جيلاني الهمامي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 04:12
المحور:
الادارة و الاقتصاد
يندرج هذا النص ضمن الجدل الجاري، والذي يتواصل وسيتواصل إلى أمد بعيد، حول نظرية "اتجاه معدلات الربح نحو الانخفاض" la baisse tendancielle du taux de profit التي تحدث عنها كارل ماركس في كتابه "رأس المال".
يشارك برانكو ميلانوفيتش في هذا الجدل بهذا النص القصير والثري في نفس الوقت ليؤكد من وجهة نظره صحة مقولة ماركس حتى في ظروف إدخال الذكاء الاصطناعي في مسارات الإنتاج الرأسمالي.
برانكو ميلانوفيتش هو عالم اقتصادي يساري أمريكي من أصل صربي متخصص في دراسات عدم المساواة على الصعيد العالمي عمل لسنوات في البنك الدولي يشغل حالياً منصب باحث أول في مركز دراسة الدخل في لوكسمبورغ (LIS) وأستاذ زائر في جامعة مدينة نيويورك (CUNY).
له عدة مؤلفات منها Worlds Apart صدر سنة 2005 و”Global Inequality (2016) و Capitalism, Alone 2019 .
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرأسمالية
من منظور ماركسي ونيوكلاسيكي
برانكو ميلانوفيتش
15 مايو 2026
ترجمة جيلاني الهمامي
26 ماي 2026
ما هي الآثار المحتملة لإدخال الذكاء الاصطناعي بكثافة في الاقتصاد، من وجهة نظر ماركسية؟ ومن المثير للاهتمام أن هذه المسألة، على حد علمي، لم تُطرح من قبل.
للوهلة الأولى، تبدو الآثار المترتبة على نظرية قيمة العمل لدى ماركس سلبية أو متناقضة مع الحقائق أو مع توقعاتنا. فالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى إدخال تقنيات إنتاج رأس المال بشكل كثيف للغاية، أو، باستخدام المصطلحات الماركسية، يؤدي إلى مسارات تكوين عضوي عالي جدًا لرأس المال. بعبارة أخرى، ينطوي الذكاء الاصطناعي على نسبة c/v عالية جدًا. وهي نسبة رأس المال الثابت (c) على رأس المال المستعمل لتوظيف اليد العاملة (v). إذا كان وجود العمل ضئيلًا، وربما في حالات الإنتاج "المُؤْتَمت" automatisé بالكامل، قريبًا من الصفر، فإنّ القيمة الزائدة la plus-value التي ينتجها العمل يجب أن تكون أيضًا ضئيلة أو قريبة من الصفر. بغضّ النظر عن معدل الاستغلال، فإن v صغير جدًا يعني s (القيمة الزائدة) صغير جدًا. وبذلك نثبت أن معدل الربح (s/(c+v)) يجب أن يكون ضئيلاً جداً أيضاً، وفقاً لأحد «قوانين التطور الرأسمالي» الأكثر شهرة عند ماركس، ألا وهو ميل معدل الربح إلى الانخفاض مع إدخال عمليات إنتاج أكثر كثافة في رأس المال.
في حالة الإنتاج شبه الآلي بالكامل، يجب أن يصبح معدل الربح صفرًا أو قريبًا من الصفر. وكما يقول ماركس وشومبيتر والمنطق السليم، فإن الرأسمالية بدون ربح أمر لا معنى له. فالرأسماليون لن يستثمروا إذا كان العائد الذي ينتظرونه صفرًا. وبالتالي، فإن الاتجاه معدل الربح نحو الهبوط ينذر بنهاية الرأسمالية.
كانت هذه هي الفكرة التي ناقشها الاقتصاديون الماركسيون في أوائل القرن العشرين، مثل روزا لوكسمبورغ وهنريك غروسمان Henryk Grossman قبل ظهور الذكاء الاصطناعي بوقت طويل. فقد توقعوا بالضبط ما نراه نحن اليوم: فمن خلال إدخال عمليات إنتاج أكثر كثافة في رأس المال، والتي تكون أكثر ربحية لكل رأسمالي على حدة عند إدخالها، فإن الرأسماليين كطبقة، عندما يقومون بذلك جميعُهم، يعوضون العمل الحي، ويخفضون القيمة المضافة، وبالتالي يجعلون معدل ربحهم (لجميع الرأسماليين ككل) ينخفض إلى الصفر.
