|
|
الماركسية والانتفاضة
جيلاني الهمامي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 04:49
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
1 – الانطلاق من المفاهيم عندما اندلعت الثورة في تونس سنة 2010 – 2011 "اندلع" معها جدل في صفوف "اليسار التونسي" حول التسمية التي يمكن إطلاقها عما حدث وقتها وتوصيفه. واحتد هذا النقاش أكثر خاصة بعد فرار بن علي وسقوط نظامه السياسي. في خضم هذا الجدل جرى تداول العديد من المصطلحات التي لم تكن رائجة بين العموم وحتى لدى النخبة بما في ذلك النشطاء السياسيين. من هذه المصطلحات "الثورة" و"الانتفاضة" و"العصيان المدني" و"التمرد". ما من شك أن انتشار هذه الكلمات بين الناس هو تأكيد للفكرة المعروفة القائلة أن لكل ظرف قاموسه. وكانت هذه المصطلحات اللغة المعبرة عن الاحداث الثورية التي عاشها الناس والمزاج الثوري الذي أصبحوا عليه والذي في جزء منه كان استعمال كلمات ومصطلحات لم تكن شائعة من قبل بل ربما كان الناس يخشى استعمالها في ظروف سيطرة مشاعر الخوف من قمع السلطة. وإذ نعود إلى هذا الجدل اليوم فليس من منطلق مزيد الخوض فيه أو الادعاء بحسمه وإنما نعود له من زاوية أخرى كتمهيد للخوض في موضوع آخر هو الماركسية والانتفاضة الذي اخترناه أن يكون موضوع تكوين داخلي. فالعودة إلى موضوع الانتفاضة ليس بمعنى الحسم ما إذا كان ما حصل في تونس شتاء 2010 – 2011 هو انتفاضة أم ثورة أم غير ذلك من التوصيفات التي أطلق عليه، نعود لنتعمق في معنى الانتفاضة بشكل عام وماذا قال فيها الكلاسيك الماركسي لنخلص بعد ذلك للاستنتاجات المستوجبة في ضوء ما نطرحه كحزب ماركسي في هذا الخصوص بالذات وكذلك في ضوء التطورات التي يشهدها العالم اليوم وملابسات النضال الثوري تبعا لذلك. لذلك يجدر أولا أن نبدأ بتوضيح المعنى الدقيق لمصطلح الانتفاضة من وجهة نظر ماركسية. 2 – الانتفاضة والثورة: المشترك والفروقات يقترن مفهوم الانتفاضة اقترانا شديدا بمفهوم الثورة. ويمكن القول بأن الانتفاضة هي جزء من الثورة. فالثورة مسار طويل ومركب يمكن أن يستغرق فترة طويلة من الاعداد ويتواصل خلال ما يمكن أن نسميه "أيام الثورة" ويستمر إلى ما بعد ذلك لزمن قد يطول أو يقصر بحسب ظروف الثورة في كل بلاد. أما الانتفاضة فهي في الحقيقة لحظة دقيقة في هذا المسار عامة ما تكون محدودة من حيث الزمن وتختص بخاصيات أساسية دون سواها من محطات هذا المسار. يقع الاعداد للانتفاضة بعمل دعائي وتحريضي طويل. ويتقلّب هذا العمل على سلسلة من التكتيكات المتنوعة بحسب تقلب أوضاع حركة النضال بين مد وجزر وتقلب حالة موازين القوى بين القوى المتصارعة في المجتمع. ويجري في هذا المسار إنضاج الشروط الموضوعية والذاتية في أفق الاذن بالهجوم الحاسم أي اندلاع الانتفاضة التي يكون قد تم إعداد سيناريوهات تنفيذها بالدقة اللازمة لضمان نجاحها وإنجاز ثورة مظفرة. ويجدر هنا أن نشير إلى ان الغالبية العظمى من الانتفاضات التي عرفتها مختلف التجارب الثورية في العالم اندلعت بشكل عفوي ولم تكن بالضرورة نتيجة تخطيط أو بقرار فوقي مسبق. وهو أمر مفهوم إلى حد بعيد. فالعمل الدعائي والتحريضي الذي تقوم به القوى المعارضة لنظام الحكم والقوى الثورية خاصة وحزب الطبقة العاملة على وجه أخص ينتهي بتغيير مزاج الجماهيري وتحسيسها بقوة إلى أسباب معاناتها وإقناعها بضرورة التحرك من أجل وضع حد لتلك المعاناة. ومن نتائج هذا العمل الدعائي والتحريضي أن يؤدي إلى استنهاض حركة الاحتجاج والانتقال بها من مجرد التذمر إلى هجوم نضالي تتصاعد وتيرته مع مر الأيام إلى ان تصبح الحركة في حالة مد ثوري عام. عندئذ تصبح الأوضاع قابلة للانفجار في كل لحظة ولأبسط قادح دون ان يكون هناك بالضرورة قرار اندلاعها بيد هذا الحزب او ذاك بما في ذلك حزب الطبقة العاملة. تتخذ الانتفاضة الشعبية اشكالا متعددة يعبر بواسطتها الشعب عن غضبه وعن ميله إلى القطع مع النظام القائم ورفض الخضوع للقوانين والاوامر القديمة واستعداده لمواجهة السلطة والعمل على اسقاطها وطرد رموزها وربما حتى الانتقام منهم وأخيرا عن استعداده استبدال السلطة الحاكمة بسلطة جديدة يحدد في خضم الحركة والغليان المبادئ والمعايير والاشكال العملية لاختيارها. يتخذ هذا التعبير أشكالا متعددة منها المظاهرات وخروج عموم جماهير الشعب إلى الشارع للتعبير علنا كمواصلة للمواجهات الجزئية السابقة أو التي تبلورها حركة الغضب الجماهيرية بشكل عفوي وفوري. ومنها أيضا الاضراب العام السياسي الذي يعطل ماكينة الإنتاج ومنها العصيان المدني الذي يجسم تمرد عموم المجتمع عن قواعد الحياة والعلاقات العامة ويتضمن إيقاف حركة التجارة والمعاملات المالية والخدمات العامة (التنوير وتوفير الخبز ومواد الاعاشة الأخرى الخ...). وعلى قدر ما تتظافر كل هذه الاشكال وتجتمع في انتفاضة ما إلا ومكنتها من أكثر عوامل الظفر والنجاح لأنها تحمل كل عناصر القوة التي تشل طاقات العدو وقدراته على الصمود حتى وإن لم يشترط أن تجتمع كل هذه الفعاليات حتى تنجح الانتفاضة في إسقاط النظام الحاكم وإرساء نظام جديد بديل. لكن وبالعودة للأدب الماركسي الكلاسيكي يتبين لنا، كما سنأتي عليه في ما يلي من النص، أن قادة البروليتاريا ماركس انجلز ولينين، عامة ما كانوا يعنون بالانتفاضة "الانتفاضة المسلحة". ولا يرتبط هذا المعنى فقط بالمعطيات الملموسة للانتفاضات في عهد ماركس وانجلز، ذلك ان الثورات التي عايشوها وخاصة في فرنسا وألمانيا، كانت على العموم تنطلق بنصب المتاريس والمدافع في مواجهة مسلحة مع السلطة السياسية الحاكمة، وإنما يرتبط أيضا بخلفيات سياسية واعتبارات نظرية عامة يلخصها لينين في قوله ردا على بليخانوف "ليس هناك ما هو أضيق أفقاً من وجهة نظر بليخانوف التي تفوق بها على كافة الانتهازيين؛ حيث رأى أن الإضراب لم يكن محدد التوقيت وما كان له أن يبدأ أصلاً، ولم يتوجب على العمال حمل السلاح. على العكس تماماً، كان علينا أن نشرح للجماهير أنه من المستحيل أن يقتصر النضال على الإضراب السلمي، وأن النضال المسلح الذي لا خوف ولا هوادة فيه كان ضرورياً” إن الانتفاضة هي أوج المسار الثوري وخاتمة مرحلة منه ومنطلق لمرحلة جديدة من ذات المسار. ويتوقف نجاح كامل المسار الثوري على نجاحها سواء لتتويج المسار الذي سبق اندلاعها وانتهى بالإطاحة بالنظام الحاكم أو لوضع أسس المسار الذي يليها وهو إرساء نظام جديد مغاير وviable قادر على الاستمرار والتطور والصمود في وجه الثورة المضادة. إن انتصار الثورة عامة ما يفتح على مرحلة جديدة من الصراع الطبقي والسياسي بخصائص جديدة ورهانات مغايرة مدارها ثبات قوى الثورة في الحكم او عودة القوى المطاح بها إليه من جديد. فالثورة والثورة المضادة عنصران متلازمان في المسار الثوري في كل محطاته وظروفه. ومن أخطر مراحله فترة ما بعد الثورة حيث لا تتوانى القوى الرجعية عن استعمال العنف بشتى الطرق والأساليب من أجل استعادة سيطرتها على أجهزة الحكم ونفوذها على كامل المجتمع. 3 – ماركس انجلز والثورة والانتفاضة أعلن ماركس وإنجلز مبكرا في الكتابات السياسية الأولى عن مبدأ "البروليتاريا والاطاحة بالبرجوازية" وقد جاء في البيان الشيوعي في الفقرة بعنوان "البرجوازيون والبروليتاريون" قولهما " وبعرضنا المجمل لأطوار نموّ البروليتاريا نكون قد تتبّعنا تاريخ الحرب الأهلية المستترة إلى حدّ ما والتي لا تنفك تنخر المجتمع الحالي حتى ساعة انفجار تلك الحرب في ثورة مفتوحة وإرساء البروليتاريا لهيمنتها عن طريق الإطاحة العنيفة بالبرجوازية" (1) لقد عايش كارل ماركس أحداث الثورة الفرنسية 1848 عن قرب وواكب تطوراتها وتفاصيلها ما مكّنه من استخلاص الدروس الجوهرية التي أثبتت وجاهتها لا فقط في علاقة بالثورة في فرنسا وإنما بالنسبة إلى الثورة في العالم المعاصر. من أهم ما استنتج ماركس أن ما حصل من الثورة أنها في النهاية قد ارتدت إلى ما قبل اندلاعها بعد أن اقترفت أشنع الجرائم في حق البروليتاريا الفرنسية فيما يعرف بأيام جوان الدامية وقد صاغ ماركس في كتابه الثامن عشر من برومير – لويس بونابرت استنتاجه كالآتي "“C’est le triomphe complet et definitif du socialisme!”(إنه انتصار الاشتراكية التام والنهائي) هكذا وصف غيزو انقلاب الثاني من ديسمبر. ولكن إذا كانت الإطاحة بالجمهورية البرلمانية تحمل في طياتها بذرة انتصار الثورة البروليتارية فإن نتيجتها المباشرة والمحسوسة كانت انتصار بونابرت على البرلمان وانتصار السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وانتصار القوة بلا كلام على قوة الكلام. في البرلمان جعلت الأمة إرادتها العمومية هي القانون أي أنها جعلت قانون الطبقة الحاكمة إدارتها العمومية. وهي أمام السلطة التنفيذية تتخلى عن كل إرادة خاصة بها وتذعن لآمرة أرادة غريبة، للسلطة. أن السلطة التنفيذية، بالمقارنة مع السلطة التشريعية، تعبر عن خضوع الأمة لحكم الغير بالمقارنة مع ممارستها للحكم الذاتي. ولهذا يبدو أن فرنسا لم تنج من استبداد طبقة برمتها إلا لتقع تحت استبداد فرد بل وتحت سلطة فرد بلا سلطة. ويبدو أن الصراع قد انتهى بحيث أن جميع الطبقات، قد ركعت عاجزة خرساء، أمام عقب البندقية" ( 2 ) فبناء على ما عايشه ماركس وانجلز وما آلت إليه الثورات في فرنسا وبروسيا والنمسا وميلانو والمجر سنوات 1848 و1849 تأكد لهما ان شروط الثورة البروليتارية الظافرة لم تكتمل بعد ولكنهما تأكدا في ذات الوقت أن الثورة قادمة لا محالة حيث يقول كارل ماركس في كتابه "الصراع الطبقي في فرنسا" "لن تكون ثورة جديدة ممكنة إلا على إثر أزمة جديدة ولكن والواحدة منهما متأكدة كما الأخرى تماما" Une nouvelle révolution ne sera possible qu à la suite d une nouvelle crise, mais l une est aussi certaine que l autre. ويؤكد في مكان آخر قائلا "لا فضل لجمهوريتهم سوى أنها تمثل الحضن الدافئ للثورة" Leur République n avait qu un mérite, celui d être la serre chaude de la révolution. . (3) أكثر من ذلك أثبتت الثورة الفرنسية أن الثورة البروليتارية لم تكن ولن تكون على نحو ما اعتقدته بروليتاريا باريس ما بين فيفري وجوان 1848. بالنتيجة صار لا بد من مراجعة نمط الثورة وأسلوبها. يقول انجلز في كتابه "الثورة والثورة المضادة في ألمانيا" (4) ما يلي "لقد هُزمت بروليتاريا باريس، وهُزمت، وسُحقت، لدرجة أنها لم تتعافَ حتى الآن من الضربة. وعلى الفور، من أقاصي أوروبا إلى أقاصيها، رفع المحافظون والمعادون للثورة رؤوسهم، بجرأة أظهرت مدى إدراكهم لأهمية الحدث. في كل مكان، تعرضت الصحافة للمضايقة، ومُنع حق التجمع؛ واستغلت أدنى حادثة في أي مدينة إقليمية صغيرة كذريعة لنزع سلاح الشعب، وإعلان حالة الحصار، وإجبار القوات على ممارسة التكتيكات والمناورات الجديدة التي علمهم إياها كافينياك. علاوة على ذلك، وللمرة الأولى منذ فيفري، ثبت أن استحالة هزيمة الانتفاضة الشعبية في مدينة كبيرة كانت وهمًا؛ استعادت الجيوش شرفها؛ واستعادت القوات، التي كانت تُهزم باستمرار حتى ذلك الحين في كل معركة شوارع ذات أهمية، ثقتها بتفوقها، حتى في هذا النوع من القتال". في إطار هذه المراجعة، بات ثابتا لدى ماركس وانجلز أن الثورة في أوروبا، كما في كل أنحاء العالم المعاصر تقترن اشد ارتباط بالانتفاضة المسلحة. وفيما كان ماركس منشغلا أكثر بالتخصص في دراسة الاقتصاد السياسي البرجوازي ليضع مؤلفه الضخم "رأس المال"، أنكب انجلز منذ سنة 1850 على دراسة تاريخ الحروب والاستراتيجيات العسكرية وتقنياتها وسبل تنظيمها الخ... ليضع جملة من المواد العلمية التي تعتبر في نظر كل المختصين في العالم مرجع لا غنى عن العودة إليه وتدريسه. وسوف نعود، لنفتح قوس لتسليط الضوء على هذه الخاصية التي يجهلها الكثير عن شخصية انجلز او لا يوليها الأهمية التي تستحق. ثم جاءت كومونة باريس لتكرس نبوءة ماركس وانجلز اللذان كانا أكدا ان ثورة "ربيع الشعوب" الأوروبية سنوات 1848-1849 ما هي إلا نسخة أولى لثورات أخرى لا شيء يمنع حدوثها. فحالما نضجت الأزمة مجددا على نطاق أوروبا ككل وداخل فرنسا حتى كانت حرب بيسمارك على فرنسا نابليون بونابارت الثالث قادح لاندلاع الثورة من جديدة بقيادة البروليتاريا الباريسية. إنها كومونة باريس. غير أن الكومونة بما أنجزته وما ارتكبته من أخطاء أوحت هي الأخرى لماركس وانجلز بدروس واستنتاجات جديدة أكدت مرة أخرى أن لا أمل لانتفاضة الطبقة العاملة في الظفر والفوز ما لم تحذق فن الحرب الثورية. لقد سبق لانجلز ان قال منذ سنة 1850 "التمرد فن مثل الحرب أو أي فن آخر، ويخضع لقواعد معينة، وإهمالها يؤدي إلى هلاك الطرف الذي يمارسه. لا تلعب أبدًا بالتمرد إذا لم تكن مستعدًا لمواجهة كافة العواقب. التمرد عملية حسابية تتضمن عوامل مجهولة، وقد تتغير قيمتها يوميًا؛ فالقوى التي تقاتلها تتمتع بميزة التنظيم والانضباط والسلطة التقليدية؛ فإن لم تستطع مواجهتها بقوات متفوقة، فأنت مهزوم لا محالة. ثانيًا، بمجرد أن تشرع في المسار الثوري، تصرّف بأقصى عزم وهاجم. فالدفاعية هي موت أي انتفاضة مسلحة؛ فهي تُدمر حتى قبل أن تتاح لها فرصة مواجهة العدو. هاجم أعداءك فجأة، بينما قواتهم متناثرة؛ اسعَ لتحقيق نجاحات جديدة كل يوم، مهما كانت صغيرة؛ حافظ على الميزة المعنوية التي اكتسبتها من الانتفاضة المنتصرة الأولى؛ اجمع حولك العناصر الساخطة التي تتبع دائمًا أقوى دافع وتقف دائمًا إلى جانب الفصيل الأكثر أمانًا؛ أجبر أعداءك على التراجع قبل أن يتمكنوا من توحيد قواتهم ضدك. وكما قال دانتون، أعظم معلم للتكتيكات الثورية المعروفة حتى الآن: الجرأة، الجرأة، والمزيد من الجرأة. ماذا كان على جمعية فرانكفورت أن تفعل إذن لتنجو من الخراب المحتوم الذي هددها؟ أولًا وقبل كل شيء، كان عليها أن تدرك الوضع بوضوح وتقتنع بأن أمامها خيارين فقط: إما الخضوع للحكومة دون قيد أو شرط، أو تبني قضية التمرد المسلح دون تحفظ أو تردد. ثانيًا، كان عليها أن تعترف علنًا بجميع الانتفاضات التي اندلعت بالفعل، وتحث الشعب في كل مكان على حمل السلاح دفاعًا عن التمثيل الوطني، وتعلن جميع الأمراء والوزراء وغيرهم ممن تجرأوا على معارضة الشعب صاحب السيادة ممثلًا بمندوبيه خارجين على القانون. وأخيرًا، كان عليها أن تعزل فورًا النائب الإمبراطوري الألماني، وأن تُنشئ سلطة تنفيذية قوية وفعّالة وعديمة الضمير، وأن تستدعي قوات المتمردين إلى فرانكفورت، موفرةً بذلك ذريعة قانونية لنشر التمرد، وأن تُنظم جميع قواتها في هيئة متماسكة، وباختصار، أن تستخدم جميع الوسائل المتاحة بسرعة وحزم لتعزيز موقفها وإلحاق الضرر بموقف أعدائها" (5). هذه الخاصيات التي توفرت في كومونة باريس. ففي خلال الخمسين سنة المنقضية سجل تاريخ التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الفرنسي سلسلة من الثورات أضفت البروليتاريا الباريسية على كل واحدة منها طابعها الطبقي الخاص ووسمتها ببصمتها الثورية المتميزة وسقتها بدماء شهدائها الذين يعدون بعشرات الآلاف. وكانت النتيجة أن دخلت البروليتاريا هذه المرة في شهر مارس 1871 الثورة الجديدة بمطالبها الخاصة وجسدت على أرض الميدان الفكرة الماركسية القائلة بان الثورة لا يمكن ان تنجح إلا عن طريق انتفاضة مسلحة. وهو ما كان بالفعل حيث بعد أن اندلعت الثورة في باريس يوم 4 سبتمبر 1870 فانهارت الإمبراطورية وانتصبت الجمهورية من جديد وعهد البرلمان لـ"حكومة الدفاع الوطني" بإدارة المرحلة الجديدة وبقيادة المواجهة العسكرية مع جيش بيسمارك الذي اكتسح مناطق من فرنسا وألحق مقاطعات الألزاس ولورين l’Alzase et la Lorraine وباتت وحداته على مشارف باريس. لقد قضت باريس 131 يوما تحت الحصار بعد أن استسلم الجيش الامبراطوري وانحلت "حكومة الدفاع الوطني" وجاءت محلها حكومة الجنرال "تيار" Thiers في ضاحية فرساي وأخذت البروليتاريا الباريسية على عاتقها حماية مدينة باريس ومنع الجيوش الألمانية من دخولها وتصدت في نقس الوقت يوم 18 مارس 1871 إلى محاولة "تيار" نزع سلاح الشعب الباريسي. واجهت باريس الغزاة الألمان بالشعب المسلّح الذي نصب المتاريس في كل مكان وانتخب يوم 26 مارس حكومته الجديدة ورفعت "راية الكومونة التي هي الحكومة الأممية" (6) وبرهنت على استيعابها دروس الماضي، وجوهر الاستنتاجات التي كان ماركس وانجلز قد توصلا إليها على إثر ثورات 1848 - 1849. ولكن ذلك لم يمنع أن ينحو عليها ماركس باللائمة في خطأين فادحين كانت اقترفتهما وكان لهما الأثر البالغ في مسار الصراع مع حكومة البرجوازية التي اتخذت كما قلنا من ضاحية فرساي ملجأ لها لإعادة تنظيم صفوفها. ويتمثل الخطأ الأول في أنها، أي الكومونة، تخلت عن البنك المركزي الفرنسي لفائدة الثورة المضادة وهو ما اعتبره انجلز "أصعب ما يمكن استيعابه هو بالتأكيد ذلك الخشوع والتبجيل الذي اعترى الناس أمام أبواب بنك فرنسا. كان ذلك خطأ سياسيا فادحا. فأن يكون البنك تحت يد الكومونة يساوي أكثر من عشرة آلاف رهينة. وكان يمكن ان يشكل دافعا لأن تمارس كل البرجوازية الفرنسية على حكومة فرساي الضغط من أجل إبرام السلام مع الكومونة" (7). أما الخطأ الثاني ولعله أكثر فداحة هو ترددها في التعاطي مع الحرب الاهلية التي بدأها "تيار" بمحاولته اقتحام "مونمارتر" ليلا، فارتكبت اللجنة المركزية خطأ قاتلا هذه المرة بعدم زحفها الفوري على فرساي التي كانت آنذاك خالية تماما من أي دفاعات وبالتالي وضع حد لمؤامرات "تيار" وانصاره الريفيين. بدلا من ذلك سمح لـ"حزب النظام" مجددا باختبار قوته في صناديق الاقتراع في 26 مارس يوم انتخاب الكومونة. في ذلك اليوم وفي قاعات بلدية باريس تبادل أعضاؤه كلمات المصالحة المعسولة مع غزاتهم السخيين بينما تعهدوا سرا بإبادتهم تماما عندما تحين الفرصة" (8). وفي نفس المعنى تأسف أنجلز أن الكومونة التي كيلت لها شتى التهم بانها حركة عنيفة وارهابية لم تستعمل العنف بالدرجة الكافية وعلى الوجه الاتم ضد أعدائها الامر الذي عاد عليها بالوبال وكلفها بعد سقوطها أكثر من عشرات الالاف من الضحايا ومثلهم من المساجين والمنفيين. خلاصة القول استجابت انتفاضة باريس 1871 لمتطلبات الحرب الطبقية التي تقابل الطبقة العاملة مع البرجوازية وجها لوجه وقد جمعت الطبقة العاملة بين يديها كل وسائل الدفاع ولكن أيضا كل وسائل الهجوم عدة وعتادا. في هذه المرة كانت البرجوازية في حالة دفاع وفي المقابل كانت البادرة من جانب البروليتاريا الباريسية التي تسلّحت بالقدر الكافي وبالنوعية اللازمة (المدفعية) حتى شكلت الأغلبية في باريس عكس ما كانت عليه في انتفاضة فيفري 1848 وخلال المواجهة الدامية في شهر جوان 1848 مجرد أقلية. ورغم أن الكومونة كانت على العموم تحت سيطرة أتباع بلانكي وفي وجود أقلية من مناضلي "الجمعية الأممية للعمال" ولكنهم من اتباع "برودون" أي بعبارة أخرى كما يقول انجلز تحت تأثير "اشتراكيين بالغريزة الثورية البروليتارية" فحسب فإنها اهتدت بعفويتها إلى ما كان ماركس وانجلز قد خلصا إليه من استنتاجات حول ضرورة إجراء تحويرات جوهرية على الاستراتيجيا الثورية في الانتفاضة والثورة. ما من شك أن كتابات ماركس وانجلز في هذا الصدد وقد تناقلتها أوروبا وشمال أمريكا كان لها وقع على المشاعر الثورية للبروليتاريا الأوروبية وتأثير في بعض قادة التيارات العفوية مثل القيادي البرودوني فيان Vaillant الذي احتك بالشيوعيين الالمان وبدا متفقا مع اطروحات ماركس وإنجلز في كل اطوار تجربة الكومونة تقريبا. 