جيلاني الهمامي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 04:04
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
في نسف المكتسبات النقابية
أو الفاشية الاجتماعية
(الجزء الاخير)
من أهم ما يميز الاتحاد العام التونسي للشغل قدرته على الربط بين "النقابي" في معناه المطلبي و"السياسي" في معناه الاعتناء بالشأن العام والتدخل فيه ولعب أدوار أحيانا محددة في تطور الأوضاع في البلاد.
هذه الميزة لها إيجابياتها كما لها سلبياتها. وبقدر ما استفاد منها الاتحاد والعمال وعموم الشعب في الكثير من الحالات بقدر ما كانت سببا في أضرار في حق الجميع.
جذور الخط النقابي السائد في الحركة النقابية التونسية
هذه الميزة خاصية متأصلة في الخط النقابي العام للحركة النقابية في تونس وبالأخص للاتحاد العام التونسي للشغل. وقد ورثها عن المدرسة النقابية الفرنسية التي سادت في تونس على امتداد خمسة عقود تقريبا. ومن المعروف أن هذه المدرسة التي انتشرت على امتداد القرن التاسع عشر في البلدان اللاتينية في أوروبا (إيطاليا وفرنسا واسبانيا) نهلت عميقا كما يقول الفيلسوف الألماني فريديريك انجلز، رفيق كارل ماركس، من الأفكار الفوضوية والعقيدة والفوضوية النقابية l’anarcho-syndicalisme.
ترتكز هذه العقيدة على معاداة العمل السياسي وادعاء الحياد النقابي تجاه الأحزاب السياسية وفي نفس الوقت الاشتغال على السياسة والسعي إلى تعويض الأحزاب باسم "الاعتناء بالشأن العام". كان هذا الاتجاه مسيطرا في الأوساط النقابية الفرنسية العاملة في تونس (CGT، وCGTU) منذ نشوئها وازداد رسوخا خاصة في فترة ما بين الحربين ولدى الكنفدرالية العامة للشغل (CGT) وفي علاقة بالتطورات السياسية التي شهدتها ساحة النضال الاجتماعي بشكل عام وفي فرنسا بشكل خاص في ظروف مواجهة الفاشية الصاعدة.
في تلك الظروف أحرزت الكنفدرالية مكانة مرموقة بالخصوص إثر التوقيع على ما يسمى "اتفاقيات ماتينيون" les Accords de Matignon مع اتحاد الأعراف تحت رعاية حكومة "الجبهة الشعبية" (1936) والتي بمقتضاها تم الاعتراف بالحق النقابي وسن زيادة في الأجور تصل الى 15 % والقبول بالتعامل مع ممثلي العمال وغيرها من المكتسبات مقابل فك الاعتصامات التي شنتها الكنفدرالية في العديد من مواقع العمل.
هذه المكتسبات أعطت دفعا للعمل النقابي ومنحت الكنفدرالية في أجواء اقتصادية واجتماعية وسياسية واقعة تحت تأثير صعود "الجبهة الشعبية" فرصة كي تتموقع في مسرح الأحداث لا كمنظمة نقابية وإنما كشريك في صنع الاستراتيجيات الكبرى في البلاد. وبذلك انسجمت مع الحركة الإصلاحية رغم علاقاها المتينة مع الحزب الشيوعي الفرنسي وانتعشت لديها نزعة التدخل في الشؤون السياسية العامة التي تتجاوز نظريا اهتمامات مجرد نقابة.
لم تنحصر هذه التوجهات في فترة ما بين الحربين وإنما امتدت إلى الفترات اللاحقة. وقد عايشها ونشط في ظل انتشارها القادة والنشطاء النقابيين من العمال التونسيين سواء الذين استوعبتهم النقابات الفرنسية في مختلف مواقع الإنتاج أو الذين نشطوا ضمن النقابات التونسية المستقلة عن النقابات الفرنسية مثل جامعة عموم العملة التونسيين الثانية بقيادة بلقاسم القناوي. ولعله من المعروف أن فشل هذه التجربة، أي الجامعة الثانية، واندحارها يعود فيما يعود للصراع بين هذه النزعة السائدة في أوساط بعض إطاراتها وقادتها وبين البعض الآخر الذي حاول النأي بهذه التجربة عن "شؤون السياسة" وحصر اهتماماتها في المطالب الاقتصادية البحتة.
