جيلاني الهمامي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 00:11
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
تقلّبات جديدة في الوضع النّقابي
ولكن إلى أين المسير؟
شهدت نهاية الأسبوع المنقضي وبداية هذا الأسبوع تطورات جديدة في الملف النقابي حصلت نتيجة جملة من المستجدات لعلّ أبرزها تراجع الأمين العام نور الدين الطبوبي عن استقالته. ومن المهمّ تدقيق النظر في سلسلة "الأحداث النقابية" الأخيرة كي نحدّد طبيعة "اليد الخفية" التي حرّكت الساحة النقابية ودفعت بها إلى ما يمكن اعتباره حلحلة للوضع.
كان مؤتمر الاتحاد الجهوي بصفاقس هو المنطلق للحركية النقابية التي ميّزت الأيام الأخيرة حيث انعقدت على هامشه جلسة ضمّت حوالي 40 عضوا من الهيئة الإدارية الوطنية أصدروا بيانا دعوا فيه لاجتماع يوم الأربعاء 14 جانفي الجاري. اللافت للنظر في جلسة صفاقس هو التحاق بعض أعضاء الهيئة الإدارية الذين كانوا حتى ذلك التاريخ محسوبين على شقّ "العشرة" (الأصح "التسعة") نذكر منهم خاصة الكاتب العام لجامعة النقل وجامعة الصحة. وقد مثّل انتقال هؤلاء من ضفّة "العشرة" إلى الضفّة المقابلة إشارة انطلاق لحركة "هجرة" يبدو أنها ستتسارع وتتّسع.
وعلى خلفية هذا التحوّل في موقف بعض القطاعات والجهات انطلقت حملة جديدة عنوانها "صناعة أغلبية الثلثين" كما تنصّ على ذلك القوانين الداخلية للمنظمة في باب انعقاد هيئة إدارية وطنية المراد منها تثبيت قرار الدعوة إلى المؤتمر الوطني الذي لم يقع إلغاؤه بشكل رسمي ولكنه أصبح بعد 5 ديسمبر الماضي وبعد استقالة الأمين العام مشكوكا فيه ناهيك وأنّ كلّ التحضيرات التي كان من المفروض أن تدخل في نسق أسرع من العمل توقّفت تماما.
وجاء اجتماع يوم الأربعاء 14 جانفي بالجديد وهو تشكيل وفد "جاه وجبهية" ممثل عن الحاضرين لزيارة الأمين العام في منزله ودعوته إلى التخلي عن استقالته والعودة إلى مكتبه ومباشرة نشاطه بشكل رسمي. وهو ما حصل فعلا في مشهدية أُخرجت بشكل فجّ وبما يذكّرنا بأيام إسماعيل السحباني في التسعينات من القرن الماضي.
الاستقالة والتّراجع عنها: قراءات وقراءات
يذهب النقابيّون وعموم المتابعين للملف النقابي إلى تفسير استقالة الأمين العام نور الدين الطبوبي ثم تراجعه عنها مذاهب شتى ومتباينة. ولا يستطيع المتمعّن في مختلف هذه القراءات الجزم بصحة واحدة دون غيرها من القراءات. ففي كل قراءة جانب من الوجاهة خاصة في ظل غياب بعض المعطيات وغموض بعضها الآخر. وبصرف النظر عمّا ذهبت إليه بعض القراءات ذات النزعة التآمرية من أنّ العملية لا تعدو أن تكون سوى مناورة أحكم تنفيذَها الطبوبي بالاتفاق مع "الرباعي" ويُشْتَمُّ من ورائها رائحة تدخّل السلطة، الهدف من هذه المناورة هو الالتفاف على قرار الإضراب وإلغائه، ولكن أيضا بصرف النظر عن القراءات التي تنظر للاستقالة وللتراجع عنها بشكل سطحي وتبرّئها من كل "النوايا الخبيثة"، بصرف النظر عن هذا وذاك، فإنّ الاستقالة جاءت قبل الأجل القانوني للإعلام الرّسمي بالإضراب العام وِفْقَ ما تقتضيه التّشريعات الجاري بها العمل، وجاء التّراجع عنها مباشرة بعد انقضاء هذا الأجل وقُبَيْلَ أَجَلِ اعتبار الاستقالة نهائية (يوم 17 جانفي).