4 – الجنرال انجلز فريديريك انجلز مؤسس الاشتراكية العلمية بمعية كارل ماركس وهو من الفلاسفة الالمان الهيغليين الشبان وعالم اجتماع وانتروبولوجي كبير ومنظر اشتراكي وشيوعي. اشتهر بسعة معارفه في شتى العلوم الإنسانية والصحيحة واطلاعه على الإنتاج الفكري والادبي في مختلف الحضارات وحذقه عشرات اللغات الأوروبية وغير الأوروبية. لكن ما لم يعرف عنه كثيرا هو معارفه في الشؤون الاستراتيجية العسكرية التي ترك فيها مؤلفات كثيرة بعضها مازال لم يدرس بعد وبعضها الاخر اضطرته ظروف السرية إلى نشرها بأسماء مستعارة. تناولت مؤلفاته جوانب متعددة من علم الحرب كالتنظيم والتسليح والاستراتيجيات الحربية والتكتيكات وقضايا القيادة وتطور فنون الحرب عبر التاريخ. تنبّأ باندلاع الحرب العالمية الأولى وقدّر بنسبة عالية من الدقة نتائجها السياسية وخسائرها البشرية والمادية. أمضى تربصا في الجيش الألماني 1841 – 1842 تعرف من خلالها على الحياة في الثكنات وبعد حوالي ست سنوات عاد إلى الحياة العسكرية سنوات 1848 – 1849 ولكن كمتطوع وقائد حربي ضمن الجيش الشعبي في انتفاضة ولاية باد – بالاتينات Bade-Palatinat التي ينحدر منها. عمل في الجريدة الرينانية الجديدة Neue Rheinische Zeitung كمختص في الشؤون العسكرية حيث نشر العديد من المقالات حول الانتفاضات التي شهدتها الإمبراطورية البروسية. بعد طي صفحة ثورات "ربيع الشعوب" الأوروبية انتقل انجلز إلى مانشستر الإنجليزية حيث قضى سنوات طويلة انكب فيها على دراسة تاريخ الحروب ونظرياتها وتأثر أيما تأثر بالعالم والمؤرخ النمساوي Carl von Clausewitz صاحب نظرية "الحرب والسياسة" ومقولة "إنما الحرب هي استمرار للسياسة بأدوات أخرى". لقد أصبح انجلز مرجعا في العلوم الحربية يشهد له بالكفاءة والعلم والمعرفة من كبار الخبراء العسكريين البرجوازيين والمحترفين من مختلف المدارس الحربية. لذلك نال وعن جدارة لقب الجنرال الذي أطقته عليه في الأصل عائلة رفيقه كارل ماركس. كما كان لثورة 1848 تأثير في فكر ماركس وانجلز فيما يتعلق بالانتفاضة والثورة فقد كان للكومونة ولهزيمتها وللحرب الألمانية الفرنسية سنة 1870 أيضا تأثير آخر لا يقل أهمية. فمرة أخرى أجرى قادة الاشتراكية العلمية تعديلات وتدقيقات لعل أبرزها ما عبّر عنه انجلز بقوله "انفجار العسكرة من الداخل ومعها الجيوش النظامية". ماذا يعني؟؟ كان ماركس وانجلز يريان في كل الحروب التي عرفتها أوروبا حتى سنة 1870 بعدا تقدميا وثوريا إذ أنها في جانب منها أنجزت مهمة تقويض الأساس الاقطاعي القديم للمجتمع الأوروبي تقويضا كاملا أحيانا. وحتى إن لم تغنم البروليتاريا من هذه الثورات-الحروب إلا الخيبات والمآسي فذلك لكونها مازالت لم تتحول بعد إلى أغلبية المجتمع أو بأكثر دقة إلى أغلبية القوى المشاركة في الثورة (ثورة 1848 مثلا) وإما لكونها لم تدخل الثورة منظمة الصفوف وبما يكفي من الإمكانيات المادية التي تحتاجها ثورة ظافرة. وبمعنى من المعاني كان ماركس وانجلز يعولان على الحلقة الموالية التي سيأتي بها التطور الاقتصادي والاجتماعي في أوروبا لتكون البروليتاريا في مستوى المهمة التاريخية المناطة بعهدتها. إذ كما قال ماركس" لن تكون ثورة جديدة ممكنة إلا على إثر أزمة جديدة ولكن والواحدة منهما متأكدة كما الأخرى تماما وبلا شك". حملت حرب بيسمارك على فرنسا سنة 1870 مؤشرات على تحولات أساسية كانت بصدد التشكل ومثّل إلحاق مقاطعات الألزاس ولورين بألمانيا منعرجا تغيرت معه نظرة ماركس وانجلز للحرب وعلاقتها بالثورة في أوروبا. إن الحاق هذين المقاطعتين بالقوة بألمانيا من شأنه كما يقول إنجلز أن يعمق الهوة بين فصائل البروليتاريا من كلا البلدين بل ومن شأنه أن يؤجج مشاعر العداوة والكراهية والنزعات القومية الشوفينية في عموم أوروبا. وانطلاقا من هذا المنعرج وتفاعلا مع التحولات الناجمة عنه طور ماركس وانجلز بخصوص العلاقة بين ثالوث الحرب والثورة والانتفاضة مجموعة من الأفكار يمكن تلخيصها في ما يلي: 1 – إن عدم تصدي البروليتاريا الألمانية أو فشلها (لأن حزب الطبقة العاملة أعلن موقفه بمنتهى الصراحة ضد الالحاق) في التصدي لانتقال الحرب الالمانية على فرنسا من حرب دفاعية إلى حرب احتلال وإلحاق. وعلاوة على أنها ستمثل كارثة فإنها ستزج بكامل أوروبا في مسار من الحروب والاقتتال ستكون بروليتاريا كل البلدان ضحيتها. يقول ماركس في خطابه الثاني للمجلس العام للجمعية الأممية للعمال حول الحرب الفرنسية الألمانية "إذا سمحت الطبقة العاملة الألمانية للحرب الحالية بأن تفقد طابعها الدفاعي المحض وتتحول إلى حرب ضد الشعب الفرنسي، سواء انتصرت أم هزمت، فإنها ستظل كارثة" ويحذر في نفس الاتجاه "بعد استراحة قصيرة، سيتعين على [ألمانيا] الاستعداد مرة أخرى لحرب "دفاعية" أخرى، ليست واحدة من تلك الحروب "المحلية" التي تم اختراعها حديثًا، بل حرب عرقية، حرب ضد الأعراق اللاتينية والسلافية المتحالفة" (9). وقد ترتبت عن هذه الحرب مخاوف من أن تندلع حرب جديدة تشنها فرنسا المتحالفة مع روسيا للانتقام من ألمانيا. (10) 2 – فتحت الحرب الألمانية الفرنسية على عصر يتميز بسباق حثيث نحو التسلح تتطورت فيه الأسلحة وتقنيات الفتك وما عادت الحرب منذئذ "حبلى بالتقدم الاجتماعي" accoucheuse de progrès social بقدر ما باتت عنوانا للتقتيل والموت. ونتيجة لذلك تنبّأ انجلز بإمكانية اندلاع حرب قارية كبيرة قد يذهب ضحيتها ملايين البشر. وقد عبر عن ذلك بكل وضوح حين قال "بالنسبة للحرب فهي بالنسبة لي الاحتمال الأكثر رعبا. لكن حربًا شارك فيها ما بين 10 و15 مليون مقاتل، ودمار غير مسبوق لمجرد إطعامهم، وقمع قسري شامل لحركتنا، وعودة الشوفينية في كل بلد، وفي النهاية ضعفٌ أسوأ بعشر مرات مما كان عليه بعد عام 1815، وفترة رجعية قائمة على تجويع جميع الشعوب، كل هذا في ظل احتمال ضئيل بأن تُفضي حربٌ مريرة كهذه إلى ثورة، أمرٌ يُرعبني. خصوصًا لحركتنا في ألمانيا، التي ستُسحق وتُخمد بالقوة، بينما يمنحنا السلام نصرًا شبه مؤكد" (11). لذلك كان مارتن برقر Martin Berger على حق تماما حين قال "وهكذا فإن إنجلز، الذي كان يبشر في السابق بالحرب كمحفز للثورة، أصبح الآن يمجد الثورة كوسيلة لتجنب الحرب" (12). 3 - تعززت القناعة لدى انجلز على مر السنين وخاصة منذ الحرب الألمانية الفرنسية ان مصير الثورة الاجتماعية سيرتبط بمدى قدرة البروليتاريا في ثورتها على تحييد جهاز الجيش البرجوازي. وقد أدى به ذلك إلى تصور نموذج الحرب والثورة، بناء على استراتيجية تفكيك الجيش البرجوازي من الداخل. ويقول في هذا الصدد "تسيطر العسكرة على أوروبا وتلتهمها. لكن هذه العسكرة تحمل في طياتها أيضًا بذور دمارها. فالتنافس بين مختلف الدول يُجبرها، من جهة، على إنفاق المزيد والمزيد من الأموال سنويًا على الجيش والبحرية والمدافع، إلخ، مما يُسرّع الانهيار المالي أكثر فأكثر، ومن جهة أخرى، على أخذ الخدمة العسكرية الإلزامية على محمل الجد، وفي نهاية المطاف، على تعريف جميع السكان بكيفية استخدام الأسلحة، مما يُمكّنهم في نهاية المطاف من جعل إرادتهم تنتصر على هيبة القيادة العسكرية. وتأتي هذه اللحظة حالما تتوافر لدى جموع الشعب - عمال المدن والأرياف والفلاحين - إرادة. عند هذه النقطة، يتحول جيش السلالة إلى جيش شعبي؛ ترفض الآلة الخدمة، وتتلاشى العسكرة من جدلية تطورها الذاتي. ...وهذا يعني الانهيار الداخلي للعسكرة، ومعها جميع الجيوش النظامية" (13). بعد حوالي قرن ونصف من إعلان انجلز هذه الإشارت والتنبؤات أثبت التاريخ صحة البعض منها فيما نفى البعض الآخر. ولعل ما يشد الانتباه هو صحة تنبؤات انجلز بالحرب العالمية التي لم تنتظر كثيرا بعد وفاته لتندلع من جهة وسلامة التكتيك الذي وضعه بخصوص الربط بين الحرب والثورة والانتفاضة من جهة ثانية والذي جسمته التجربة الروسية بقيادة لينين بتمام العناية والنجاح. 4 – لينين: الربط الثوري الرائع بين الحرب والثورة والانتفاضة، ما يلفت الانتباه هو دعوة لينين للانتفاضة المسلحة منذ بداية تجربته وجاء ذلك في كتاباته الأولى مثل كراسه “مهمات الاشتراكيين الديمقراطيين الروس” (صائفة 1897) التي قال فيها "أما بالنسبة لمناقشة الوسائل التي ستستخدمها هذه المنظمة مسبقًا لتوجيه ضربة قاضية للحكم المطلق - هل ستفضل، على سبيل المثال، الانتفاضة أم الإضراب السياسي الجماهيري أم أي وسيلة هجوم أخرى - فإن مناقشة هذه النقطة مسبقًا ومحاولة حسم المسألة فورًا لن يكون سوى تفكير عقائدي عقيم. سيكون الأمر أشبه بعقد الجنرالات مجلس حرب قبل تجميع القوات وتعبئتها وتوجيهها ضد العدو. عندما يقاتل جيش البروليتاريا بحزم، بقيادة منظمة اشتراكية ديمقراطية قوية، من أجل تحرره الاقتصادي والسياسي، فإنه سيُشير بنفسه إلى الجنرالات على أساليب ووسائل العمل التي يجب استخدامها. عندها، وعندها فقط، سيكون من الممكن التفكير في توجيه الضربة القاضية للحكم المطلق. لأن الأمر يتوقف بالتحديد على حالة الحركة العمالية، وحجمها، وأساليب النضال التي تطورها الحركة، وخصوصيات المنظمة الثورية التي توجه الحركة، وموقف العناصر الاجتماعية الأخرى تجاه البروليتاريا والاستبداد، والظروف السياسية الخارجية والداخلية ـ باختصار، ألف حالة من المستحيل وغير المجدي محاولة تخمينها مسبقا" (14) فكما هو ملاحظ هذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها لينين، حتى وإن كان ذلك على سبيل الجدل مع جماعتي "نارودنايا فوليا" و"نارودنايا برادو" بصدد البرنامج، عن الانتفاضة كوسيلة للإطاحة بالنظام المطلق. ورغم أنه يكتفي هنا باستعراض جملة الوسائل المحتملة فالواضح أن الانتفاضة تطرح في فكر لينين كواحدة من الوسائل المحتملة. لا ننسى هنا أن لينين بصدد الحديث عن برنامج منظمة "اتحاد العمل من تحرير الطبقة العاملة" التي شكلت منطلقا لبعث حزب الطبقة العاملة في روسيا الذي تأسس بعد سنة من نشر هذا الكراس أي ربيع سنة 1898. لكن عندما عاد لينين لإثارة هذه النقطة بالذات سنة 1902 في كتابه "ما العمل" فقد عاد إليها ليس كاحتمال من احتمالات الوسائل الوارد اعتمادها للإطاحة بالأوتوقراطية في روسيا وإنما من زاوية الخيار الاستراتيجي المتأكد والذي ينبغي الاعداد له إعدادا جيدا فقال "تصوروا من ناحية أخرى الانتفاضة الشعبية. يتراءى لنا أن الجميع يوافقون اليوم على ضرورة التفكير بها والاستعداد لها. ولكن كيف نستعد؟ أترى يجب أن تعين اللجنة المركزية عملاء في جميع النواحي لتحضير الانتفاضة؟ ولكن اللجنة المركزية، وإن كانت موجودة عندنا، لا تستطيع أن تبلغ شيئاً في الظروف الروسية الراهنة عن طريق مثل هذا التعيين. وعلى عكس ذلك شبكة العملاء التي تتألف من تلقاء نفسها في العمل على تنظيم وتوزيع الجريدة العامة، فهي لن “تنتظر مكتوفة الأيدي” شعار الانتفاضة، بل ستقوم على وجه التحقيق بعمل منتظم يضمن لها أكبر إمكانيات النجاح في حالة الانتفاضة. وهذا العمل يوثق الصلات بأوسع جماهير العمال وبجميع الفئات الساخطة على الاستبداد، وهو أمر كبير الأهمية بالنسبة للانتفاضة".