|
|
اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - النص الكامل
جيلاني الهمامي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 03:16
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
مرّ الاتحاد العام التونسي للشغل في تاريخه الطويل بسلسلة من الازمات، بمعدل أزمة في كل عشرية قريبا، تعتبر الآزمة الراهنة واحدة من أشدها إن لم تكن هي الأشد والأخطر لاعتبارات كثيرة. ففي الأزمة الحالية "تظافرت" عوامل خارجية وأخرى داخلية زجت بالاتحاد في مأزق يبدو الخروج منه مستعصيا بدرجة كبيرة. الوجه الخارجي للأزمة الوجه الأول من هذه الازمة هو سعي السلطة إلى تصفية وجود الاتحاد. خاصية الهجوم تختلف جوهريا وكليا عن الهجومات السابقة التي تعرض لها الاتحاد في عهد بورقيبة وفي الستينات والسبعينات والثمانينات وفي عهد بن علي وحتى في السنوات الأولى من عهد النهضة. كان الهجوم يهدف إلى تدجين المنظمة ووضعها تحت كلكل نظام الحكم للتخلص من الاحتجاجات والاطمئنان على السلم الاجتماعي وتمكين النظام الحاكم من سند اجتماعي منظم وقوي. ولك يكن مطروحا بالمرة في كل تلك الازمات القضاء المبرم على الاتحاد كما هو مطروح اليوم في عهد قيس سعيد. المطروح اليوم من وجهة نظر الشعبوية هو تصفية وجود الاتحاد تماما في إطار تصفية كل الاجسام الوسيطة، أحزابا ومنظمات وجمعيات، كركن من أركان التصور العام لكيفية إدارة شؤون المجتمع والحياة السياسية. وقد تدرج قيس سعيد منذ مجيئه إلى قصر قرطاج في مسعاه حتى وصل مؤخرا (7 أوت الماضي) إلى تحريك أتباعه لاقتحام مقر الاتحاد رافعين شعار "حل الاتحاد". وكان قبل ذلك أرسى حالة من القطيعة بين "السلطات العمومية"، أي مؤسسات الدولية في كل مستوياتها المركزية والجهوية والمحلية، بما في ذلك رئاسة الدولة بشكل بات وجود الاتحاد وجودا شكليا لا أثر له في الحياة العامة. هذا الوضع يتعارض مع ما ترسخ في تجربة علاقات ما يسمى "الأطراف الاجتماعية" في تونس، الدولة والأعراف والاتحاد العام التونسي للشغل. ومعروفة التجربة التونسية في مجال الحوار الاجتماعي مقارنة بمحيطها العربي والافريقي. ويعود ذلك فيما يعود لقوة الحركة النقابية ودور الاتحاد العام التونسي للشغل. وقد توجت هذه التجربة بصدور العديد من التشريعات آخرها قانون الحوار الاجتماعي (قانون 2017 المتعلق بالمجلس الوطني للحوار الاجتماعي). وقد عمل قيس سعيد منذ مجيئه على شل هذه المنظومة التي استمرت في العمل وفي تنظيم العلاقات الاجتماعية بين أصحاب رأس المال (بما في ذلك الدولة) وبين العمال. ونتيجة لذلك تم تهميش الاتحاد الذي سلب من كل صلاحياته في التفاوض حول الأجور والمنافع الاجتماعية الأخرى مثل تنقيح التشريعات (مجلة الشغل) ومراجعة الأجر الأدنى الصناعي والفلاحي وتوزيع زي الشغل والحضور في مجالس الإدارة في عديد المؤسسات وخاصة في الصناديق الاجتماعية. لقد واجهت المنظمة النقابية بقيادة المكتب التنفيذي الحالي خاصة هذه السياسة بالاستكانة بل بنوع من الاستكانة ولم ترد الفعل مما شجع قيس سعيد وحكوماته على المضي قدما في سياساته تجاه الاتحاد. لذلك وكما سبق قوله غاب الاتحاد عن مسرح الاحداث تماما لا فيما يتعلق بالقضايا العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإنما حتى فيما يهم قضايا الشغالين الراجعة له حصريا بالنظر. وقد وقع تفسير سلوك القيادة هذا بتخوفاتها من إثارة ملفات فساد كثيرة تتعلق بالكثير من أعضائها ومن المسؤولين في الهياكل الوسطى القطاعية والجهوية. ولا يخلو الامر من صحة إذ المعروف على الكثير من أعضاء القيادة الحالية والقيادات السابقة ضلوعها في قضايا فساد مالية ومهنية. وأوعز البعض الاخر هذا السلوك التفريطي للقيادة بالاختراق الذي حققه قيس سعيد للصفوف النقابية حيث لم يعد العديد من المعارضين النقابيين يخفون انتسابهم للتيار الشعبوي ومساندتهم "لمسار 25" وقد تقلد أغلبهم مسؤوليات نقابية صلب المنظمة وكان بعضهم في الصف القيادي الأول (البوغديري مثلا). لكن ومهما كان من أمر فإن قيس سعيد لم يتمكن من بلوغ هدفه في تحييد الاتحاد تماما من الساحة السياسية والاجتماعية لا بسبب صمود القيادة أو بقية الهياكل ولا حتى بسبب مقاومة القواعد العمالية وإنما لأن منظومته التي تتطلع إلى التخلص من المنظمة النقابية تعاني هي الأخرى من حالة وهن ولا تتوفر على القوة والشجاعة الكافية للدخول في حرب مفتوحة مع مكون ذي نفوذ قوي في الذهنية العامة وفي الرصيد المعنوي الشعبي. وقد لاحظانا قوة الرد الذي لاقاه قيس سعيد يوم أوعز لقطعان "أنصار المسار" المر الذي أجبره على مراجعة حساباته وتأجيل أمر الحسم إلى أجل آخر. وفي انتظار ذلك راح يعول على القيادة الحالية في مزيد تهرئة المنظمة النقابية التي تعيش منذ سنوات على وقع أزمة داخلية حادة ومن نوعية غير مسبوقة. وقد وجد قيس سعيد ما يسمح له بتطبيق قولته "سأتركها تتهاوى من تلقاء نفسها". الوجه الداخلي للأزمة وهو الوجه الأخطر. وقد شهد في الأشهر الأخيرة تطورات خطيرة جدا لم يسبق أن حصلت من قبل. فبعد صراع كبير من أجل عقد المجلس الوطني في سبتمبر 2024 انتهى هذا الأخير إلى تصدع واضح في صفوف القيادة. هذه القيادة التي كانت موحدة حول مؤتمري سوسة (غير الانتخابي) وصفاقس اللذين تم فيهما تدبير الانقلاب على النظام الداخلي بغاية محو الفصل 10 الذي أتى به مؤتمر جربة سنة 2002 ولكنها سرعان ما دبت في صفوفها الفرقة والانقسام. وقد تجسم بشكل واضح في الانقسام إلى شقين في المكتب التنفيذي فيما يعرف بمجموعة العشرة ومجموعة الخمسة. على خلفية هذا الانقسام انقسمت هياكل الاتحاد من فوق إلى تحت. وأصبحت قائمة من القطاعات والجهات مع الخمسة فيما اصطفت مجموعة أخرى من القطاعات والجهات وراء العشرة. هذا الواقع مازال مستمرا إلى اليوم وسيظل كذلك حتى موعد المؤتمر القادم. حصل الانقسام في البداية حول ضرورة عقد الهيئة الإدارية من عدمه إلى أن التأمت. ومن هناك انتقل الخلاف حول عقد المجلس الوطني الذي عند انعقاده أفرز أغلبية مع الدعوة إلى مؤتمر استثنائي وأقلية متمسكة بالمؤتمر في موعده العادي أي في بداية سنة 2027. وظل عدم الاتفاق على مخرجات المجلس الوطني يغذي التباعد في وجهات النظر حتى "أضطر" مجموعة الخمسة إلى الدخول في اعتصام شتاء السنة الماضية للضغط على بقية المكتب التنفيذي من أجل أن يذعن لإرادة المجلس الوطني ويقبل بتعيين موعد المؤتمر الوطني الاستثنائي. ثم من هناك ورغم حل الاعتصام وعودة الوئام