلطة وتحاشي استفزازَها وحتى عندما تجرّأت هذه الأخيرة على إعلان زيادات من جانب واحد اكتفى بانتقاد ذلك السلوك معبّرا عن رفضه لـ"غياب الحوار الاجتماعي" الأمر الذي حسب تعبيره "يعمّق الأزمة بدل حلّها، ويضعف إمكانيات التوافق حول الإصلاحات الضرورية"، والحال أنّ الخطوات التي قطعتها حكومات قيس سعيد لنسف تقاليد راسخة في مجال السياسة التعاقدية مثل المفاوضات الجماعية والزيادة في الأجور ومراجعة الاتفاقيات المشتركة وتنظيم المهن وتمثيلية الاتحاد في عديد الهيئات والدوائر والمؤسسات وحق المنظمة المكتسب في الخصم المباشر الخ... كانت تتطلب موقفا أكثر صرامة وردودا أكثر جرأة.
لقد استبشر المكتب التنفيذي بمراسلة وزارة المالية لأخذ رأي الاتحاد في ميزانية العام القادم ووضعها في حساباته ضمن المؤشرات الإيجابية التي يؤيّد مقاربة "عدم التّسرّع" والتعويل على إمكانية "مراجعة السلطة لسياسة التصلّب" لأنه لم يكن، في الحقيقة، يرى من سبيل لاسترجاع مكاسب الاتحاد وحقوق قواعده ومناضليه إلاّ عبر تسوية وبالتراضي مع السلطة ليكتشف بعد أشهر أنه كان متعلّقا بوهم وجب الإقلاع عنه أمام الحقائق المُرّة الدّامغة.
إنّ الشعبوية في نسختها التونسية لا تقبل بوجود أجسام وسيطة بما في ذلك المنظمات النقابية ولن يهدأ لها بال إلاّ عندما تقضي عليها القضاء المبرم سواء بتصعيد القمع ضدّها والهجوم السافر عليها أو عبر التهميش والمضايقات والحصار.
إنّ الثورة المضادة في نسختها الشعبوية تستعجل الانتقام لنفسها لمَا تكبَّدَتْهُ من خسائر سنوات الثورة. ويأتي على رأس قائمة مهمّات الانتقام تنفيذ برنامجها الليبرالي المتوحش الذي يقتضي فيما يقتضي نسف العمل النقابي والقضاء على المنظمات النقابية لكسر كل إمكانية مقاومة عمّالية أو نهوض شعبي.
هذا وجه من أوجه حقيقة الصراع في مجتمعنا اليوم. وهي حقيقة ظاهرة وجلية ولا تتطلب ذكاء خاصا لإدراك أنّ منظومة قيس سعيد الشعبوية لن يهدأ لها بال إلاّ بعد أن تتخلّص من الاتحاد. لذلك فإنّ اللهث وراء أوهام يزرعها سماسرة يروّجون الأمل في وساطات وتدخلات ليس غير مضيعة للوقت.
إنّ طريق النجاح في الخروج من هذا الوضع هو التمسك بحقوق الشغالين ومكتسبات منظمتهم والعمل بكلّ تفان في صفوف القواعد لتعميق القناعة بذلك من جهة وانخراط الاتحاد في حراك المقاومة الذي ينهض تدريجيا بين الأحزاب الديمقراطية والتقدمية صديقة الاتحاد ومكونات المجتمع المدني شريكته التقليدية.
ما نلاحظه ونلمسه في توجه القيادة الجديدة وسلوكها طوال المدة المنقضية يسير في الاتجاه المعاكس إذ مازال المكتب التنفيذي، فضلا عن انتظار لفتة كريمة من "سيادته"، يَنْآى بالاتحاد عن فضائه الطبيعي ألا وهو مكونات المجتمع السياسي والمدني الديمقراطي الذي تربطه بالاتحاد علاقة تفاعل وتعاون تاريخية في فترات الأزمات كما في فترات النهوض والرخاء.
صحيح أنّ ما ورد في لائحة الهيئة الإدارية الوطنية الأخيرة (4 جوان الماضي) وخاصة النقطة السادسة منها تنمّ عن نبرة جديدة نسبيا أكثر جرأة في "مساندتها المطلقة للمحامين في نضالهم المشروع... وللرابطة ولكافة الجمعيات والمنظمات الوطنية والمدنية المناضلة..." (1). ولكن هذه النبرة تحتاج إلى أن تتحوّل إلى خيار واعٍ ونشيط يدخل بمقتضاه الاتحاد في الجهد المبذول لا فقط للتنديد بالقمع والتعسف وتوصيف الواقع المرير وإنما لمساندة ضحايا القمع أوّلا وتحريك الساحات ضدّ خيار القمع ثانيا. استمرار حالة الركود كان يُفترض أن يشكّل المؤتمر الوطني الأخير وصعود قيادة جديدة على رأس الاتحاد عاملا كافيا لبث روح جديدة ودينامية داخلية تنتشل المنظمة من حالة الجمود التي كانت عليها خلال الفترة التي سبقت المؤتمر، ولكن ثلاثة أشهر من "الوضع الجديد" لم تأت على هذا الصعيد بجديد يذكر.