(15) ويشترط لينين أن يلعب هذا العمل دوره في تعليم "جميع المنظمات المحلية على النهوض في وقت واحد للجواب على المسائل والطوارئ والأحداث السياسية الواحدة التي تثير روسيا من أقصاها إلى أقصاها، والجواب على هذه “الأحداث” بأكثر ما يمكن من النشاط والتجانس والعقلانية. وهذا العمل بالذات يعلّم، أخيراً، جميع المنظمات الثورية في أنحاء روسيا أن تقيم بينها الروابط المنتظمة جداً والسرية جداً في آن واحد، هذه الروابط التي تنشئ وحدة الحزب الفعلية. والحال لا يمكن بدون هذه الروابط أن يُبحث بصورة مشتركة مشروع الانتفاضة وأن تُتخذ في عشية التدابير التحضيرية الضرورية التي ينبغي أن تبقى في طي الكتمان التام" (16). وسنرى فيما بعد كيف طرحت مسألة الانتفاضة في صدارة المهمات للإنجاز في أكتوبر 1917 في نطاق نفس هذه الروح وهذه الاحتياطات. بعد ثورة 1905 طرحت المسألة من جديد ولكن بشكل مختلف عما كانت تطرح به من قبل ذلك أن هزيمة الثورة بعد مذبحة الاحد الدامي 9 جانفي 1905 اتضحت لدى لينين صورة المهمة المركزية المطروحة على الحزب البلشفي في الثورة الاشتراكية الديمقراطية أكثر من أي وقت مضى. فقد صادق المؤتمر الثالث للحزب المنعقد بضعة أشهر، في شهر ماي 1905، على ما يلي: " إن المؤتمر الثالث لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي يرى أن مهمة تنظيم البروليتاريا للنضال المباشر ضد الأوتوقراطية من خلال الانتفاضة المسلحة هي واحدة من أهم المهمات وأكثر إلحاحاً للحزب في الساعة الثورية الراهنة. ولهذا يكلف المؤتمر جميع منظمات الحزب ما يلي: 1 - أن توضح للبروليتاريا، عن طريق الدعاية والتحريض، لا المغزى السياسي للانتفاضة المسلحة القادمة فحسب، بل أيضاً جانبها التنظيمي العملي. 2 - أن توضح في سياق هذه الدعاية وهذا التحريض دور الإضرابات السياسية الجماهيرية، والتي يمكن أن تكتسب أهمية كبرى في بداية الانتفاضة وفي مجراها بالذات. 3 - أن تتخذ أشد الإجراءات حزماً لتسليح البروليتاريا ورسم خطة الانتفاضة المسلحة وقيادتها المباشرة، وأن نشكل لهذا الغرض فرقاً خاصة من المناضلين الحزبيين، بقدر ما تدعو الحاجة” (17).
وللتذكير يوم 1 جانفي 1905 أطلق البلاشفة جريدتهم الخاصة فبريود (إلى الأمام) بعد أن يئسوا من العمل في الايسكرا وفي عددها الأول كتب لينين عن الازمة السياسية التي تعيشها روسيا مع اندلاع الحرب ضد اليابان وهزيمة الجيش القيصري في معركة بورت ارتور Port Artur وجدد بالمناسبة بتمام الدقة ما سبق أن أوصى به انجلز قبل حوالي عشرين سنة فقال "اليوم يعتمد تطور الأزمة السياسية في روسيا بالدرجة الأولى على مسار الحرب مع اليابان. فما من شيء كشف، ولا يزال يكشف، عن فساد الاستبداد أكثر من أي شيء آخر؛ وما من شيء يُضعفه ماليًا وعسكريًا أكثر من أي شيء آخر؛ وما من شيء يُعذب الجماهير المنهكة ويدفعها إلى التمرد أكثر من أي شيء آخر، لأن هذه الحرب المخزية والإجرامية تتطلب منهم تضحيات لا حصر لها" (18). ويضيف "لدينا، بلا شك، الكثير لنفعله لتثقيف وتنظيم الطبقة العاملة، لكن لب المسألة الآن هو: أين يتوجب علينا أن نصب تركيزنا السياسي في التثقيف والتنظيم؟ على النقابات والاتحادات الشرعية القائمة؟ أم على الانتفاضة والعمل من أجل خلق جيش ثوري وحكومة ثورية؟ كلاهما يخدم هدف تثقيف وتنظيم الطبقة العاملة. كلاهما، بالتأكيد، ضروري. لكن في الثورة الراهنة، تبلغ المسألة هذا الحد: أي منهما يجب التشديد عليه في العمل لتثقيف وتنظيم الطبقة العاملة، الأول أم الثاني؟" (19) لم يطل انتظار لينين طويلا لتقدم له الاحداث أغلى الهدايا فيقدم بدوره "للاشتراكية الديمقراطية الروسية" ولكن أيضا للحركة الثورية العالمية درسا في معاني الانتفاضة في نسختها الجديدة والمحينة بكل تفاصيلها وفق ما كان الجنرال انجلز قدم في شأنها ملامح الصورة العامة. واعتقد أن أفضل وأوضح ما كتب لينين في هذا الصدد علاوة على نصوص سبتمبر أكتوبر 1917 نص "الجيش الثوري والحكومة الثورية" الذي صدر باللسان المركزي لفصيل البلاشفة بروليتاري Proletari العدد 7 بتاريخ 27 جوان 1905 (20). ولتسمحوا لي بأن أقتطف من هذا النص فقرات مطولة نسبيا فهي كافية لوحدها بحوصلة تصور لينين للثورة والانتفاضة وسوف تعفينا من استعراض ما ورد في بقية كتابات لينين على امتداد أكثر من 11 سنة. وبعد هذا الفقرات سنكون فقط في حاجة إلى التوقف عند نصوص لينين التي كتبها بعلاقة بالجدل الذي دار صلب اللجنة المركزية للحزب البلشفي في اجتماعاتها المتتالية ابتداء من 3 سبتمبر حتى منتصف أكتوبر 1917. يقول لينين في النص المشار إليه "الجيش الثوري والحكومة الثورية ما يلي"مثلت انتفاضة أوديسا وانضمام البارجة الحربية بوتيمكين إلى صف الثورة تقدمًا جديدًا وهامًا للحركة الثورية ضد الاستبداد. وأكدت هذه الأحداث بسرعة استثنائية وجاهة الدعوات إلى الانتفاضة وتشكيل حكومة ثورية مؤقتة، التي وجهها إلى الشعب ممثلو البروليتاريا الواعون المجتمعون في المؤتمر الثالث لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. إن الانتفاضة المسلحة للشعب بأكمله تنضج وتتنظم أمام أعيننا، تحت تأثير التطور العفوي للأحداث. قبل وقت ليس ببعيد، كانت أعمال الشغب - أي الانتفاضات اللاواعية وغير المنظمة والعفوية، بل والوحشية أحيانًا - هي المظاهر الوحيدة لنضال الشعب ضد الاستبداد. لكن حركة العمال، حركة البروليتاريا، الطبقة الأكثر تقدمًا، خرجت بسرعة من هذه المرحلة البدائية. وقد أعطت الدعاية والتحريض للديمقراطية الاشتراكية أكلها. لقد أدت عمليات القمع العسكري الوحشية، في غضون سنوات قليلة، إلى "تثقيف" البروليتاريا وسكان المناطق الحضرية، وإعدادهم لأشكال أعلى من العمل الثوري. لقد حدثت معارك شوارع ومعارك حواجز بين الناس وقوات العسكر. وتصاعد الصراع إلى درجة تحوله إلى تمرد. بدأ الجيش بالتردد. في البداية، كانت هناك حالات عصيان متفرقة، وتمردات من جنود الاحتياط، واحتجاجات من الضباط، واضطرابات بين الجنود، ورفض سرايا أو أفواج بأكملها إطلاق النار على زملائهم. ثم انحاز جزء من الجيش إلى جانب الانتفاضة. إن الأهمية الهائلة للأحداث الأخيرة في أوديسا تنبع بالتحديد من حقيقة أنه للمرة الأولى، انضمت وحدة كبيرة من القوات المسلحة في عهد القيصرية، وهي عبارة عن سفينة حربية بأكملها، علناً إلى الثورة. كما رفض طاقم السفن الحربية المرسلة ضد البارجة الثورية بوتيمكين القتال ضد رفاقهم. وتنتشر اليوم شائعات حول استقالات جماعية لضباط في أسطول البحر الأسود. ظلت حكومة القيصر بلا أسطول. وفي أحسن الأحوال، نجحت، مؤقتًا، في منع الأسطول من الانضمام بفعالية إلى الثورة. أما البارجة الحربية "بوتيمكين"، فما زالت معقل الثورة الذي لم يُهزم، وأيًّا كان مصيرها اللاحق، فإننا نواجه حقيقةً لا يمكن إنكارها وذات أهمية بالغة: محاولة تشكيل نواة جيش ثوري. الخطوة الأولى قد قطعت وتم عبور الروبيكون. إن انتقال الجيش إلى جانب الثورة مكسب بالنسبة إلى كل روسيا وللعالم أجمع. أعمال الشغب، والمظاهرات، ومعارك الشوارع، ومفارز الجيش الثوري، هذه هي مراحل تطور الانتفاضة الشعبية. إن مهمة هذه المفارز هي إعلان الانتفاضة، وتزويد الجماهير بالقيادة العسكرية التي لا غنى عنها في الحرب الأهلية كما في أي حرب أخرى، وإنشاء نقاط دعم للعمل المفتوح للشعب بأكمله، ونشر الانتفاضة في المناطق المحيطة، وضمان الحرية السياسية الكاملة، حتى لو كانت في البداية على جزء صغير من أراضي الدولة، وبدء التحول الثوري لنظام استبدادي فاسد تمامًا، ونشر النشاط الإبداعي الثوري للشرائح الدنيا من الشعب على نطاقه الكامل، والتي تشارك في هذا النشاط بشكل ضعيف في أوقات السلم، ولكنها تصبح عاملاً ذات أهمية من الدرجة الأولى في أوقات الثورة." "غير أنه، في المرحلة الراهنة من الانتفاضة الشعبية، لا تقل أهمية الحكومة الثورية عن الجيش الثوري. فالجيش الثوري لا غنى عنه للنضال العسكري ولتوفير القيادة العسكرية للجماهير ضد فلول القوات المسلحة الاستبدادية. والجيش الثوري ضروري لأن القوة وحدها كفيلة بحل المشكلات التاريخية الكبرى، ولأن التنظيم العسكري، في النضال المعاصر، هو تنظيم القوة. أما الحكومة الثورية فهي ضرورية لضمان القيادة السياسية لجماهير الشعب أولاً في الأراضي التي تم تحريرها من القيصرية بواسطة الجيش الثوري، ثم في الدولة بأكملها. إن الحكومة الثورية ضرورية للشروع فوراً في إجراء التغييرات السياسية التي تمت من أجلها الثورة، وإقامة الإدارة الذاتية الثورية للشعب، وعقد جمعية تنبثق حقاً من الشعب كله وتكون تأسيسية حقاً، وإقامة "الحريات" التي بدونها يكون التعبير الدقيق عن إرادة الشعب مستحيلا". لنتناول المسألة العسكرية. ما من اشتراكي ديمقراطي، على دراية ولو محدودة بالتاريخ، وتلقى تعليمه على يد الخبير الكبير في الفنون العسكرية، إنجلز، شكك أبدا في الأهمية الهائلة للمعرفة العسكرية، والأهمية الهائلة للتكنولوجيا والتنظيم العسكريين، باعتبارهما وسيلتين تستعملهما الجماهير والطبقات الشعبية لفض النزاعات التاريخية الكبرى. إن الاشتراكية الديمقراطية لم تسقط قط إلى مستوى اللعب بالمؤامرات العسكرية، ولم تضع المسائل العسكرية في الصدارة، طالما لم تكن الظروف ظروف حرب أهلية ولو في بداياتها. أما اليوم، فإن جميع الاشتراكيين الديمقراطيين يضعون المسائل العسكرية، إن لم تكن في المقام الأول، فعلى الأقل من بين أهمها؛ لقد وضعوا دراسة هذه المسائل على جدول الأعمال، وهي مسائل يتعين تدريب الجماهير عليها. الجيش الثوري والحكومة الثورية وجهان لعملة واحدة. إنهما مؤسستان لا غنى عنهما لنجاح الانتفاضة وترسيخ مكاسبها. هما شعاران لا بد من صياغتهما ومناقشتهما باعتبارهما الشعارات الثورية الوحيدة المتناسقة" (21). بقي لينين وفيا لهذه القناعة وثابتا على هذا الموقف سواء في ظروف التراجع بعد هزيمة ثورة 1905 (أنظر رده على مارتوف في المؤتمر الخامس للحزب سنة 1907) أو في فترات المد الثوري بعد ثورة فيفري 1917 وخاصة ابتداء من شهر جويلية. لذلك كان سباقا إلى طرح مسألة الانتفاضة على المؤتمر السابع (جويلية اوت 1917) وعلى إثر دحر محاولة كورنيلوف الانقلابية. لينين: الانتفاضة فن تؤكد معطيات التاريخ، تاريخ الثورة البروليتارية في روسيا أن لينين أنقذ الثورة في مرتين على الأقل، ولو لا تدخله لكان مجرى التاريخ قد سار – ربما بل وبنسبة كبيرة من اليقين – في اتجاه غير الاتجاه الذي سارت فيه. كانت المرة الأولى يوم قدم اطروحاته في كيفية التعامل مع المرحلة الانتقالية، المعروفة بموضوعات أفريل les thèses d’avril والثانية يوم نادى بمقاطعة "الندوة الديمقراطية" أو ما اصطلح عليه وقتها بالـ"pré-parlement" والاعداد للانتفاضة.