ظاهريا في ربيع السنة الماضية فإن الاتفاق على عقد الهيئة الإدارية بعد أكثر من ستة أشهر من التعطل لم يكن كافيا ليحل الخلاف ويفتح الطريق إلى اتفاق ينقذ المنظمة من تبعات هذه الازمة. وعندما انعقدت الهيئة الإدارية لتعلن على موعد المؤتمر القادم في مارس 2026 بناء على اتفاق مكتوب وقعه كل أعضاء المكتب التنفيذي فقد تبين لاحقا أن ذلك الاتفاق تضمن ألغاما انفجرت مؤخرا في الهيئة الإدارية التي انعقدت يوم 4 ديسمبر الجاري. صورة الخلاف هو أولا أن الاتفاق الحاصل إنما حصل على صيغة "المؤتمر العادي" التي اعتمدها مجموعة التسعة (أو مجموعة العشرة ناقص واحد) لإثارة بدعة جديدة هي "التحصين القانوني للمؤتمر". تمظهرات الأزمة الآن دخلت المنظمة الآن في طور جديد من أزمتها عنوانها اعلان الأمين العام نورالدين الطبوبي استقالته من الأمانة العامة ومغاردته مكتبه بعد إمضاء الوثائق اللازمة لدفع أجور عمال وموظفي الاتحاد وإرجاع "السيارة الوظيفية" الموضوعة على ذمته. هذا هو العنوان الأبرز الذي يخفي وراءه تناقضات وحسابات وأبعاد كشفت عنها الهيئة الإدارية الأخيرة والأيام التي تلتها. كان من المنتظر أو بالأحرى من المؤمّل أن تُحْدثَ الهيئة الإدارية يوم 4 ديسمبر الجاري المنعرج الحاسم باتجاه الخروج التدريجي من الأزمة رغم طبيعة الملفات المطروح عليها البت فيها وهي الاضراب العام والمؤتمر الاستثنائي. وقد ساد جوٌّ قبيل انعقادها يدفع إلى الاعتقاد في أن تنهي الهيئة الإدارية أشغالها بسرعة وأن تتوّجها بالاتفاق حول قرارات موحدة ترسل رسائل إيجابية للقواعد العمالية والهياكل النقابية وأخرى جريئة وصارمة للسلطة. واعتُبِرتْ السّرعة التي تمّ بها الاتّفاق حوْل قرار الإضراب والإجماع على خوضه وعلى تحديد موعده من المؤشرات المؤيدة للتوقعات آنفة الذكر. ولكن ومع مرور الساعات نبين وأنّ الوضع أعقد مما كان الجميع يتصوّره سواء فيما يخص الاضراب أو ما يهم المؤتمر الاستثنائي. الاضراب العام بين الاستحقاق النضالي والتوظيف ينبغي التذكر أن قرار الاضراب العام ليس بجديد. فقد أعلن عنه في نهاية أشغال المجلس الوطني في سبتمبر 2024. ويذكر الجميع أنه اتخذ وقتها دون أن يحدد له تاريخ أو مطالب محددة وإنما اقتضته التطورات التي انتهى إليها المجلس الوطني آنذاك. فردا على الأغلبية التي أفرزتها الجلسات الختامية للمجلس والتي انسحبت رأت الأقلية التي واصلت الاشغال لتنظر في 11 نقطة من اللائحة الداخلية وتشطب عنوة النقطة عدد 12 المتعلق بالدعوة للمؤتمر الاستثنائي، رأت أن تركب خطاب التصعيد للظهور بمظهر المعارض للنظام وبالتالي لإضفاء نوع من الشرعية على موقفها الأقلي و"تقلب الطاولة" على الشقّ الخصم (جماعة الخمسة) وتوفر لنفسها أداة دعائية فيما سيأتي من المعركة. ويذكر الجميع أيضا أن ذلك القرار (قرار الاضراب الذي اتخذه المجلس الوطني) بقي طوال حوالي سنة في الرفوف ولم تثره هياكل الاتحاد، لا المكتب التنفيذي ولا الهيئة الإدارية الوطنية في دوراتها التي تلت المجلس الوطني رغم وجود ما يستدعي تحريكه في وجه السلطة في أكثر من مناسبة وخاصة تنقيح مجلة الشغل ومحاولة اقتحام مقر الاتحاد من قبل أتباع قيس سعيد. العودة لقرار الاضراب العام هذه المرة أملته الخطوة