هنا تبدو "الحسبة محسوبة وبحبكة كبيرة" بما يسمح بالقول إنّ الاستقالة التي يُمْكن تفهّم دوافعها في تاريخ الإعلان عنها، كان الهدف منها فعلا الهروب من "مأزق الإمضاء على قرار الإضراب العام". بمعنى آخر كانت طريقة "ذكية" ولكنها مفضوحة لتلافي المواجهة مع السلطة. أمّا التراجع عنها في ذلك التاريخ بالذات (يوم 14 جانفي) فإنّه لا يَخْلُو هو الآخر من "حِسْبَة" على غاية من الدّهاء. فالتراجع عنها فَتَحَ الباب أمام الأمين العام للعودة إلى موقعه ومكتبه في وضعية جديدة أفضل نسبيا من ظروف الأسابيع الماضية من وجهة نظره في صراعه مع "الإخوة الأعداء". وبهذه العودة المفاجئة نسبيا أفسد حسابات "التسعة" الذين كانوا بصدد ترتيب الأمور لإجراء ترميم وتحوير في المسؤوليات وتعيين أحدهم أمينا عاما جديدا.
فالآن سيكون بمقدوره التأثير بشكل واضح في تعديل موازين القوى الدّاخلية بين الشّقين المتصارعين بعد أن كان فقد في الفترة الفائتة الكثير من وزنه وقدرته على الفعل والتأثير. وقد ظهرت مؤشرات أوّلية تشير إلى أنّ الأمور بدأت بالميلان لفائدته وفي غير صالح الشقّ الخصم.
ويُفهم من الأنباء الرّائجة في ساحة محمد علي أنّ دعوة الهيئة الإدارية إلى الانعقاد يوم الخميس 22 جانفي القادم يوحي بأنّ مزيدا من التطورات ستحدث في هذا الاتجاه من الآن حتى حلول ذلك التاريخ. ولا يُستبعد حسب البعض أن يدب إلى صفوف "شقّ التسعة" تصدّعات جديدة قد يكون نتيجتها التحاق عضو فاعل أو ربما حتى أكثر من عضو بالشق المقابل، أي إلى جانب الأمين العام. ويقدّر الجميع تقريبا أنّ الاجتماع المرتقب (يوم 22 جانفي) سيلتئم رغم أنّ مجموعة "التسعة" لم تكن شريكة في اتخاذه ورغم أنها حاولت وتحاول (وراء الستار) إفشاله. مردّ هذا النجاح هو أنّ الأغلبية التي تشكّلت في الأيام الأخيرة إثر "لقاء صفاقس" أصبحت تمارس نوعا من الجاذبية إزاء بقية أعضاء الهيئة الإدارية ويُنتظر أن يقتفي عدد منهم خطى الذين التحقوا مؤخرا. ويجري الحديث عن إمكانية التحاق اتحادات جهوية مثل توزر وبنزرت وقطاعات مثل الفلاحة والشباب والطفولة. وإلى جانب ذلك فإن النّقاط المُدرجة في جدول الأعمال ستمارس ضغطا معنويا على كافة أعضاء الهيئة الإدارية، من أيّ شقّ كانوا، وستَسحب بالتالي البساط من تحت أقدام كلّ من تحدثه نفسه معارضة انعقاد الهيئة الإدارية.
واضح أنه من الدهاء بمكان إدراج نقطة "الإضراب العام" ضمن جدول أعمال اجتماع يوم 22 جانفي القادم وليس اقتناعا صادقا بضرورة العودة إلى هذا الموضوع الذي يحلو لكلا الشّقّين استعماله للمزايدة "النضالية" على الطرف المقابل ولكنه سرعان ما ينقلب إلى سبب في كثير من أوجاع الرأس عندما يصبح الموضوع مطروحا للتنفيذ وبالتالي مواجهة السلطة. ومن الدهاء أيضا إدراج هذه النقطة ولكن في المرتبة الثانية بعد نقطة "المؤتمر الوطني" حتى لا تتكرر "لعبة" الهيئة الإدارية الماضية.
الهيئة الإداريّة والاستحقاقات النّقابيّة الحقيقيّة
ممّا لا شكّ فيه أنّ الهيئة الإدارية ستنعقد يوم الخميس القادم. ولا شك أيضا في أنّ مساعي ومناورات واتصالات كثيرة ستجري خلال الأيام القادمة لا فقط بغاية تثبيت هذا الاجتماع وإنما أيضا بغاية "ضمان الموقف الأغلبي" في مداولاتها وقراراتها. فهذا الاجتماع سيكون من دون شك أيضا ساخنا وسيشقّه صراع حاد لا فحسب بخصوص التقييم وتحميل المسؤوليات فيما حصل حتى الآن (وخاصة الاستقالة وما يتصل بها) وإنما خاصة بخصوص الموقف من المواضيع المطروح على الهيئة الإدارية الحسم فيها بشكل قاطع وصريح. أعني بذلك خاصة الموقف من الإضراب العام ومن المؤتمر الوطني في موعده أيام 25 و26 و27 مارس القادم.