وكما كنا خصصنا حصة لدراسة "موضوعات نيسان" نركز بمناسبة نقاش موضوع اليوم "الماركسية والانتفاضة" مع الايجاز قدر الإمكان على فضل لينين في رسم تكتبك الحزب أيام الاعداد للثورة.
بالعودة قليلا إلى الوراء ورسم ملامح السياق العام الذي جاءت فيه دعوة لينين لمقاطعة "الندوة الديمقراطية" والشروع في الاعداد للانتفاضة يجدر أن نذكر وأن حدثين بارزين شكلا منعرجا حاسما في اتجاه تطور نسق الثورة في روسيا هما المؤتمر السادس للحزب (جويلية – أوت 1917) والقضاء على محاولة كورنيلوف الانقلابية. فقد كانا وراء الصعود القوي لتأثير البلاشفة في أوساط الطبقة العاملة والفلاحين وسببا مباشرا لفوزهم في انتخابات سوفيات بتروقراد يوم 31 أوت 1917 وسوفياتات موسكو يوم 5 سبتمبر وكييف وسارتوف وغيرها من المدن في الأسابيع الموالية. فما أن تم القضاء على المحاولة الانقلابية المسلحة حتى أصبح صدى شعار " كل السلطة للسوفيات " يملأ أرجاء روسيا وأدرك لينين منذ يوم 3 سبتمبر أن المرور إلى نسق أعلى لتسريع الاستعدادات للثورة بات واجبا ملحا فأكد في مشروع لائحة اللجنة المركزية للحزب بتاريخ 3 سبتمبر " تكمن الأهمية التاريخية لمحاولة كورنيلوف الانقلابية في كونها كشفت وبصورة دقيقة للجماهير هذه الحقيقة التي ظلت حتى الآن مخفية – والتي يواصلون إخفائها – وراء خطب المناشفة والاشتراكيين الثوريين التهادنية والتي مضمونها أن كبار الملاكين العقاريين والبرجوازية بقيادة حزب الكاديت والجنرالات والضباط العسكريين مستعدون لنكث وعدهم وتسليم ريقا ثم بيتروقراد وإطلاق النار على الفيالق البلشفية واكتساح العاصمة بواسطة " الكتيبة الوحشية " بغاية أن تجمع البرجوازية بين يديها كل السلطات ويتمتن نفوذ كبار الملاكين العقاريين وبغاية إغراق البلاد في دماء العمال والفلاحين... لقد أثبتت محاولة كورنيلوف لروسيا ما أثبته التاريخ لكل البلدان أن البرجوازية ستخون الوطن ولن تتوانى عن ارتكاب أي جريمة للحفاظ على هيمتنها ومصالحها " ( 22 ). لذلك دعا لينين الحزب للتعجيل بإعداد العدة للانتفاضة حتى لا تتجاوزه الأحداث المتسارعة " كالإعصار " ووجه من مخبئه السري في فنلندا رسالتين لاجتماع اللجنة المركزية ( 15 سبتمبر ( معتبرا انه " بما اننا حصلنا على الأغلبية في سوفياتات العاصمتين ( بيتروقراد وموسكو ) يمكن للبلاشفة بل يجب عليهم اخذ السلطة " ويضيف في نفس الرسالتين " إن التاريخ لن يغفر لنا إذا لم نفتك السلطة الان ".( 23 ) ودعا لمقاطعة " الندوة الديمقراطية " أو ما أطلق عليه " ما قبل البرلمان " pré-parlement التي دعا لها كيرنسكي للالتفاف على مطلب تنظيم انتخابات المجلس التأسيسي ( 24 ). فبعد أن أخلف وعده بتنظيم هذه الانتخابات يوم 8 جوان ثم يوم 17 سبتمبر وجد كيرنسكي في " الندوة الديمقراطية " مخرجا لضمان اقتلاع تأييد الأحزاب الممثلة للبرجوازية وأحزاب البرجوازية الصغيرة ( المناشفة والاشتراكيين الثوريين ) الذي اصطفوا بصورة واضحة وراء الحكومة المؤقتة التي أصبحت هي بدورها حكومة رأس المال وكبار الملاكين العقاريين. لذلك اعتبر لينين مشاركة البلاشفة في هذه الندوة " خيانة " للثورة وللعمال والفلاحين وغدرا بالسوفياتات. وفي المقابل من ذلك طالب لينين بالشروع في الاعداد للانتفاضة إذا لم تقبل الحكومة بتسليم السلطة بطريقة سلمية لسوفياتات العمال والجنود والفلاحين.
لقد رد لينين بسلسلة من المقالات والرسائل وجهها للجنة المركزية للحزب ولسوفياتات موسكو وبتروغراد ولعموم مناضلي الحزب جادل فيها مخاطر المشاركة في " الندوة الديمقراطية " أو انتظار موعد مؤتمر السوفياتات وٍاعتبر أن " الأزمة قد نضجت " ( 25 ) و" على البلاشفة أخذ السلطة " ( 26 ) منبها لمخاطر السقوط في الفخ الذي نصبه " أبطال التحيل " أي الحكومة المؤقتة والأحزاب البرجوازية الصغيرة التي غدت تعبر عن مصالح البرجوازية الكبيرة ( حزب الكاديت والليبراليين ) (27 ).
لم يكن توحيد الحزب حول تكتيك موحد حيال التطورات الجديدة أمرا سهلا فقد ظهر داخل اللجنة المركزية في مرحلة أولى بخصوص الموقف من " الندوة الديمقراطية " خلاف بين أنصار المشاركة من جهة بقيادة كامينيف ( كيروف وتيودوروفيتش الخ ... ) الذي تراءس وفد الحزب البلشفي لهذه الندوة وشارك في كل جلساتها تقريبا ولم ينسحب منها إلا في جلساتها الختامية بأمر من اللجنة المركزية التي تطارحت الموضوع أكثر من مرة وبإلحاح من لينين وبين دعاة مقاطعتها من جهة ثانية . أما تروتسكي فقد دعا لـ" مؤتمر وطني للسوفياتات " Congres pan-russe des soviets لاتخاذ موقف في الموضوع علما وان المناشفة كانوا دعوا لمؤتمر السوفياتات ليوم 20 أكتوبر 1917. وقد اضطرت اللجنة المركزية في الأخير بحسم الموضوع بالتصويت فأفرزت أغلبية طفيفة مع المقاطعة ( 9 أصوات منهم ستالين وتروتسكي ودزرجنسكي وسفردلوف ) ضد أقلية واسعة العدد ( 8 أصوات ) مع المشاركة.