الجديدة التي قطعتها السلطة في مسار تجاهل الاتحاد ومسعاها لتهميشه ودوس قواعد السياسة التعاقدية بين الأطراف الاجتماعية وحق النقابات في التفاوض حول المطالب المادية والمهنية وخاصة حول الزيادات في الأجور. صحيح أن هذه الخطوة الخطيرة قوبلت بغضب من جانب قيادة الاتحاد تماما كما كان الامر يوم 21 أوت احتجاجا على مهاجمة دار الاتحاد ولكن هذا الغضب ظل في حدود التلويح لفظيا بالإضراب العام دون القيام بأبسط شيء يؤكد الاعداد الفعلي له قاعديا وفي صفوف الهياكل النقابية. ولكن الإسراع باستغلال هذه الظرفية للعودة لسلاح الاضراب العام وإن كان عبر عن حالة الاحتقان في الأوساط النقابية بدليل إجماع الهيئة الإدارية على المصادقة عليه فإنه في نفس الوقت لا يخلو من حسابات فئوية خاصة عند شق التسعة. عديد المؤشرات تؤكد ذلك نذكر منها خاصة غياب أدنى تحضير لإنجاح إضراب بهذا الحجم في ظرف تعلم قيادة الاتحاد صعوبته. فأن يتخذ قرار الاضراب ثم لا نرى أثرا لعمل في صلب القواعد العمالية والهياكل النقابية التي تحاصرها الدعاية الشعبوية المعادية وتزرع فيها الشك والإحباط فمعنى ذلك أن قرار الاضراب ليس غير مزايدة وعملية رتق لشرعية أصبحت بالية ومطعون فيها لدى كل الأوساط تقريبا داخل الاتحاد وخارجه. ومن المؤشرات أيضا على أن قرار الاضراب هو مجرد أداة لاقتلاع تسويات داخلية ما يروج حول طلب عضو المكتب التنفيذي الذي يتزعم "كتلة التسعة" التعجيل بالاتفاق حول قائمة المكتب التنفيذي القادم والأمانة العامة كمقدمة ضرورية بل كشرط لحل كل عناصر النزاع داخل المكتب التنفيذي. والأمر الأكيد أن قرار الاضراب لم يتخذ لينفذ، لقد أتخذ ليكون أداة ضغط وضغط مضاد بين شقي البيروقراطية. فكما استخدمه جماعة التسعة لاقتلاع تسوية في علاقة بالمؤتمر استخدمه الأمين ومن ورائه الأربعة الآخرون للضغط المضاد إذ تشبث الطبوبي بعدم إمضاء التنبيه بالإضراب إلا بالاتفاق على تثبيت موعد المؤتمر في مارس القادم. ويبدو الآن في ضوء ما ساد في اجتماع المكتب التنفيذي الأخير (18 ديسمبر) أن فعالية هذا السلاح، سلاح الاضراب العام، قد نفذت وما عاد يصلح للضغط على الطرف المقابل وبدأ يتأكد أكثر فأكثر أن قرار الاضراب العام سيظل مجرد حبر على ورق لأنه بكل بساطة سيقع إلغاؤه وعلينا ان ننتظر المسوغات التي ستقدمها القيادة لتبرير الالغاء. وحتى في هذه الحالة ستستمر المناورات إذ سيكون "قرار الالغاء" موضوع معركة أخرى في معارك شقوق البيروقراطية ومادة لتبادل الاتهامات وتسجيل نقاط. والامر الأكيد أن شق التسعة سيحمل الأمين العام الطبوبي مسؤولية "الإلغاء" وقد بدأت بعض الاشاعات في الرواج. كل شيء أصبح جائزا في حرب كسر العظام بين حلفاء الأمس أعداء اليوم. ونحن على مشارف الذكرى 47 للإضراب العام في 26 جانفي 1978 لا يسعنا أن نقول سوى شتان بين ذلك الاضراب العام وهذا وبين اتحاد ذلك العهد واتحاد اليوم وبين قيادات تلك الفترة والقيادات الحالية. المؤتمر الوطني وبدعة التحصين لقد اكتشف شق التسعة "تحصين المؤتمر" الوسيلة الأكثر فعالية لاستئناف كل شيء من نقطة الصفر. فبعد أن قررت الهيئة الإدارية في دورة سابقة عقد المؤتمر في شهر مارس القادم "تفطن" مجموعة التسعة بقيادة سامي