إنّ تردي الأوضاع المادية والمهنية والمعنوية للشغالين تمثل عامة مناخا دافعا للنشاط والفعل النقابي لأنّ الفقر والاحتياج والاستغلال هو الحاضنة الموضوعية لنشوء مشاعر الغضب والنقمة الطبقية وانتشارها لتتولّى النقابات العمالية تأطيرها وتوجيهها. ومنطقيا على قدر ما تزداد هذه الأوضاع العامة ترديا يرتفع منسوب الغضب والنقمة الذي تترجمه الحركة في الأنشطة والتحركات سواء داخل الهياكل النقابية أو في ميدان الصراع الاجتماعي.
كانت الأوضاع العامة لعموم الشغالين في تونس منذ سنوات طويلة وماتزال أوضاعا ناضجة نظريا ومنطقيا لظهور حركة نضال طبقي قوية ضد جميع مظاهر الاستغلال والقهر والتهميش، ولكن تخلّف عنصر الوعي أي ضعف عمل الأحزاب السياسية التقدمية التي تعلن انحيازها للشغالين والجماهير الشعبية وكذلك تخلّف عمل النقابات والاتحاد العام التونسي للشغل تحديدا عن استغلال هذه الظروف الموضوعية لاستنهاض حركة نقابية ناشطة ووازنة منح الشعبوية، دولة ومؤسسات وأصحاب رأسمال وأرباب عمل، فرصة لفرض موازين قوى وأسلوب عمل وحياة في غير صالح جماهير العمّال.
وإذا سلّمنا جدلا بأنّ أوضاع الأزمة التي مرّ بها الاتحاد قبل مؤتمر مارس الماضي حالت دونه وتنشيط الحياة النقابية وأنّ المؤتمر سيكون، كما اعتقد الكثير، هو المدخل لتجاوز هذا الوضع فمن المشروع أن ننتظر، حالما تنتهي أشغاله، انطلاق مرحلة جديدة تتميّز بديناميكية نقابية تشمل الهياكل والقواعد بقيادة المكتب التنفيذي الجديد الذي وللحقيقة، لم يتوفّق في ضوء النتائج الملموسة على أكثر من صعيد في تحقيق هذه النقلة لأسباب موضوعية وذاتية سنأتي عليها.
ما من شك في أنّ الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية مازالت على حالها إن لم تزدَد تعقيدا وتعفّنا. لكنّ الواضح أيضا أنّ الثقافة البيروقراطية الطاغية في تكوين أغلب أعضاء القيادة الحالية لها تأثير عميق في العقيدة النقابية السائدة بينهم وبالتالي في منهج العمل المتّبع وأساليب التسيير. يقوم هذا المنهج على ازدراء العمل القاعدي وعدم العودة إلى المنخرطين إلا في فترات التسخين. وحتى حملات التسخين عادة ما يقع التعاطي معها بمنطق فوقي لا يراعي مقتضيات المشاركة القاعدية الطوعية واقتناع الجماهير بالنضال وبالتحركات في عملية الضغط على السلطة أو على الأعراف أي في حملة التّسخين. هكذا كانت على الدوام حملات التسخين التي تلجأ إليها البيروقراطية النقابية في فترات التوتر الاجتماعي منذ ثمانينات القرن الماضي.
وبما أنّ القيادة الجديدة لم تضع ضمن خياراتها بَعْدُ الدخول في مواجهة مع السلطة لأنها مازالت تعوّل، على ما يبدو، على التوصّل إلى حلّ توافقي ومفاهمة بالتراضي مع السلطة، فإنها لا ترى موجبا للشروع في أيّ شكل من أشكال التصعيد ولم تر بالتالي ما يدعوها إلى وضع برنامج لتنشيط هياكل المنظمة والقواعد العمالية والحال أن لا أمل في التغلب على كل التحديات التي تواجهها المنظمة النقابية إلّا بتعبئة القواعد واستنهاضها وتطوير جاهزيتها للنضال. ومن غير الوارد أن يحصل ذلك إلّا عبر حملة اتصال واسع وعملية تحسيس مدروسة وشاملة لكل المنخرطين وعموم العمال عبر سلسلة من الاجتماعات العامة وندوات الإطارات والمجالس القطاعية وغيرها من أشكال الاتصال في الجهات والقطاعات، في مؤسسات العمل وفي دور الاتحاد وعلى امتداد فترة طويلة قد تستغرق سنة أو أكثر. والأكيد أنه من غير الممكن أيضا مواجهة السلطة لفرض الحق النقابي وإجبارها على التفاوض مع ممثلي العمال في كل ما يهم حقوقهم ومطالبهم ومن غير الممكن تحقيق نجاح في حملة توزيع الانخراطات بالأشكال النضالية وتجاوز قرار السلطة بتوقيف العمل بالخصم المباشر في غياب برنامج نضالي لتنشيط الهياكل والقواعد.