إذن، هل سينهي الذكاء الاصطناعي الرأسمالية؟ لا يبدو أن هذا يتوافق مع الحقائق والتوقعات بمعدلات ربح ليست أقل، بل أعلى، ستنجم عن إدخال الذكاء الاصطناعي. فهل كان ماركس مخطئًا تمامًا؟ ربما لا.
ولإدراك ذلك، تخيل اقتصادًا يتكون من قطاعين. أولاً، قطاع ذو تركيبة رأس مال عضوية عالية جدًّا، تمامًا كما وصفناه. ولكن، لنفترض الآن أن الأتمتة الكاملة للإنتاج في هذا القطاع تخلق طلبًا على إنتاج سلع وخدمات لا يمكن أن يقوم بها سوى العمل البشري الحي، أو التي يتفوق فيها العمل البشري الحي على الذكاء الاصطناعي: مثال ذلك أنشطة الرعاية، والرياضة، والتمريض، وأفضل المهارات في الطبخ، وتكوين المدربين، والنادلين، والكتابة الإبداعية، والعديد من المهام الأخرى التي، ولأن بعضها يمكن أن يؤديه الذكاء الاصطناعي بشكل فج، ستصبح هذه الاعمال ذات قيمة أثمن فأثمن عندما يؤديها عمل بشري مؤهل وحقيقي. قد يتم استبدال آلاف المدرسين بالذكاء الاصطناعي، لكن الطلب على المدرسين المتميزين، القادرين على التفوق على الذكاء الاصطناعي، سيزداد.
ثم، قطاع ثانٍ، معاكس تمامًا للقطاع "المؤتمت" بالكامل سيتطور. وهو يتميز بتركيبة رأسمالية عضوية منخفضة: سيكون رأس المال الثابت (c) منخفضًا مقارنةً برأس المال المتغير (أي مقارنةً بمبلغ رأس المال المرصود والمدفوع في شكل أجور). وعلى عكس القطاع المؤتمت، سيولد ذلك قيمة مضافة هائلة.
ولكن كما نعلم، فإن السلع والخدمات في النظام الرأسمالي، لا تُباع بقيمة العمل، بل بثمن الإنتاج الذي يتساوى مع معدلات الربح في القطاعات كثيفة رأس المال والعمل (أي في القطاعات التي تختلف فيها التركيبة العضوية لرأس المال). وهذا يعني بدوره أن معدل الربح في القطاع المؤتمت سيكون، في توازن نسبي مع الكمية (الكبيرة) من رأس المال المستخدم في القطاع المؤتمت. وبالتالي، فإن ربح قطاعنا المؤتمت لن يكون ضئيلًا كما بدا للوهلة الأولى عندما درسناه بمعزل عن غيره وعندما افترضنا أن الاقتصاد بأكمله يتألف من هذا القطاع وحده. بل على العكس، يمكن أن يرتفع معدل الربح لأن استبدال اليد العاملة في قطاع ما يصاحبه إنشاء مسارات إنتاج أكثر كثافة في اليد العاملة في أماكن أخرى.
ببساطة ففي حين أن جزءًا من الاقتصاد سيشتغل فقط بالاعتماد على الآلات (وضمن مصطلح «الآلات» أضع الذكاء الاصطناعي أيضًا)، فإن جزءًا آخر من الاقتصاد سيكون أكثر احتياجًا إلى اليد العاملة، وعلى الأرجح أكثر من اليوم. وهذا يعني بدوره أن الأرباح في قطاع الذكاء الاصطناعي قد تكون عالية — ولكن فقط إذا كان نمو قطاع الذكاء الاصطناعي مصحوبًا بطلب متزايد على السلع والخدمات التي تنتجها القوى العاملة البشرية، وبالتالي بظهور هذا القطاع الثاني.