الطاهري إلى ثغرة في القرار وصار لزاما معالجتها بما من شأنه تفويت الفرصة على قيس سعيد في إثارة لا قانونية المؤتمر وبالتالي اتخاذ ما يمكن ان يتخذه من إجراءات ضد الاتحاد. لهذا السبب وجب إذن إما إيجاد صيغة لسد هذه الثغرة او تأجيل موعد المؤتمر وبكل بساطة عقد المؤتمر في أجله القانوني في بداية 2027. طرحت المسألة في البداية "بشكل بريء" وبغاية لفت الانتباه إلى ثغرة غفلت عنها الهيئة الإدارية. وعندما قوبلت هذه الفكرة بالرفض لا فقط من قبل الخصم المباشر أي مجموعة الأربعة ومعهم الأمين العام (الخماسي في ثوب جديد) أتضحت المبررات الجدية والنوايا الحقيقية. يذكر الجميع الصراع الحاد الذي عرفته الهيئة الإدارية بتاريخ 23 سبتمبر 2025 حول إصدار قرار عقد المؤتمر الاستثنائي وتاريخه والذي انتهى برفع أشغالها واجتماع المكتب التنفيذي على الهامش والعودة بعد وقت وجيز بوثيقة أمضاها كافة أعضاء المكتب التنفيذي احتفظ بها الأمين العام كوديعة لديه نصت ّآنذاك على عقد مؤتمر عادي أيام 25و26 و27 مارس 2026 بتونس العاصمة. عندما تمت إثارة مسألة "تحصين المؤتمر" كان مستند هذه الدعوة هو عبارة "مؤتمر عادي" ما يعني ان مؤتمر مارس ليس مؤتمرا استثنائيا. والمؤتمر العادي لا يمكن عقده بتقديم اجله بسنة كاملة ما يستوجب تحويل مؤتمر مارس من مؤتمر عادي إلى مؤتمر استثنائي الذي يجب ان يصدر قراره وجوبا عن المجلس الوطني (سواء كان عاديا او استثنائيا). هكذا تمت هندسة الانقلاب على قرار الهيئة الإدارية بدعوة المؤتمر الاستثنائي والاستمرار في الكرسي القيادي حتى مستهل سنة 2027. إن فكرة "تحصين المؤتمر" في ظاهرها بدافع الاحتياط مما يمكن أن يستغله قيس سعيد لإبطال المؤتمر أو إبطال نتائجه وبالتالي ضرب المنظمة وفي عمقه حسابات أخرى لا يقع التصريح بها علنا في اجتماعات هياكل الاتحاد ولكنها تطرح كشروط في "المفاوضات" التي تجري في الغرف المغلقة. وقد أكد أكثر من مصدر ان شرط مجموعة التسعة (غير المعلن) بقيادة سامي الطاهري هو الاتفاق المسبق على تركيبة المكتب التنفيذي القادم والأمينة العامة. هذه هي أقصر السبل إلى المؤتمر القادم. وفي غياب ذلك لن تتقدم الأمور ولو قيد أنملة. ويتضح مما سبق أن المؤتمر القادم تقرر مثله مثل الاضراب العام لكي لا يقع. ويتأكد كل يوم أكثر أن موعد مارس القادم ليس غير أداة من الأدوات التي تستخدم في المفاوضات من أجل تأمين مواقع يوم غد لا أكثر. في الاثناء جرت مياه كثيرة تحت الجسر وإلى أن يحل ذلك الموعد، 25 – 27 مارس 2026 ستتدفق مياه وسيول أكبر قد تجرف الاتحاد العام التونسي للشغل إلى مآلات لم يكن أحد يتوقع أن تتهدد وجود منظمة حشاد. أغلق العام 2025 حساباته بكلّ قسوة فاسحا المجال للعام الجديد كي ينطلق كل شيء من الصفر تقريبا عدا ركام الخراب الذي تكدّس بنسق سريع وجنوني خلال أيام شهر كانون الأول (ديسمبر) الذي على خلاف ما يوحي به اسمه كان شهر تدمير ما تبقّى من عناصر الحياة في منظمة كانت تحتفل فيه بذكرى اغتيال زعيمها المؤسّس وهي تستعدّ – نظريا – للاحتفال بذكرى ميلادها الذي قد يكون هذا العام تاريخ اغتيالها، ليس على يد "اليد الحمراء" وإنما على أيدي أبنائها الذين كم أطعمتهم من جوع وكم أعلت من شأنهم.