من المستبعد أن تتوصّل الهيئة الإدارية إلى قرارات عن طريق التوافق ذلك أنّ حالة التوتر التي تطغى على علاقة شقّي المكتب التنفيذي ومن ورائهما شقّي الهيئة الإدارية إذا صحّ التعبير، لا تسمح بتقارب وجهات النظر. ولا يبدو أيّ من الطرفين مستعدّ إلى "التنازل" لفائدة وفاق حتى ولو كان يتطابق مع ما تحتاجه المنظمة اليوم.
وعلى هذا الأساس من المتوقع أن يتشبّث كلّ برأيه، "التسعة" مع ضرورة تحديد موعد الإضراب العام ورفض مواعد المؤتمر في مارس القادم والطرف المقابل مع ضرورة تثبيت تاريخ المؤتمر القادم في تاريخه (25 – 27 مارس) مع محاولة التّهرّب من قرار الإضراب العام.
هذا هو مربّع صراع اليوم الذي يقبل المقايضة (مقايضة الإضراب بالمؤتمر والعكس بالعكس) وسيكون مجالا للمزايدات والمزايدات المضادة. ومازال الجزم بما ستنتهي إليه الهيئة الإدارية في هذا الباب غير واضح والحال أنّ مصلحة الاتحاد اليوم تكمن في قرارين مهمّين هما:
- تحديد تاريخ الإضراب العام في الأسابيع القادمة مصحوبا بخطة نضالية قاعدية لتوفير كلّ أسباب النجاح إذ من غير المقبول أن يفشل الإضراب بسبب التراخي أو التقاعس في التحضير له.
- تثبيت موعد تاريخ المؤتمر الوطني في مارس القادم وضبط خطة إعداد مُحَيّنة كي يكون مؤتمر إنقاذ الاتحاد إنقاذا حقيقيّا وفعليّا.
يمثّل هذان القراران المدخل الجدّي لمسار إنقاذ الاتّحاد من أزمته الراهنة. فالمؤتمر الوطني هو الإطار الأنسب لوضع سياسات نقابيّة جديدة تقطع مع المنطق البيروقراطي الإصلاحي ومع سياسات التّسخين والتبريد والتواطؤ مع رأس المال والسلطة السياسية وتعطيل الحياة الداخلية بما يٌيَسِّرُ تمرير هذه الخيارات المعادية للطبقة العاملة والشعب عموما. ويبدأ القطع مع الخط البيروقراطي في هذا المؤتمر من الموقف الصّارم تجاه كل الوجوه و"الزّعامات" الكاذبة التي تسبّبت في الأزمة التي مرّ بها الاتّحاد في السنوات الأخيرة. ونعني بالموقف الصارم منع أعضاء المكتب التنفيذي المتخلي من الترشح. إذ لا مصلحة للمنظمة في إعادة إنتاج نفس الرّهط من القيادات البيروقراطية الفاسدة التي خبرها الاتحاد وعانى في عهدها أشد الازمات وأخطرها.
ومن المهمّ أن ينعقد المؤتمر في جوّ نضالي حماسي يكون الإضراب العام الناجح أحسن تجسيد له وفاتحة لمسار نضالي جديد يخوض فيها الشغالون تحت راية منظمتهم معركة استرداد الحقوق أوّلا (الحق النقابي، الحقوق المادية والمهنية الأخرى) ومعركة افتكاك مكاسب جديدة للتعويض عمّا لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية.
إن ثنائي المؤتمر الوطني والاضراب العام واقتران أحدهما بالآخر في هذا الظرف بالذات هو المناخ الأفضل لوضع الاتحاد على سكة تجسيم شعارات الحركة النقابية منذ 26 جانفي 1978 أي تجسيم النضالية والكفاحية التي ميزت فترات هامة من تاريخ الاتحاد (الاضراب العام) بارتباط بالنضال من أجل حياة نقابية داخلية ديمقراطية (عقد المؤتمر الوطني وكنس غلاة البيروقراطية).
من هذه الزاوية ينبغي أن تنظر الهيئة الإدارية إلى نقاط جدول أعمالها لا من زاوية المصلحة الفئوية الضيّقة لهذا الشق أو ذاك. ومسؤوليتها كبيرة في منع الانحراف بالنقاش والصراع إلى ما تريده شقوق المكتب التنفيذي في تحقيق انتصار هذا الشق على ذاك.
تونس في 18 جانفي 2026
#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