ولئن كانت اجتماعات الهيئة الإدارية الوطنية والمجامع القطاعية (مجمع الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص) واجتماعات الهيئات الإدارية الجهوية والقطاعية خطوة إيجابية لتحريك الحياة النقابية فإنها تبقى اجتماعات فوقية لا تتجاوز حدود الإطارات الوسطى والمركزية ولا تشمل الإطارات القاعدية وجماهير المنخرطين.
صحيح أنّ إضرابات بعض القطاعات مثل النقل و"الستام" والبنوك وبعض شركات القطاع الخاص في صفاقس وبن عروس كانت علامة ضوء في مشهد الركود العام وأعطت إشارات إيجابية على حيوية الطبقة العاملة التونسية وحركتها النقابية ولكنها لم ترتق في الحقيقة إلى ما كان مأمولا بالنظر إلى التحديات الموضوعية الكبيرة وخاصة بعد انعقاد المؤتمر وانتخاب قيادة جديدة.
للتذكير كانت الهياكل القيادية للاتحاد (المجلس الوطني والهيئات الإدارية الوطنية) حتى وهي في أوج الأزمة اتخذت قرار الإضراب العام وتم تأجيل تنفيذه بتبريرات متنوعة وقد أحيل في نهاية المطاف على مؤتمر المنستير للبت فيه بشكل نهائي. وكان واضحا أنّ هذا القرار ليس إلاّ أداة من أدوات إدارة الصراع بين شقوق البيروقراطية ولا ينبع من رغبة نضالية حقيقية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. وفي سياق بسط حالة الركود نفهم تعمّد القيادة الجديدة تغييب الموضوع وعدم الحديث فيه رغم أنه كان بمقدورها الاستفادة منه على الأقل باستعماله كموضوع للتحسيس والتعبئة والتنشيط.
الدّيمقراطية الدّاخلية ليست مجرّد شعار كان الهدف الأساسي من مؤتمر مارس الماضي معالجة الأزمة الدّاخلية التي تردّى فيها الاتحاد إذ عقد عليه الكثير من النقابيين آمالا كبيرة في حل الخلافات التي كانت تشق الصف النقابي، هياكل ومناضلين، وفي تجاوز الإشكاليات التي كانت سببا في الانقسامات والصراعات.
وقد خيّم الوضع الداخلي على أشغال المؤتمر فتركّزت اهتمامات المؤتمرين على تنقيح بعض فصول النظام الداخلي (الفصل 20) وبحث سبل تحقيق المصالحة النقابية وتنقية الأجواء الداخلية. وانطلقت تلك المساعي من قناعة واسعة بأنّ سلامة الجبهة الداخلية هي الضّامن في تجاوز كل أوجه الأزمة الأخرى والتصدي لمناورات السلطة وتهديداتها. وقد قطعت القيادة الجديدة (في وعودها الانتخابية) عهدا بتصفية مخلفات الماضي وتدشين عهد جديد في حياة المنظمة.
غير أنّ ما أفرزته نقاشات المؤتمر التي سيّجت مسألة "العفو النقابي" ببعض الشروط سرعان ما غيّر وجهة الموقف النقابي الرّسمي إلى التلميح ثم الإعلان عن نية القيادة حصر المصالحة النقابية في بعض الحالات عملا بالاستثناءات التي تم استحضارها لتبرير نفس منطق التصفية القديم الذي أدّى إلى الأزمة الأخيرة. وبعد فترة من التردد والتلكؤ أحيل ملف المصالحة النقابية إلى غياهب التجاهل والنسيان لا بل عادت ماكينة التّصفية ضد بعض النقابيين حيث نشطت لجنة النظام الوطنية في الأسابيع الأخيرة لتستصدر سلسلة من قرارات التجميد والمنع من الترشّح للمسؤوليات النقابية ضد بعض النقابيين على خلفية نزاعات وصراعات نقابية داخلية في بعض الجهات.