"اللّفّة" الأخيرة في مضمار الهرولة إلى انهيار البيت
لم يعد فشل الهيئة الإدارية في الاتفاق حول "موقف" موحد سواء بخصوص "الاضراب العام" أو المؤتمر الوطني مهما كان موعده، هذه السنة أم السنة القادمة، ما عاد لذلك من أهمية أمام الخطوات الجديدة التي انتقلت بالموضوع من "نقاش ما هو ممكن" إلى استحالة الاتفاق بعد الآن وبداية تشكل ملامح الاجسام النقابية الجديدة التي علينا العودة للحديث عنها بعد سنة من الآن بخطاب جديد وفي مناخات أخري مغايرة تماما.
بعد الهيئة الإدارية دوّت استقالة الأمين العام كطلقة نار في الهواء لم تخلّف جرحى ولكنها أيقظت الجميع ووضعتهم أمام الحقيقة المرة التي كان الجميع تقريبا يتهرب من تصديقها.
حبتان من العقد قد سقطتا فانفرط وبلا رجعة وبدأ العد النازلي لانهيار سقف البيت الذي بلغ اليوم من عمره 80 سنة كاملة.
الأمين العام وضع خط التحدي ضدّ خصومه عاليا وأعلن بكل إصرار أنه لن يتراجع عن استقالته إلاّ بموافقة جماعة التسعة على المؤتمر في شهر مارس القادم كما سبق وقرّرته الهيئة الإدارية منذ ماي الماضي. والواضح أنه لا أمل له في فرض شرطه هذا وعليه يمكن القول انتهى الطبوبي كأمين عام للاتحاد.
في المقابل من ذلك ولئن بدا بحوزة جماعة التسعة أكثر عناصر للمناورة فإنهم لم يكونوا بأفضل حال. فسرعان ما تلاشت سيناريوهات الصراع حول "تحصين المؤتمر" و"تشكيل لجنة الاستشارة القانونية" وعاد الجميع حول المحور الرئيس في "المعركة" إذا جاز التعبير عنها هكذا. تمحورت "المعركة" حول استقالة الأمين العام ومن سيمضي على الإضراب العام في ظل تناقضات الضغط الزمني: اقتراب موعد إصدار البلاغ القانوني بخصوص الإضراب، وما تتطلبه الإجراءات المنصوص عليها في النظام الداخلي لتفعيل الاستقالة أو للحسم فيها في هذا الاتجاه أو ذاك. ما بين هذا وذاك ينبغي أن نعترف أنّ ما لم يجرؤوا على قوله بخصوص الإضراب العام قد افتضح من تلقاء نفسه.
لقد اتّخذ قرارا الإضراب العام (وللتذكير منذ سبتمبر 2024) لكي لا يُنفّذ. لقد كان مجرد أداة لتبادل الضغط وتعديل موازين القوة في كل الاتجاهات.
أما اليوم فقد أفلت قرار "إلغاء القرار" من يد كل الأطراف وافتقد الجميع هذا السلاح الذي بسقوطه نال قيس سعيد أغلى وأثمن هدية بمناسبة حلول العام الجديد.
ماذا بقي إذن بيد هؤلاء وأولئك؟
مازال بيدهم "إدارة" شوط جديد من العبث والإجرام في حقّ منظمة حشاد التي وكما سبق قوله نأسف حقا أن يقترن عيد ميلادها الثمانين هذه السنة بهرولة نحو إمكانيّة كتابة شهادة وفاتها.
المعارك الجديدة: معارك البيانات ومعارك التفاصيل
تلك هي مقتضيات المرحلة، فبعد كل الذي حصل لم يبق لكلا الطرفين في البيروقراطية عدا البحث عمّا يمكن اعتماده للتبرير "ديمقراطيا" و"قانونيا" و"هيكليا" للحروب القادمة والتي سيكون مدارها أحكام النظام الداخلي المتصلة بالاستقالة والشغور وسبل تسديده. وفي هذا الغرض صدرت من هذا الجانب ومن ذاك بيانات كلّ ينسب لنفسه الشرعية والجدارة. ولكنها ليست غير مقدمة لمسار سيأخذ حيزا زمنيا أولا سينتهي بعد فوات أجل "الإضراب العام". بعد ذلك سيكون كلام آخر يتصل رأسا بأجل مارس 2026 أي الموعد النظري للمؤتمر الوطني الذي تقرر هو الآخر كي لا يقع تماما مثله مثل قرار "الإضراب العام".