كتب لينين في هذا الصدد " لقد مل الشعب التردد والارتباك وأصبح غضبه أكبر فأكبر فالثورة في الطريق. تكمن مصلحة الديمقراطيين الرجعيين أضراب ليبر-دان وتسيريللي أن يوجهوا اهتمامات الشعب إلى هذه " الندوة " وأن يلهوه بهذه المسرحية وأن يعزلوا البلاشفة عن الجماهير ويشغلونهم بالاستماع إلى زارودني ..." ( 28 ) لذلك " كان على أعضاء الوفد البلشفي لهذه الندوة بنسبة 99 بالمائة أن يتوجهوا للمصانع والثكنات حيث هو المكان الحقيقي للنواب الذين وفدوا من كل أرجاء روسيا والذين رأوا بعد خطاب زارودني هوة العفن التي سقط فيها الاشتراكيون الثوريون والمناشفة " ( 29 ). ومن ثمة فإن مهمة البلاشفة كانت في الحقيقة الاعداد " لأخذ السلطة ". فالظروف ناضجة لذلك على كل الأصعدة الداخلية منها والخارجية، موضوعيا وذاتيا. ومقارنة بالأسابيع الماضية، أيام أوت التي طالب فيها عمال بيتروقراد بشن هجوم على الحكم في شكل انتفاضة وهو الأمر الذي عارضة البلاشفة رسميا ووقفوا ضده، كان هناك أكثر من سبب يحث البلاشفة على التعجيل بالشروع في الاعداد للانتفاضة لأن كل المؤشرات كانت توحي بأن إمكانية استلام السلطة بصورة سلسة وسلمية أمر مستبعد إن لم نقل مستحيل. لقد أوضح لينين ذلك بكامل الدقة في نصه " مهمات الثورة " تتوفر الآن لروسيا الديمقراطية وللسوفياتات وحزبي الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة فرصة من النادر للغاية أن تتوفر في التاريخ هي فرصة تأمين انعقاد الجمعية التأسيسية في الموعد المعين بدون تسويفات جديدة وتجنيب البلاد الكارثة الحربية والاقتصادية، فرصة تأمين تطور الثورة السلمي. وإذا أخذت السوفياتات الآن في يدها سلطة الدولة، بصورة كلية وبوجه الحصر، لأجل تطبيق البرنامج المعروض أعلاه فإن السوفياتات لن تحظى بمساندة تسعة أعشار سكان روسيا والطبقة العاملة والأغلبية الساحقة من الفلاحين وحسب، بل ستحظى كذلك بحماسة ثورية عظيمة للغاية في صفوف الجيش وأغلبية الشعب بتلك الحماسة التي تستحيل بدونها التغلب على الجوع والحرب. ولو لا التذبذب من جانب السوفياتات لما كان من الممكن أن تقوم الآن أي مقاومة في وجهها فما من طبقة تتجرأ على استثارة انتفاضة ضد السوفياتات. فالاقطاعيون والرأسماليين الذين تعلموا من تجربة الفتنة الكورنيلوفية، سيتنازلون عن السلطة بسلام أمام مطلب السوفياتات الانذاري. وللتغلب على مقاومة الرأسماليين لبرنامج السوفياتات سيكفي فرض مراقبة العمال والفلاحين على المستثمرين واتخاذ تدابير لمعاقبة المخالفين كمصادرة جميع الأموال المرفقة باعتقال غير طويل الأمد. وإذا ما أخذت السوفياتات السلطة كلها فإنه سيكون بوسعها حتى في الوقت الحاضر – وسيكون ذلك تطور الثورة السلمي، وانتخاب الشعب لنوابه بصورة سلمية، والصراع السلمي بين الأحزاب داخل السوفياتات وامتحان برنامج مختلف الأحزاب على محك التطبيق وانتقال السلطة بصورة سلمية من يد حزب إلى يد حزب آخر. وإذا فاتت هذه الفرصة السانحة فلا ندحة من نشوب حرب أهلية في منتهى الشدة بين البرجوازية والبروليتاريا كما يبين كل مجرى تطور الثورة ابتداء من حركة 20 نيسان وانتهاء بالفتنة الكورنيلوفية والكارثة التي لا مناص منها ستقرّب هذه الحرب. وستنتهي هذه الحرب من كل بد كما تبين جميع المعطيات والاعتبارات التي يسهل على عقل الانسان فهمها بانتصار الطبقة العاملة التام بمساندة الفلاحين الفقراء للطبقة العاملة من أجل تحقيق البرنامج المعروض، ولكنها قد تكون شاقة جدا، دامية، وقد تكلف حياة عشرات الآلاف من الاقطاعيين والرأسماليين والضباط المتعاطفين معهم ولن تتردد البروليتاريا عن بذل أية تضحية لأجل انقاذ الثورة الذي يستحيل بدون البرنامج المعروض. ولكن البروليتاريا ستدعم السوفياتات بشتى الوسائل إذا ما استفادت من الفرصة السانحة الأخيرة المتوفرة لها لأجل تأمين تطور الثورة السلمي. ( 30)
كانت كل العوامل إذن حاضرة كي يأخذ البلاشفة السلطة، حرب مدمرة ولصوصية لا مصلحة للشعب الروسي فيها ولم يجن منها غير الخراب والفقر والمرض وأزمة اقتصادية حادة تنذر بالانهيار التام وحكومة مأزومة ومترددة ما انفكت تفقد مصداقيتها لدى عموم الشعب وتجنح أكثر فأكثر إلى الاستبداد ولا ادل على ذلك محاولة الفتنة المسلحة بقيادة كورنيلوف يقابل كل ذلك إقبال واعي وواسع على التنظم تحت راية السوفياتات وغضب شعبي عارم وخاصة في أوساط الطبقة العاملة والفلاحين، الطبقتان الرئيسيتان في المجتمع اللتان تقدمان بوعي متسارع على التنظم خارج سلطة أجهزة الدولة الرسمية في سوفياتات العمال والفلاحين والجنود وتصاعد وتيرة الاحتجاج والعصيان وانتقال سوفياتات العاصمتين ( موسكو وبتروقراد ) تحت تأثير البلاشفة الذين باتوا يحظون بثقة الغالبية العظمى من الشعب. في مثل هذه الظروف بات انتقال السلطة إلى منظومة الحكم الجديدة ضرورة محتومة وتشير كل الدلائل إلى أن لا سبيل لتحقيقها سوى بالانتفاضة المسلحة إذا ما استمرت حكومة البرجوازية في إصرارها على عدم التنازل عن الحكم. غير أنه وفي هذا الصدد بالذات، الانتفاضة المسلحة، انقسم الحزب أو بالأحرى قيادته، اللجنة المركزية، مرة أخرى. فقد عارض عدد من أعضائها تنظيم الانتفاضة مثل زينوفييف الذي حذر في نص بعنوان " ما لا يجب أن نقوم به " من مغبة تكرار " خطا كومونة باريس " معتبرا ان الظروف مازالت غير ناضجة لإعلان الانتفاضة. ودعا كامينيف من جهته إلى تحذير الحزب من الانسياق في أي محاولة انتفاضة بل ودعا إلى عدم دراسة الرسائل التي بعثها لينين من مخبئه السري في فنلندا لحث اللجنة المركزية على الإسراع بإعداد الانتفاضة وطالب بحرقها ( أي رسائل لينين ). وكان هذا الخلاف موضوع جدل فكري وسياسي وتنظيمي واسع وعاصف داخل اللجنة المركزية للحزب البلشفي وألف لينين بشأنه جملة من الاسهامات السياسية والنظرية القيمة مثل نص " الماركسية والانتفاضة " ونص " notes d’un publiciste " و" الكارثة المحدقة وكيف نحاربها " وغيرها من النصوص.
خاض لينين صراعا حادا ضد ما أسماه " تردد الأوساط القيادية " وطلب العودة من فلندا بصورة سرية للتباحث مباشرة مع رفاقه في الموضوع بل ذهب أبعد من ذلك حيث أعلن استقالته من اللجنة المركزية مع تمسكه بحقه في الاتصال بهياكل الحزب والدفاع عن وجهة نظره ( 31 ) احتجاجا على منع صدور ما كان يرسله للجنة المركزية. الأمر الذي جعل هذه الأخيرة تعيد طرح المسألة للنقاش مجددا بحضوره ( يوم 10 أكتوبر 1917 ) لتفرز أغلبية مع الانتفاضة ( 10 أصوات مقابل صوتين رافضين هما زينوفييف وكامينيف ). ومتابعة لذلك أيد اجتماع اللجنة المركزية يوم 16 أكتوبر هذا القرار الذي أورد لينين نص لائحته التالي " يؤيد الاجتماع تأييدا كاملا لائحة اللجنة المركزية ويسانده تماما. تدعو اللائحة كل منظمات الحزب وكل العمال والجنود إلى إعداد الانتفاضة المسلحة من جميع جوانبها وإلى دعم المركز المحدث من قبل اللجنة المركزية للغرض. وتعبر اللائحة عن القناعة الراسخة بضرورة أن تحدد اللجنة المركزية والسوفيات في الظرف الملائم الوقت المناسب والوسائل الضرورية للمرور إلى الهجوم " ( 32 )
وفيما دعا لينين إلى " تعميم القرار على جميع هياكل الحزب لدراسته من النواحي العملية " توجه كل من زينوفييف وكامينيف إلى الحزب برسالة بعنوان " رسالة حول الظرف الراهن " جاء فيها " نحن مقتنعون عميق الاقتناع أن الدعوة للانتفاضة يمثل الان اللعب على ورقة وحيدة ليس فقط بالنسبة لمستقبل حزبنا وإنما مصير الثورة الروسية والثورة العالمية كلها. لا شك انه في ظروف تاريخية يطرح على طبقة مقموعة أن تعترف أنه من الأفضل أن تسير إلى الهزيمة من أن تستسلم دون مقاومة. فهل الطبقة العاملة الروسية في مثل هذه الوضعية؟ لا وألف لا ... وما دام الاختيار بأيدينا نستطيع بل علينا ان نكتفي اليوم بالوضع الدفاعي فالجماهير لا ترغب بالنضال وجماهير الجنود تناصرنا فقط بسبب شعارنا حول السلم. وإذا كان علينا خوض حرب ثورية فقد تنفضّ الجماهير من حولنا وبسرعة .." ( 33 ) ولكن ذلك لم يمنع من ان يؤيد الاجتماع الموسع للجنة المركزية يوم 16 أكتوبر القرار السابق ( قرار يوم 10 من نفس الشهر ) بأغلبية 19 صوت واحتفاظ 4 ومعارضة زينوفييف الذي طالب بتأجيل أعمال الاستعدادات للانتفاضة إلى غاية انعقاد المؤتمر الثاني للسوفياتات ( 20 أكتوبر ) بينما قدم كامينيف في المساء استقالته من اللجنة المركزية. ثم بعد يومين من ذلك نشر كامينيف وزينوفييف رسالتهم المذكورة على صفحات الجريدة المنشفية التي يرأس تحريرها ماكسيم قوركي ( نوفايا جيزن ) موضحين حججهم في معارضة قرار الانتفاضة نافين أن يكون قد اتخذ قرار في الغرض معتمدين في ذلك على موقف تروتسكي الذي نفا هو الآخر وجود قرار بالشروع في تحضير الانتفاضة.
كان رد فعل اللجنة المركزية سريعا وصارما فقررت قبول استقالة كامينيف ومنعه هو وزينوفييف من التحدث علنا باسم الحزب. وتناول لينين الرد على الحجج التي اعتمداها في الرسالة المذكورة وكتب في نص بعنوان " رسالة إلى الرفاق " بتاريخ 17 أكتوبر 1917 " إن الحجج المقدمة من الرفاق ضعيفة وتعبر بصورة جلية عن الهلع والخوف من فشل الأفكار الأساسية للبلشفية والأممية الثورية البروليتارية ولا يمكن ان نجد من تفسير لهذه الترددات غير المشرفة. والحال هذه وبما أنه لا يحق لحزب ثوري أن يتسامح مع هذه الترددات في قضية جدية وبما ان هذين الرفيقين الذين تخليا عن مبادئهما ويمكن ان يحدثا بلبلة، فإنه من الضروري أن نحلل حججهما وان نعري عن ترددهما وان نبين كم هو غير مشرف .. " ( 34 ) . وفي رسالة ثانية بعنوان " رسالة إلى أعضاء الحزب البلشفي " أضاف قائلا " إنني احس إذا ما نظرت لعلاقتي مع رفاق قدامى كي اتردد في إدانتهما وأقول بوضوح أنني لم اعد أعتبرهما رفاقا وانني سأقاوم بكل ما اوتيت من جهد داخل اللجنة المركزية وفي المؤتمر كي يقع طردهما ". ( 35 )
وفي رده على تروتسكي الداعي إلى انتظار المؤتمر الثاني للسوفياتات المقرر انعقاده يوم 20 أكتوبر قال لينين " انتظار مؤتمر السوفياتات هو محض غباوة لأن خسارة أسابيع وفي الوقت الحالي بضعة أسابيع بل بضعة أيام تحسم في كل شيء. إنه التخلي المخزي عن أخذ السلطة لأنه في 1 و2 نوفمبر سيكون ذلك من المستحيل لأسباب سياسية وتقنية : سيقع تجميع جنود القوزاق يوم تحديد الانتفاضة بكل غباء. انتظار مؤتمر السوفياتات هو محض بلاهة لأن هذا المؤتمر لن يضيف شيئا وليس بمقدوره أن يضيف شيئا ... " ( 36 )
لقد شكل هذا الجدل مناسبة كي يطور لينين أفكار ماركس بخصوص الانتفاضة ولكن أيضا كي يقود الحزب إلى نصر كانت كل المؤشرات تؤكد حظوظ إحرازه. فلم يكتف لينين فقط بذلك بل تقدم بمقترح ملموس لكيفية تنظيم الانتفاضة وإحراز النصر فيها نجد صداه في كتاباته ومجادلاته مع زينوفييف وكامينيف ( الماركسية والانتفاضة، نصائح غائب، رسالة إلى سميلقا، الأزمة قد نضجت ) " إننا إذا وجهنا ضربة مباغتة انطلاقا من ثلاث نقاط، في بيتروقراد وموسكو وفي أسطول البلطيق سننجح بنسبة 99 بالمائة بأقل خسائر مما تكبدنا أيام 3 و5 جويلية، لأن الجيوش لن تنتفض ضد حكومة السلام. وحتى إذا كان كبرنسكي يتوفر على فرقة خيالة وفية له في بيتروقراد الخ ... فإنه أمام الهجوم من جهتين وفي ظل تعاطف الجنود معنا سيضطر للاستسلام. فإذا كنا بمثل هذه الحظوظ لا نفتك السلطة اليوم فإن كل الأحاديث عن السوفيات هو كذب في كذب " ( 37 ).
لقد جسم هذا المقترح على أرض الواقع ووفق ما يتماشى وبدقة مع واقع الثورة الملموس في روسيا في ذلك الظرف الأفكار العامة والمبادئ الأساسية للنظرية الماركسية بخصوص الانتفاضة والتي يمكن اختزالها في كلمة كان أطلقها عليها انجلز وهي أن "الانتفاضة فن".