وقد توارث الاتحاد العام التونسي للشغل هذه العقيدة النقابية. ومن المعلوم أن ميلاده تزامن مع تصاعد النضال من أجل الاستقلال وتصفية الاستعمار المباشر الذي أصبح شعار المرحلة الأساسي في الساحة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.
إن تبني الاتحاد العام التونسي للشغل للمطالب الوطنية للشعب التونسي وربطها بشكل عضوي بالمطالب الاقتصادية والنقابية أضفى على التوجه النقابي الموروث عن التجارب السابقة مشروعية كبيرة بدرجة أن أصبح الاتحاد قوة سياسية اجتماعية لعبت دورا محددا في التطورات السياسية والاجتماعية في البلاد بعد رحيل المستعمر المباشر والانتقال إلى وضع التبعية في صيغة الاستعمار الجديد.
لقد لعب الاتحاد دورا محددا في حسم ميزان القوى لصالح شق بورقيبة في الصراع داخل الحزب الدستوري. ونذكر في هذا الصدد الدور الذي لعبه الاتحاد في مؤتمر الحزب في صفاقس سنة 1955. وقد شكل الاتحاد إلى غاية أحداث 26 جانفي 1978 السند الاجتماعي للنظام الدستوري الحاكم. ففي الخمسينات وقف الاتحاد مع بورقيبة في وضع أسس "الدولة التونسية" مقدما أحيانا تنازلات مبدئية (القبول بالتخفيض في الأجور سنة 1961) وكان في الستينات من أبرز مكونات ما سمي بـ"الجبهة القومية" كمنظمة من المنظمات المنضوية عضويا تحت راية الحزب الحاكم "الحزب الاشتراكي الدستوري".
الاتحاد يدخل نادي المجتمع المدني بقناع سياسي
ورغم ما بلغته المواجهة بين الاتحاد والحكومة في أحداث 26 جانفي 1978 من حدة وعنف فإنها لم تؤدي إلى فك الارتباط النهائي بين الطرفين. أولا لأن تلك المواجهة ولئن بدت حول قضايا نقابية خالصة فإنها كرست صراعا داخليا بين شقين من النظام حول احتكار الحكم وخلافة بورقيبة. وثانيا لان تلك المواجهة ولئن اندلعت بسبب مطالب اقتصادية، مادية ونقابية، فإنها اتخذت طابعا سياسيا واضحا ذلك أن قضية الحريات العامة والفردية وتحرير الحياة السياسية والديمقراطية كانت من أبرز نقاط الخلاف التي بصددها جرت تلك المواجهة العنيفة.
إن أهم ما نتج عن أحداث 26 جانفي 78 هو الأرضية النقابية التي تمت بلورتها قبيل الاضراب العام وبعده والتي يمكن اعتبارها "الاستراتيجية النقابية" الجديدة التي، وبمعنى ما، جاءت لتعوّض الثقافة النقابية الموروثة عن فترة النقابات الاستعمارية أو لتعوّض عن حالة الفراغ التي مرّ بها الاتحاد والحركة النقابية ككل طوال فترة التدجين التي فرضها نظام الحكم.