فليس من المبالغة في شيء القول إنّ لا شيء تغيّر فيما يتعلق بأساليب إدارة الحياة النقابية الداخلية بل إنّ عديد المؤشرات تشير إلى أنّ الأوضاع مرشحة إلى مزيد من التراجع. ففي غضون الأشهر القليلة من وجود القيادة الجديدة اندلعت "أزمات" قطاعية وجهوية في قطاع موظفي التعليم العالي والنسيج ومدنين وقفصة أدى بعضها إلى ملفات منشورة أمام القضاء. وقد لوحظ عودة بعض الممارسات التي تعيد إلى الأذهان ضغوط بعض "مراكز النفوذ" داخل الاتحاد التي تذكرنا بما كان يقوم به ما يسمى بـ"جنرالات" الاتحادات الجهوية في عهد إسماعيل السحباني – سيء الذكر– لفرض تأويل النصوص القانونية على نحو لا يخلو من غايات سياسية أو ذاتية.
إنّ غياب تصوّر متكامل لإرساء نمط تسيير ديمقراطي على أساس قوانين داخلية ديمقراطية وقواعد عمل وممارسات فضلى de bonnes manières سيجعل القيادة الجديدة في أحسن الحالات تتخبط في التردد والانتقائية والخضوع للضغوط والضغوط المضادة. إنّ مصلحة المنظمة ومصلحة القيادة نفسها تكمن في التعاطي مع المسألة الديمقراطية الداخلية بمبدئية وتجرد وشجاعة. وهو ما يقتضي معالجة ملف العقوبات في حق العديد من النقابيين معالجة مبدئية "تقدّس" حق الاختلاف وتترفّع عن الضغائن الذاتية وتقطع مع منطق الاستقواء بالموقع لفضّ نزاعات ذاتية يقع تلبيسها، قسرا رداء "خلافات نقابية".
إنّ ما راج حول إمكانية استثناء الذين لجأوا إلى القضاء من "العفو النقابي" بتعلة أنّ هؤلاء نقلوا الخلافات النقابية خارج أسوار الاتحاد إلى أروقة المحاكم وجاز فيهم بالتالي تثبيت العقوبة لا رفعها، وما راج أيضا من إمكانية استثناء من تورط في الشتم أو هتك أعراض قيادات نقابية من قرار المصالحة بتعلة عدم التساهل مع هذه الممارسات هو في الحقيقة إعادة إنتاج منطق القيادة السابقة وتكرار لخطاب "العقوق النقابي" (2) والإصرار على مواصلة السياسة البيروقراطية التصفوية التي لا يتسع صدرها للرأي المخالف ولا تقبل بالتنوع في المواقف ووجهات النظر. نعم من المحبذ بل من واجب كل النقابيين دون استثناء ومهما كانت مواقعهم أن يحرصوا على حلّ الخلافات والنزاعات النقابية داخل أطر المنظمة دون اللجوء إلى فضاءات أخرى خارجها (محاكم) لكن شرط أن تسمح المنظمة لأبنائها بالتعبير عن آرائهم بحرية وشرط أن تُحْدِثَ الإطار الكفيل بإجراء الحوار والجدل وإدارة الخلاف بشكل ديمقراطي. ومن المحبذ أيضا ألّا تتجاوز الخلافات والصراعات الحد الأدنى من الاحترام وألاّ تنحرف إلى أساليب السبّ والتهجّم والتشهير الاخلاقي، ولكن عندما ينعدم هذا الشرط وبدلا عن ذلك يقع تشغيل "لجنة النظام" لمعاقبة النقابيين لا للاستماع إلى آرائهم ومواقفهم فبأيّ حق يلام ضحايا التعسف من اللجوء إلى القضاء بحثا عن الإنصاف ورفع المظالم. وفوق كل ذلك يذكر النقابيون التجاوزات التي صاحبت الإحالات على لجنة النظام مثل انتصاب لجنة النظام الوطنية بدلا عن اللجنة الجهوية أو القطاعية ومثل التلاعب بتوجيه الدعوة وعدم تمكين المحالين من ملفاتهم لإعداد الدفاع عن أنفسهم وما إلى ذلك من الممارسات التعسفية.
إنّ إعلان عفو عام على جميع النقابيين الذين طالتهم قرارات التجميد والتجريد في علاقة بالخلافات التي جدّت بخصوص مراجعة الفصل 20 مهمة ملحة وأكيدة فضلا عن كونها في المتناول لأنّ تعبئة كل الطاقات والتفرغ لمواجهة التحديات الخارجية تقتضي تنقية الأوضاع الداخلية تنقية تامة. والمطلوب الآن من المكتب التنفيذي الجديد التحلي بما يجب من الشجاعة والتبصّر في قراءة خصائص الوضع وتعقيداته للخروج من حالة التردد والانتظارية.