في الحقيقة تعود هذه العبارة للقائد العسكري الصيني القديم الذي كان أول من صاغ هذه المقولة (..) واستعارها ماركس وانجلز منه ليجددا مفهومها في ضوء تطور المجتمع الإنساني والصراع الطبقي في عصر الرأسمالية وبالتحديد الصراع من اجل الحكم. وتعمق لينين فيها لا فقط في ضوء حاجيات واقع الثورة وإنما أيضا استنادا إلى المعارف العسكرية التي جمعها لينين من كلاوسفيتز وقوستاف بول كلوسيريت الجنرال العسكري في كومونة باريس وصاحب نظرية "حرب الشوارع" ومن انجلز ايضا. كنا تعرضنا لاستنتاجات انجلز حول كيفية طرح الانتفاضة بعد المستجدات الناجمة عن الحرب الألمانية الفرنسية 1870 وتعرضنا لموقع الانتفاضة والانتفاضة المسلحة في برنامج الشيوعيين الروس وبالأخص عند لينين على امتداد العشرين سنة التي سبقت الثورة (1897 – 1917) ولم يبق سوى أن نستشهد هنا بفقرتين مما كتب لينين في " فن الانتفاضة" الاستشهاد الأول وكان في شكل توصيات ونصائح قدمها لينين لمناضلي الحزب سنة 1905 جاء فيها " تعتمد التاكتيكات العسكرية بشكل كبير على مستوى تطور التقنية العسكرية. هذه الحقيقة الواضحة شرحها إنجلز لكل الماركسيين. إلا أن التقنية العسكرية اليوم ليست كما كانت في منتصف القرن التاسع عشر، ومن الحماقة أن نتصدى لهجوم المدفعية مدافعين عن المتاريس بالمسدسات. وفي ذلك كان كاوتسكي على حق عندما كتب أنه من الضروري اليوم مراجعة الاستنتاجات التي توصل إليها إنجلز، وأن موسكو قد دشنت نوعاً جديداً من تاكتيكات القتال على المتاريس: تاكتيك حرب العصابات. والمنظمة الضرورية لتطبيق ذلك التاكتيك لابد أن تتكون من وحدات سريعة الحركة وصغيرة للغاية، وحدات من عشرة أفراد، أو ربما ثلاثة أو اثنين فقط. لكننا غالباً ما نقابل اليوم اشتراكيين ديمقراطيين يهزأون ويسخرون كل السخرية كلما تحدثنا عن وحدات الخمسة أو الثلاثة أفراد. لكن السخرية هنا لا تعدو سوى أن تكون طريقة رخيصة للتهرب من التساؤلات الجديدة حول التاكتيك والتنظيم، تلك التساؤلات التي طرحتها حرب الشوارع بقوة في ظل ظروف فرضتها التقنية العسكرية الحديثة فرضاً. عليكم أيها السادة أن تدرسوا أولاً، وبعناية، قصة انتفاضة موسكو، عندئذٍ ستفهمون أي صلة تربط بين “وحدات الخمسة” و”تاكتيكات المتاريس الجديدة”. لذلك حث مناضلي الحزب على العمل مع الجماهير العمالية لتوعيتها وتدريبها تماما كما هو الحال بالنسبة إلى الجنود واكد قائلا " اذهبوا إلى الشباب، أيها السادة، فهذا هو العلاج الوحيد. وإلا، ولأكن صريحاً هنا في كلامي، سوف تتأخرون كثيراً (وكل شيء يخبرني بذلك)، ولن يتبقى لديكم سوى المذكرات والخطط والمخططات والوصفات “الرائعة”، دون منظمة، دون قضية حية. اذهبوا إلى الشباب ... شكلوا فرق القتال على الفور، وفي كل مكان، بين الطلاب، وبالأخص بين العمال، إلخ. دعوا كل من تلك الفرق تتشكل من ثلاثة، أو عشرة، أو ثلاثين فرداً، إلخ. دعوهم يتسلحون على الفور بقدر الإمكان.. بالسكاكين، أو بالمسدسات، أو بالأقمشة المشبعة بالكيروسين لإضرام النيران، إلخ. فلتختار تلك السرايا قادتها، وبقدر ما هو ممكن أن تبقى على تواصل مع هيئة القتال للجنة بطرسبورغ. لا تطالبوا بأي رسميات، وأستحلفكم بالإله أن تتجاهلوا كل تلك المخططات، وأن ترسلوا كل “الوظائف والحقوق والصلاحيات” إلى الجحيم.. لا ترفضوا الاتصال بأي مجموعة، حتى إن تكونت فقط من ثلاثة أفراد.. دعوا تلك المجموعات تنضم لحزبنا أو أن تربط نفسها به، إذا أرادت ذلك، سيكون ذلك ممتازاً. لكني أعتبر من الخطأ الإصرار على ذلك".
ما نحتاجه الآن هو طاقة الغضب، والمزيد من الطاقة أيضاً. إنني أشعر بالذعر، ولأكن صريحاً في ذلك، عند سماع أحاديث كثيرة عن صنع القنابل، لمدة تزيد عن ستة أشهر، ولم تُصنّع أي قنابل، ولا واحدة. هذا هو المتعارف عليه دوماً ممن لا يحسنون سوى الكلام”. إن النقطة الأساسية في الأمر كله هي المبادرات التي تضطلع بها المجموعات الصغيرة، والتي بدونها ستغدو هيئتكم القتالية هباءاً. ومن ناحيتي، فإني أقيّم عمل الهيئة بعدد مجموعات القتال الملتفة حولها والتي تبقى على صلة بها. وإذا لم يكن لدى الهيئة، في غضون شهر أو شهرين، 200 أو 300 مجموعة في سان بطرسبورج، فهذه الهيئة هي هيئة ميتة مقدر لها أن ندفنها. إذا لم تنجح في حشد مائة أو اثنان من مجموعات القتال في وقت الغليان الذي نعيشه اليوم، فستصبح بالتأكيد بعيدة كل البعد عن الحقل العملي للصراع.
ينبغي على الدعاويين أن يمدون كل مجموعة بوصفات بسيطة ومختصرة لصنع القنابل، أعطوهم شروحات أولية ودعوهم يعملون. وعلى فرق القتال كذلك أن تتدرب عسكرياً عبر شن الهجمات نفسها. بعض الفرق يمكن أن تقتل جاسوساً، أو أن تنفجر قسماً للشرطة، فرق أخرى يمكنها مداهمة مصرفاً لمصادرة أمواله لتمويل الانتفاضة، وفرق أخرى يمكنها تجهيز خططاً محلية، لكن الأمر الجوهري هنا هو أن نبدأ فوراً في التعلم من الممارسة الفعلية، وألا نهاب المحاولة والتجربة. هناك خطر أمامنا يكمن في الانحراف أو التطرف، لكن أكثر الأخطار شراً وضرراً بالنسبة لنا هو الخمول والجمود، هو الروح المتكلسة، وتخاريف الخوف من المبادرات... إن خبرة التجربة سوف تصقل مئات المقاتلين اليوم ليصيروا قادة لمئات الآلاف من رفاقهم غداً" (38).
أما الاستشهاد الثاني الذي نورده بكثير من الايجاز الفقرة من نص "الماركسية والانتفاضة" يرسم فيه الجوانب الفنية في الانتفاضة حيث يقول " ولكي ننظر إلى الانتفاضة نظرة ماركسية، أي لكي نعتبرها فناً، ينبغي علينا، في الوقت نفسه، ألا نضيع أي دقيقة، فننظم هيئة أركان لفصائل الثوار، ونوزع قوانا، ونوجه الأفواج الأمينة نحو أهم النقاط، ونطوق الكسندرينا، ونحتل بتروبافلوفكا، ونعتقل هيئة الأركان العامة والحكومة، ونرسل ضد اليونكر والفرقة الوحشية فصائل يستطيع أفرادها التضحية بحياتهم ولا يدعون العدو يمر نحو النقاط الهامة من المدينة. ينبغي علينا أن نعبئ العمال المسلحين، وندعوهم إلى خوض معركة مستميتة أخيرة، ينبغي أن نحتل دفعة واحدة التلغراف والتلفون، وأن نقيم هيئة أركاننا نحن الثورية عند المركز التلفوني، وأن نربطه تلفونيا بجميع المعامل والمصانع، بجميع الأفواج، بجميع النقاط التي سيجري فيها النضال المسلح، الخ... وطبيعي أن كل ما قيل ما هو إلا من باب الإشارة لكي نبين أننا لا نستطيع، في الفترة التي نمر بها، أن نبقي أمناء للماركسية، أن نبقي أمناء للثورة، إذا لم نعتبر الانتفاضة فناً" (39).
كيف تطرح المسألة اليوم؟ الإجابة عن هذا السؤال يحتاج إلى أكثر من بحث. فالقضية عل درجة من التعقيد من كل زوايا النظر. وهي في ملخص القول تتعلق بما يمكن التعبير عنه بـ"الطريق إلى الثورة" في عصرنا الحالي.
تمر الرأسمالية في مرحلة تطورها الحالية بأزمة مركبة ومعقدة وشاملة لم يسبق لها أن شهدتها من قبل. ولا يرجى تعافيها منها في ضوء معطيات اليوم والغد. وحتى إن كنا على يقين بأنها ستنتهي بها إلى الانهيار كنظام اقتصادي اجتماعي، عملا بحكم الحتمية التاريخية، فإننا غير قادرين على الجزم متى وكيف سيحصل ذلك. فقد استطاعت مخابر الرأسمالية في كل مرة استنباط المخرج الذي يؤجل هذا القدر المحتوم. في الاثناء تجري تحولات كبرى لا فقط في نمط مراكمة رأس المال ومركزته وإنما أيضا في تكنولوجيا الإنتاج الذي بلغ الآن ما يعتبره البعض الثورة الصناعية الخامسة مع ولادة الذكاء الاصطناعي.
هذه التحولات فعلت فعلها في تركيبة المجتمع المعاصر وتناقضاته ودينامية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية داخله كما فعلت فعلها في هوية طبقاته السفلى وذهنيتها بما بات يطرح القيام ببعض المراجعات في الاستنتاجات التي خلصت إليها الماركسية المبكرة – أي في عهد ماركس وانجلز – وحتى قبل قرن من الآن بعلاقة بالثورة البلشفية.
كانت الماركسية تنبّأت باندلاع الثورة في ألمانيا التي باتت بعد توحيدها البلد الأوروبي المرشح قبل غيره لاحتضان الثورة البروليتارية. ولكن سلسلة من التطورات جعلت انجلز في آخر أيامه يعترف أن الثورة بصدد الانتقال نحو الشرق. وجاءت الأيام بما يؤكد هذه النبوءة. وعلى غراره رأى لينين في نهوض حركة التحرر الوطني في المستعمرات وأشباه المستعمرات علامات على نزوح الثورة نحو الجنوب.
غير أن الهجوم البرجوازي المضاد والنزعات التحريفية الكثيرة والمتنوعة التي حاولت تشويه الماركسية تظافرتا لكي تطيحا بمكتسبات موجات الثورة الاجتماعية التي شهدها القرن الماضي. ويعيش العالم منذ ثلاثة أرباع قرن على وقع تقهقر لا متناهي للحركة الثورية رغم بعض المحاولات التي لم ترتق في حجمها ولا في آثارها إلى ما يعكس مسار التقهقر العام (ثورات الربيع العربي، بعض الحركات العمالية في فرنسا وامريكا اللاتينية، احتجاجات الشباب الأخيرة في عدد من البلدان).
فعلى عكس اتجاه الظروف الموضوعية العامة باطراد نحو النضج ما ينفك العنصر الذاتي في تراجع. ومازالت الطبقة العاملة العالمية فاقدة للطليعة القادرة على تفعيل "مرشد العمل" الذي تركه ماركس وانجلز وفق خصوصيات الظرف التاريخي المستجد.