لقد انطلق هذا الصراع بعد. ومع اقتراب أجل "حضور الأمين العام المستقيل لدى لجنة النظام" تكاثرت التأويلات حول ماذا لو "قاطع" الأمين العام لجنة النظام ولم يحضر سواء لإعلان تراجعه عن استقالته أو تمسكه بها. وبموازاة مع ذلك قفز إلى صدارة الاهتمامات موضوع "تسديد الشغور" فيما يُفهم منه أنّ أمر الاستقالة قد بات من الماضي. والحقيقة أنّ الشغور يتجاوز منصب الأمين العام ليشمل منصبين شاغرين إثر وفاة عضو المكتب التنفيذي السابق منعم عميرة واستقالة أنور بن قدور.
لقد باتت أمام الطامعين في الأمانة العامة سواء لخاصة نفسه بالنسبة إلى البعض أو لفائدة أحد المقرّبين أو إحدى المقربات فرصة جدية لتحقيق حلمهم ولكن ضمن كومة الخراب الذي خلفته مسارات العبث والفضائح والجرائم في حق الاتحاد.
من مفارقات هذا الزمن البائس أن يستمر ذات الصراع من أجل المواقع والمناصب حتى والاتحاد في أسوأ حالاته طريح فراش المرض يكاد يلفظ أنفاسه. ولا غرابة في الأمر فمن قضى حياته يتسلق المواقع والمسؤوليات لا يمكنه أن يتعفف عن الطمع في هذا المركز القيادي حتى ولو بشكل ظرفي وفي ظل أزمة خانقة.
الحلول الأخرى، هل تنجح؟ لا يبدو من السهل الخروج من هذه الأزمة، وليس هنالك طرف ما يتوفر على حلّ مقنع ووجيه سواء من داخل الاتحاد أو من خارجه. وحتى ما قدمته المعارضة النقابية إثر ندوتها الأخيرة (وهو مجرد نسخة من شعارات طرحت في السابق) لا يرتقي إلى حل قابل للتنفيذ ويمكن أن يحمل المنظمة خارج منطقة الزوابع. وبعيدا عن التقييمات الذاتية فإنّ مكونات "المعارضة النقابية" نفسها ليست على النقاوة التي تدّعيها. وكما يقال "تاريخ الناس عند الناس". لذلك سيتأكد مع مرور الزمن أنّ الحل من جهة "المعارضة النقابية" لن يحظى بقبول غالبية النقابيين وإن قُدّر له أن يكون فسيكون عامل انقسام جديد أكثر من عامل تجاوز وتقدّم. من مفارقات الزمن أيضا أن يكون مرة أخرى الحل بيد الذين كانوا سببا في الأزمة ولو من مواقع مختلفة. ولا أقصد هنا المكتب التنفيذي المنقسم على نفسه والذي يتحمّل أولا وأخيرا مسؤولية الزجّ بالاتحاد في هذا المسار الكارثي. القصد هو أنّ الهيئة الإدارية الوطنية الإطار الأكثر أهلية من زاوية القانون ومنطق الأشياء الآن تحمل هي أيضا كفريق وكأفراد مسؤولية التصفيق للطبوبي ومن معه في القيادة طيلة سنوات وهي التي أضفت على انقلاب سوسة وصفاقس "المصداقية والشرعية". نحن حيال منظومة بيروقراطية منظمة ومتوارثة تشتغل ضمن نواميس وقواعد عمل بصرف النظر عن الأمين العام سواء كان السحباني أو عبد السلام جراد أو حسين العباسي أو الطبوبي. وتمثل الهيئة الإدارية الوطنية إحدى أقوى أجهزة البيروقراطية. فهي الدعامة الأولى للمكتب التنفيذي وهي غرفة طبخ كل المؤامرات وأداة تمريرها وتحويلها إلى "قرارات ديمقراطية" بالطريقة التي يراها الأمين العام والمكتب التنفيذي. البيروقراطية النقابية في تونس خط نقابي قديم رعته دولة الاستعمار الجديد واعتمدت عليه البرجوازية التونسية العميلة كواحدة من مرتكزاتها الطبقية. وقد طوّرت على مرّ عقود من الزمن جهازها التنظيمي ونظام عملها الذي لا يمكن اختزاله في المكتب التنفيذي المركزي. هي جهاز متعدّد الفروع والآليات تحتل فيه الهيئة الإدارية الوطنية مكانة "مرموقة". ورغم كل ذلك ليس هنالك اليوم من يمكن أن يلعب دورا فعالا في الخروج من الأزمة. لا أحد غير أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية لهم القدرة – بعد أن تمّ تحييد دور القواعد تماما – على كسر شوكة "التسعة" و"الخمسة" وإجبارهم على احترام قراراتها في دوراتها الأخيرة في سنة 2025 المنصرمة. فإمّا أن تتحمل مسؤوليتها في فرض احترام قراراتها بصفتها الهيئة القيادية الأبرز في غياب المجلس الوطني وإمّا أن تجد نفسها شاءت أم أبت في موقع التّواطؤ.