في كلمة ترتسم ملامح المستقبل صعبة على أكثر من صعيد. فسلطة الانقلاب الشعبوي ماضية في استهداف المنظمة مثلها مثل سائر مكونات المجتمع السياسي والمدني، وسياسات الليبرالية المتوحشة سائرة باتجاه تصعيد وتائر الاستغلال والاعتداء على أبسط مكتسبات العمال ومؤثرات واقع الأزمة التي مرّت بها المنظمة الشغيلة ما تزال وازنة على مزاج الجماهير ومعنوياتهم بشكل كبير مما عسّر وسيعسّر أكثر تدارك انعكاسات توقيف العمل بالخصم المباشر وبالتالي تراجع إقبال العمال على الانتساب للاتحاد والإقدام على النضال تحت رايته. كل هذه التحديات تتطلب من القيادة الجديدة سياسة غير التي اتبعتها حتى الآن منذ مؤتمر مارس الماضي. فهل تدرك هذه القيادة أنّ التردد والانتظارية والحلول الترقيعية لا تجدي نفعا فإمّا قيادة في مستوى التحديات وإمّا قيادة على شاكلة كل القيادات البيروقراطية الفاشلة ستعيد إنتاج الأزمة على نحو أخطر وأشد.
الهوامش 1 – اُنظر النص الكامل للائحة الهيئة الإدارية الوطنية المنعقدة يوم 4 جوان 2026 على الرابط التالي: Facebook 2 – على حد تعبير الناطق الرسمي باسم الاتحاد على صفحته الخاصة في الفايسبوك
#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ماذاتغير في الاتحاد بعد مؤتمر مارس الفارط؟
-
منشور القيود على تمويل الواردات وجه من أوجه إفلاس الخيارات ا
...
-
القطاع المصرفي الموازي: قنبلة موقوتة في الاقتصاد الأمريكي
-
إدغار مورين: الموسوعي في غير عصر الموسوعات
-
صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (النص الكامل)
-
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرأسمالية من منظور ماركسي ونيوكلاس
...
-
صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا - الجزء الثالث
-
صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الأول)
-
صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الثاني)
-
الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل - النص الكامل
-
الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل (1) (الجزء الثاني)
-
رفع العقوبات عن النقابيين خطوة على طريق المصالحة
-
الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل (1) (الجزء الأول)
-
نظام ترامب يساعد كبرى الشركات من خلال التلاعب الضريبي، ويعرض
...
-
تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية
-
مؤتمر اتحاد الشغل: مؤتمر ليس ككلّ المؤتمرات
-
الزيادات في الأجور: -عيش بِالْمْنَى يا كمون-
-
-معركة- المواقع .. آخر -المعارك- قبيل المؤتمر
-
الحرب على إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي (1) - ترجمة
-
أي مؤتمر يحتاجه الاتحاد في الظرف الراهن؟
المزيد.....
-
مصر.. محامي حبيب العادلي يسقط ميتا في مقر نقابة المحامين
-
أزمة -رأفت الهجان-.. أحمد ماهر يتمسك برواية تدخل مبارك والنق
...
-
7-10 مليارات شيكل... فاتورة العامل الغائب عن بروكسل
-
عيد مرسال في افتتاح المؤتمر الأول لتأهيل الكوادر النقابية: “
...
-
اليابان تراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة نقص الأيدي العامل
...
-
تصريحات عن كواليس -رأفت الهجان- تشعل أزمة في مصر.. والنقابة
...
-
أحلام مؤجلة.. الحرب والبطالة تعصفان بمستقبل شباب السودان
-
ارتفاع أجور الموظفين في ألمانيا بـ5.1% في 2025
-
استقالة أربعة أساتذة من مجلس التعليم العالي الإسرائيلي احتجا
...
-
موسكو: نتعامل بشفافية مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والغرب
...
المزيد.....
-
النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب
...
/ حمده درويش
-
ملامح من تاريخ الحركة النقابية
/ الحاج عبدالرحمن الحاج
-
تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة
...
/ ماري سيغارا
-
الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح
...
/ ماري سيغارا
-
التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت (
...
/ روسانا توفارو
-
تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات
/ جيلاني الهمامي
-
دليل العمل النقابي
/ مارية شرف
-
الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا
...
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال
/ حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
المزيد.....
|