إذا استحوذ قطاع الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد بأكمله، فإنه وفقاً للتحاليل الماركسية، من المفترض أن يتجه معدل الربح نحو الصفر. وينطبق الأمر نفسه وفقاً للتحليل النيوكلاسيكي، لأن الإنتاج المؤتمت بالكامل، الذي لا يستخدم بالمرة اليد العاملة، يعني أن إجمالي الأجور سيكون صفراً أو شبه صفر، وليس من الواضح من سيشتري هذه الوفرة من المنتجات الجديدة. وبالتالي، فإن الوفرة التي يولدها الذكاء الاصطناعي تؤدي، حتى في عالم نيوكلاسيكي (في غياب إعادة توزيع ضخمة لصالح الأشخاص الذين لا يعملون)، إلى طلب إجمالي غير كافٍ، وبالتالي إلى معدّل ربح قريب أو يساوي الصفر. في العالم النيوكلاسيكي، كما في العالم الماركسي، يجب أن يصاحب ازدهار الذكاء الاصطناعي ارتفاع مماثل في الأنشطة التي تستعمل بكثافة اليد العاملة من أجل الحفاظ على توازن الاقتصاد وعدم انخفاض الطلب الكلي ومعدل الربح إلى الصفر.
خلاصة الامر، في النظريتين الماركسية والنيوكلاسيكية، لا يتفق الاقتصاد المكون حصريًّا من قطاعات عالية الأتمتة مع استمرار الرأسمالية. ففي الحالة الأولى، لأن القيمة الزائدة المنتجة، وبالتالي الربح، تساوي صفرًا؛ وفي الحالة الثانية، لأن الطلب الكلي غير الكافي يؤدي إلى انعدام الأرباح. ولا يمكن «إنقاذ» الوضع إلا من خلال نمو قطاع يستعمل اليد العاملة بنفس الدرجة من الكثافة أو من خلال إعادة توزيع ضخمة لصالح الأشخاص غير العاملين.
وهكذا، يبدو لنا مستقبل العمل أقل قتامة مما يدعيه البعض. فالأنشطة التي لا يمكن أن يحل فيها الذكاء الاصطناعي محل العمل الحي ستشهد ازدهارا كبيرا. هل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى القضاء الكامل على مهارة العمل الحي أم لا؟ للوهلة الأولى، نعم لأن العديد من الكفاءات (في الاعلامية وتطوير البرمجيات والكتابة وحتى في الرياضيات) ستصبح عديمة الأهمية لأن هذه الأنشطة يمكن أن تشملها الأتمتة. ومع ذلك، قد يتم موازنة هذا المسار، بل سيتم بالفعل، من خلال خلق مهن تتطلب مهارات تفوق المهارات الحالية، إذ يجب أن تكون هذه المهارات أعلى من تلك التي ينتجها الذكاء الاصطناعي حتى يرغب المستهلكون في شراء هذه السلع والخدمات.
وبالتالي، فبينما قد يتعرّض جُزْء من القوى العاملة لفقدان مؤهلاته، بل حتى للتبلّد الذهني، سيكتسب جزء آخر مزيدًا من التطور والمهارات. وللبقاء في الصدارة، سيتعين عليه التنافس مع الآلات أكثر من التنافس مع البشر الآخرين. ولكن طالما نؤمن بقدرة الإنسان على التكيّف، يمكننا أن نتصوّر أنه سيظل هناك دائمًا جزءٌ من العمل مخصّص للمهام التي لا تستطيع الآلات إنجازها، أو أنّه حتى في الحالات التي يُنْتِج فيها البشر والآلات نفسَ المنتوج، فإن المنتوج سيكون أكثر تقديرًا (وبالتالي أكثر قيمة) عندما يتم إنجازه بواسطة العمل البشري بدلاً من الذكاء الاصطناعي. فمن المحتمل ألاّ تحظى متزلجة فنية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، مهما كانت جميلة مثل المتزلجة البشرية، بنفس القدر من التقدير الذي تحظى به الأخيرة. على الأقل، ليس من قبل البشر.
ملاحظة أخيرة: في هذا المقال، استخدمت بشكل متبادل مُصطلَحَيْ «ارتفاع كثافة رأس المال للإنتاج» و«ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال». الأول هو، بالطبع، مصطلح نيوكلاسيكي، والثاني مصطلح ماركسي، ولكن في هذا السّياق، يُعبّران كلاهما عن نفس الشّيء: تعويض البشر بالآلات (بما في ذلك الذكاء الاصطناعي).
#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