لا شك وأن هناك حاجة ماسة وأكيدة لتحيين "مرشد العمل" نفسه تحيينا شاملا بما يوفر كل الإجابات على ما يطرحه الواقع الراهن في عصر التطور الأعلى للرأسمالية أي الامبريالية ومرحلة التطور القصوى للإمبريالية نفسها. ولكن وحتى إن لم يتسنّ ذلك دفعة واحدة فليكن التحيين على دفعات وبحسب ما تطرحه أولويات البحث في إنارة "الطريق إلى الثورة". واعتقد أن من القضايا التي يمكن أن تسبق غيرها في جدول الأولويات هي الإجابة عن القضايا والأسئلة التالية: - إعادة رسم الحدود في مجال تدقيق تعريف قوى الإنتاج بين البروليتاريا والعنصر البرجوازي الصغير في ضوء التحولات التي شهدها "العمل" وسيرورة الإنتاج - إعادة ضبط وصياغة سبل ربط الصلة بين الطليعة (الانتلجنسيا الثورية) والطبقة العاملة - إعادة الاعتبار "للانتفاضة المسلحة" في برامج الحزب الم. الل. واستراتيجيته في الثورة - هل مازال من الممكن اعتبار ظروف الحرب هي الإطار الأنسب لتنظيم الانتفاضة في ضوء نوعية الحروب النووية المرتقبة والتي ما عادت حروب إلحاق واحتلال بل أصبحت حروبا تهدد بالتدمير الشامل للبشرية والطبيعة؟ - وتبعا لذلك هل مازال من الوارد العمل على اختراق "الجيش النظامي" في ظل التطورات التي عرفها هذا النوع من الجيوش تنظيما وعقيدة وامكانيات؟
صحيح أن التأكيد على ضرورة بحث هذه الأسئلة ضمن الأولويات الكبرى لحزب الطبقة العاملة في عصرنا هذا قد يجعلنا كما قال لينين أشبه بالجنرالات الذين "يعقدون مجلس الحرب قبل تجميع القوات وتوجيهها ضد العدو" وأنه قد يكون من الأجدى تخمين وفهم "الألف حالة أخرى" التي ستتكفل هي بالإشارة علينا بأساليب العمل التي سيتعين علينا استخدامها. ولكن ألا تندرج الأسئلة المذكورة ضمن ما قال عنه لينين "إن الأمر يتوقف بالتحديد على حالة الحركة العمالية، وحجمها، وأساليب النضال التي تطورها الحركة، وخصوصيات المنظمة الثورية التي توجه الحركة، وموقف العناصر الاجتماعية الأخرى تجاه البروليتاريا والاستبداد، والظروف السياسية الخارجية والداخلية"؟ وهي قضايا ليست للاكتشاف بقدر ما هي للبحث والتعميق.
تونس، نوفمبر 2025
الهوامش 1 – الثورة والثورة المضادة في ألمانيا (بالفرنسية) – انجلز – ص 44 ، أنظر على الرابط التالي: revetcontrerev.pdf 2 – ماركس انجلز : البيان الشيوعي – موقع البديل على الرابط التالي: بيان الحزب الشيوعي - حزب العمال
3 – كارل ماركس : الصراع الطبقي في فرنسا، أنظر الرابط التالي : Les luttes de Classe en France - K. Marx (IV)
4 – فريديريك انجلز : الثورة والثورة المضادة في ألمانيا، أنظر الرابط التالي F. Engels : Révolution et contre-révolution en Allemagne (1851-52)
5 – فريديريك انجلز : مقدمة كاتب "الحرب الاهلية في فرنسا" 18 مارس 1891، بالفرنسية، أنظر الرابط التالي Engels : : Préface à la Guerre civile en France
7 – المصدر السابق
8 – المصدر السابق
9 – كارل ماركس، الخطاب الثاني للمجلس العام حول الحرب الفرنسية الألمانية – الجمعية الأممية للعمال. أنظر الرابط التالي : A.I.T. - II° adresse sur la guerre franco-allemande (1870)
10 – مقتطف من بيان للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني حول الحرب الألمانية الفرنسية Le Comité central du Parti ouvrier social-démocrate allemand a lancé, le 5 septembre, un manifeste [4] insistant énergiquement sur ces garanties. ... Dans l intérêt commun de la France et de l Allemagne, dans l intérêt de la paix et de la liberté, dans l intérêt de la civilisation occidentale contre la barbarie orientale, les ouvriers allemands ne toléreront pas Nous protestons, dit-il, contre l annexion de l Alsace et de la Lorraine. Et nous avons sans -dir-e mot l annexion de l Alsace et de la Lorraine... Nous nous tiendrons fidèlement aux côtés de nos camarades ouvriers de tous les pays pour la cause commune internationale du prolétariat. Malheureusement, nous ne pouvons compter sur leur réussite immédiate. Si les ouvriers français n ont pas pu, en pleine paix, arrêter l agresseur, les ouvriers allemands ont-ils plus de chances d arrêter le vainqueur au milieu du cliquetis des armes ? Le manifeste des ouvriers allemands demande que Louis Bonaparte soit livré comme criminel de droit commun à la République française. Leurs gouvernants, au contraire, font déjà tous leurs efforts pour le réinstaller aux Tuileries comme l homme le plus propre à ruiner la France. Quoi qu il en soit, l histoire montrera que la classe ouvrière allemande n est pas faite d une matière aussi malléable que la bourgeoisie allemande. Elle fera son devoir.
11 – مارتن برقر ، أكثر من جمع ما تركه أنجلز من أثر حول علاقة الحرب بالثورة في كتابه الجامع بعنوان Engels, Armies and Revolution أنظر الرابط التالي: Engels, armies, and revolution : the revolutionary tactics of classical Marxism : Berger, Martin, 1942- : Free Download, Borrow, and Streaming : Internet Archive
12 – انجلز: رسالة إلى بول لافارغ 27 مارس 1889، أنظر الرابط التالي: Marx-Engels : La social-démocratie allemande (IV.1)
13 – انجلز، ضد دهرينغ، أنظر الرابط التالي: أنجلس - ضد دوهرينغ PDF | PDF
14 – لينين، الأعمال الكاملة – الجزء الثاني، "مهام الاشتراكيين الديمقراطيين الروس" بالفرنسية، أنظر الرابط التالي V.I. Lénine - Les tâches des social-démocrates russes (1897)
15 – لينين، "ما العمل" – المؤلفات الكاملة، المجلد الخامس بالفرنسية. أنظر الرابط التالي: V.I. Lénine - Oeuvres
16 – المصدر السابق
17 – لينين المؤلفات الكاملة، الجزء الثامن. "الاوتوقراطية والبروليتاريا" بالفرنسية. أنظر الرابط التالي: MIA: Lénine - L autocratie et le prolétariat (1905)
18 – توقفت جريدة فبريود اللسان المركزي للحزب البلشفي عن الصدور في أواخر شهر ماي 1905 لتُعوّضَها جريدة "بروليتاري". واكن لينين أوضح في نص أسباب بعث البلاشفة جريدتهم الخاصة فبريود التي انطلقت كما سبق أن قلنا في عرة جانفي. عنوان هذا النص "رسالة إلى الرفاق، بمناسبة صدور اللسان المركزي للأغلبية" بتاريخ 12 ديسمبر 1904.
19 – المصدر السابق
20 – لينين، المؤلفات الكاملة – الجزء الثامن، "الجيش الثوري والحكومة الثورية" بالفرنسية. أنظر الرابط التالي: V.I. Lénine - Oeuvres Complètes - Volume 8 : Janvier - Juillet 1905
21 – المصدر المذكور سابقا
22 – لينين، مشروع لائحة حول الوضع السياسي العام، المؤلفات الكاملة، المجلد 25 بالفرنسية، أنظر الرابط التالي: V.I. Lénine - Projet de résolution sur la situation politique actuelle - 1917
23 – المصدر السابق
24 – المصدر السابق
25 – لينين، "الأزمة قد نضجت" – المؤلفات الكاملة، المجلد 26 بالفرنسية أنظر الرابط التالي: V.I. Lénine - LA CRISE EST MÛRE - 1917
26 – المصدر السابق
27 – المصدر السابق
28 – لينين – أبطال التحيل وأخطاء البلاشفة – المجلد 26 من الأعمال الكاملة بالفرنسية – ص 41.
29 – المصدر السابق
30 – لينين – مهام الثورة – المجلد السابع من المختارات بالعربية – ص ص 245 – 246.
31 – لينين – الأزمة قد نضجت – المؤلفات الكاملة بالفرنسية – المجلد 26 – ص ص 68 – 79
32 – لينين تقرير ومحضر جلسة اللجنة المركزية لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي ليوم 16 أكتوبر 1917 – المؤلفات الكاملة بالفرنسية – المجلد 26 - ص ص 195 – 197.
33 – ذكره بيار برواي في كتابه الحزب البلشفي – 1963 – ص 39
34 – لينين : رسالة إلى الرفاق – المؤلفات الكاملة بالفرنسية – المجلد 26 – ص ص 198 – 219
35 – المصدر السابق.
36 – لينين - الأزمة قد نضجت – المؤلفات الكاملة – المجلد 26 – ص ص 68 – 79.
37 – المصدر السابق
38 – لينين: "دروس انتفاضة موسكو" المؤلفات الكاملة، المجلد 11 بالفرنسية أنظر الرابط التالي: Lénine : Les enseignements de l insurrection de Moscou (29 août 1906)
39 – لينين: "الماركسية والانتفاضة" – المؤلفات الكاملة، المجلد 26 بالفرنسية. أنظر الرابط التالي: Lénine : Le marxisme et l insurrection (sept. 1917)
#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد (الجزء ا
...
-
مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد - الجزء ال
...
-
المعاهدة التونسية الجزائرية بين مقاصد الهيمنة والبحث عن الحم
...
-
انتفاضة الشباب المغربي: حلقة في سلسلة انتفاضات
-
مرة أخرى حول حقيقة الأوضاع الاقتصادية والمالية في تونس
-
النمو الوهمي - الجزء الثاني
-
ردّا على الدعاية الرّسميّة: النموّ الوهميّ - الجزء الأول
-
في أزمة العلاقة بين قيس سعيد واتحاد الشغل الأسباب والمرامي و
...
-
هل تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
-
في أزمة العلاقة بين قيس سعيد واتحاد الشغل الأسباب والمرامي و
...
-
الديمقراطية الشعبية والطريق إلى إنقاذ تونس
-
المكارثية الصهيونية تهجم على جامعة مدينة نيويورك - ترجمة
-
زرت الجزائر
-
التجمع الفاشي في مدينة كنساس Kansas City قوبل بصمت السلطات و
...
-
يا صاحِبي أَضنَيتَ جِسمَكَ (1)
-
25 جويلية: تاريخ نهاية البايات وتاريخ عودتهم
-
الدولار مقابل اليورو - ترجمة
-
كرة القدم: الفرجة والأفيون والارباح
-
غزة: الجريمة التي لا تنتهي هل ينهيها ويتكوف؟
-
الحرب على إيران: تمرين خاطف لقضاء مآرب عدة
المزيد.....
-
استحضاراً لمسار الفقيد حزب التقدم والاشتراكية ينظم لقاءً تأب
...
-
انتهاء اعتصام عمال “كهرباء أسوان” بوعود من الإدارة بتنفيذ م
...
-
احتجاج عمال “مودرن جاس” بسوهاج وقنا.. للمطالبة بإلغاء عقود ا
...
-
ملف: نصف قرن على وفاة فرانكو
-
شباب جيل زيد في قبضة الاستبداد
-
UNSC 2803: The US-Israeli Scheme to Partition Gaza and Break
...
-
Most International Airlines Servicing Venezuela Suspend Flig
...
-
Harry Truman, Hiroshima and the Necessity Defense
-
تركيا: الأمل يبعث من جديد في مدينة ديار بكر الكردية بعد حل ح
...
-
إنتقادات ضد الاشتراكي الديمقراطي بسبب حسابات إعلامية مضللة
المزيد.....
-
تطوير الإنتاج الإشتراكي بنتائج أكبر و أسرع و أفضل و أكثر توف
...
/ شادي الشماوي
-
الإنتاجية ل -العمل الرقمي- من منظور ماركسية!
/ كاوە کریم
-
إرساء علاقات تعاونيّة بين الناس وفق المبادئ الإشتراكيّة - ال
...
/ شادي الشماوي
-
المجتمع الإشتراكي يدشّن عصرا جديدا في تاريخ الإنسانيّة -الفص
...
/ شادي الشماوي
-
النظام الإشتراكي للملكيّة هو أساس علاقات الإنتاج الإشتراكية
...
/ شادي الشماوي
-
الإقتصاد الماويّ و مستقبل الإشتراكيّة - مقدّمة ريموند لوتا ل
...
/ شادي الشماوي
-
النضال الآن في سبيل ثورة اشتراكية جديدة
/ شادي الشماوي
-
الماركسية والمال والتضخم:بقلم آدم بوث.مجلة (دفاعا عن الماركس
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الأسس المادية للحكم الذاتي بسوس جنوب المغرب
/ امال الحسين
-
كراسات شيوعية(نظرية -النفايات المنظمة- نيقولاي إيڤانو&
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|