تونس – ديسمبر 2025
#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - الجزء الثالث
-
اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - الجزء الثاني
-
فساد الديمقراطية الامريكية
-
اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى (الجزء الأول)
-
الماركسية والانتفاضة
-
مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد (الجزء ا
...
-
مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد - الجزء ال
...
-
المعاهدة التونسية الجزائرية بين مقاصد الهيمنة والبحث عن الحم
...
-
انتفاضة الشباب المغربي: حلقة في سلسلة انتفاضات
-
مرة أخرى حول حقيقة الأوضاع الاقتصادية والمالية في تونس
-
النمو الوهمي - الجزء الثاني
-
ردّا على الدعاية الرّسميّة: النموّ الوهميّ - الجزء الأول
-
في أزمة العلاقة بين قيس سعيد واتحاد الشغل الأسباب والمرامي و
...
-
هل تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
-
في أزمة العلاقة بين قيس سعيد واتحاد الشغل الأسباب والمرامي و
...
-
الديمقراطية الشعبية والطريق إلى إنقاذ تونس
-
المكارثية الصهيونية تهجم على جامعة مدينة نيويورك - ترجمة
-
زرت الجزائر
-
التجمع الفاشي في مدينة كنساس Kansas City قوبل بصمت السلطات و
...
-
يا صاحِبي أَضنَيتَ جِسمَكَ (1)
المزيد.....
-
حوادث عمالة الأطفال في مصر يفتح باب لتساؤلات عن استمرار تشغي
...
-
النسخة الألكترونية من العدد 1883 من جريدة الشعب ليوم الخميس
...
-
موافقة أوروبية على اتفاق التجارة الحرة مع تكتل ميركوسور رغم
...
-
كيف أثر استمرار إضراب النقل في الجزائر على الاقتصاد؟
-
قرار الأونروا فصل مئات الموظفين من غزة: جريمة وحكم بالإعدام
...
-
الجزائر: استئناف تدريجي لحركة النقل العام بعد إضراب واحتقان
...
-
فريق الاتحاد المغربي للشغل يدعو لمعالجة اختلالات مناخ العمل
...
-
فريق الإتحاد المغربي للشغل يتساءل عن مآل المؤسسة المشتركة لل
...
-
أقوى لحظات برنامج صدى الأحداث مع الأخ محمد حيثوم حول آفاق إص
...
-
إيران.. إعلان الإضراب العام والاحتجاجات تتوسع إلى مناطق جديد
...
المزيد.....
-
ملامح من تاريخ الحركة النقابية
/ الحاج عبدالرحمن الحاج
-
تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة
...
/ ماري سيغارا
-
الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح
...
/ ماري سيغارا
-
التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت (
...
/ روسانا توفارو
-
تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات
/ جيلاني الهمامي
-
دليل العمل النقابي
/ مارية شرف
-
الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا
...
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال
/ حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
-
نقابات تحمي عمالها ونقابات تحتمي بحكوماتها
/ جهاد عقل
المزيد.....
|