بفضل هذه الأرضية (ثالوث الاستقلالية والديمقراطية النقابية والنضالية) انتقل الاتحاد منذ ثمانينات القرن الماضي إلى فضاء المجتمع المدني المستقل والمعارض في بعض الحالات. ورغم أن النظام (في عهد بن علي خاصة) لم يكف عن السعي إلى اجتذاب المنظمة النقابية تحت سيطرته (فترات إسماعيل السحباني وعبد السلام جراد) فإن الاتحاد نجح في الحفاظ على صورة القوة النصيرة للديمقراطية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
وتعززت هذه الصورة بعد الثورة حيث سمحت له المناخات الجديدة أن يحتل موقعا رياديا بالنظر لوزنه الاجتماعي ضمن المجتمع المدني الديمقراطي رغم بعض الأدوار الخطيرة التي لعبها في علاقة بطمس الجذوة الثورية المنادية بتجذير مسار الثورة مباشرة إبان فرار بن علي (اعتصامات القصبة) وكذلك الأدوار التي لعبها في تشريع وتمرير خطة الثورة المضادة والالتفاف على تلك الاندفاعة الثورية (هيئة بن عاشور). ويجدر أن نُذَكّرَ هنا أيضا بالدور الذي لعبه ضمن ما سمي بالحوار الوطني لتبييض حركة النهضة التي باتت محلّ غضب شعبي عارم على إثر الاغتيالات التي ذهب ضحيتها مناضلو "الجبهة الشعبية" الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
قيس سعيد واسترتيجية عزل الاتحاد عن المجتمع المدني
تقوم استراتيجية قيس سعيد حيال الاتحاد، علاوة على إبطال وظيفته كممثل للعمال في المفاوضات الاجتماعية وتجفيف منابع امكانياته المادية، جرّهُ خارج محيطه الطبيعي وعزله عن المجتمع المدني والسياسي. وقد سعى منذ مجيئه للحكم إلى تفعيل خطّته على هذه الواجهات الثلاث وأحرز نسبة من التقدّم حيث وكما سبق أن رأينا ألغى المفاوضات الاجتماعية وقرّر إيقاف العمل بالخصم المباشر على الأجور لفائدة الاتحاد وتمكّن من صرف اهتمامات الاتحاد عن كلّ ما يتّصل بالأوضاع السياسية العامة. فمنذ أن رفض قيس سعيد تلبية مقترح الاتحاد في تنظيم "حوار وطني" انكفأ على نفسه واعتلى موقع الفرجة حيال ما يجري من انتهاكات وتعديات على الحقوق والحريات. وحتى عندما عبّر أمينه العام عن التعاطف مع المساجين السّياسيين في خطابه يوم 4 مارس 2023 منتقدا بكل احتشام نظام الحكم بعد أن كان رحّب بانقلاب 25 جويلية 2021 فإنه سرعان ما تراجع معلنا استراتيجية "النضال الصامت". حصل ذلك نتيجة حملة التهجّم التي تعرّض لها من قبل ميليشيات الشعبوية الفايسبوكية ولكن أيضا تحت ضغط شقّ من المكتب التنفيذي الذي رأى في ذلك الخطاب "شريان شبوك" لا لزوم له.
إنّ انسحاب الاتّحاد من فعاليات أنشطة مكونات المجتمع المدني بداعي تلافي ردود فعل النظام وبمبررات واهية (موازين القوى الخ...) لا يجني منه الاتحاد غير الانعزال وفقدان ذلك الموقع الذي افتكه بتضحيات جسام. ومعلوم أن هذا الانعزال لا يقلّ خطرا عن فقدان دوره في تمثيل العمّال ووظيفته في المفاوضات الاجتماعية ولا عن إلغاء الخصم المباشر على مرتبات منخرطيه.
وإذا كان لا بد من وضع خطة نضال من أجل استعادة هذه الحقوق والمكاسب التاريخية لا بدّ أيضا أن يضع الاتحاد خطة للاندماج بالمجتمع المدني والسياسي، جمعيات ومنظمات وأحزاب وفعاليات وحركات، والاضطلاع بالدور الموكول له في نهوض المجتمع ضد الشعبوية ومن أجل مجتمع العدالة والحرية والمساواة. ويفترض أن يكون المؤتمر الوطني في مارس القادم مناسبة لوضع الخطط اللازمة على هذه الواجهات الثلاث وبشكل عام لتفعيل أرضية جانفي 78 المجيدة: الاستقلالية والديمقراطية والنضالية.
#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