أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - جيلاني الهمامي - نعم ولكن ...















المزيد.....

نعم ولكن ...


جيلاني الهمامي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 04:47
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


انعقدت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل الخميس الماضي 22 جانفي 2026 كما كان منتظرا بعد أن جرت اتصالات مكثفة بأعضائها لضمان حضورهم بعد أن راجت أنباء عن نية الدعوة إلى مقاطعتها.

انعقدت الهيئة الإدارية بحضور كل أعضائها باستثناء عضو المكتب التنفيذي محسن اليوسفي الذي خيّر التغيب – على ما يبدو – احتجاجا على الأوضاع. وكما كان متوقعا أيضا أفرزت مداولاتها التي لم تستغرق وقتا طويلا أغلبية مريحة مع قرار "تثبيت تاريخ المؤتمر الوطني أيام 25 و26 و27 مارس القادم" في تونس. والحقيقة أنه بحسب الكثير من المعطيات تم "صنع" هذه الأغلبية قبل أن يلتئم اجتماع الهيئة الإدارية. وكانت الأنباء المتداولة في هذا الصدد تؤكد كلها حصول ما لا يقل عن خمسين صوتا مع القرار فيما كان ينتظر أن يصوت حوالي نصفهم (أي الـ25 المتبقين) ضد هذا القرار وهو ما لم يحصل. فقد خيّروا "تكتيك الانسحاب" وعدم المشاركة في عملية التصويت.

لقد انسحب مجموعة "التسعة" وأنصارهم. وبدأت عملية الانسحاب بشكل فردي منذ منتصف النهار وتتالت تباعا حتى ساعة حوصلة الموقف، الأمر الذي جعل المتابعين يتساءلون عن مغزى هذا "التكتيك" إذا كان الأمر يتعلق فعلا بتكتيك مدروس. فذهب البعض إلى تفسير ذلك بأنّ شق "التسعة" خسر "طرح تاريخ المؤتمر" وفقد قادته التحكم في مواقف مناصريهم، وانهار هذا الشق في أهمّ منعرج من النزاع مع الشق المقابل، فيما اعتبر البعض الآخر أنّ المبادرة بالانسحاب في وقت مبكر من سير أشغال الهيئة الإدارية ينمّ عن ذكاء أصحابها إذ كان – حسب أصحاب هذا التفسير – يراد من الانسحاب التأثير في بقية أعضاء الهيئة الإدارية المتردّدين وجرّهم إلى الانسحاب بغاية خلق فراغ من حول الأمين العام و"شق الأربعة" ومنع توفر النصاب عند القيام بعملية التصويت على البيان الختامي للاجتماع. وهو ما جعل – حسب أصحاب هذا التأويل – أعضاء المكتب التنفيذي التسعة يواصلون حضور الاجتماع حتى ساعة الإعلان عن خلاصة الموقف.

وبصرف النظر عن وجاهة كل هذه التأويلات فإنّ عدم مشاركة الرافضين لمؤتمر مارس في التصويت على القرار والانسحاب فرادى وجماعة يعطينا صورة عن موازين القوى الجديدة داخل الهيئة الإدارية. ومهما كانت هذه الموازين راجحة لفائدة "الأربعة" وكل أنصار فكرة تقديم المؤتمر لشهر مارس فقد كان من المنتظر أن نشهد ردة فعل "التسعة" سواء في شكل بيان أو ندوة صحفية أو اجتماع بأنصارهم ولكن شيئا من هذا لم يحدث وهو مدعاة للكثير من التأويلات لعل أوّل
ما يتبادر إلى الأذهان هو أنّ "شق التسعة" يسير رويدا رويدا نحو التلاشي وأنّ حالة الانقسام التي عرفتها قيادة الاتحاد ستنتهي قريبا وربما في أفق المؤتمر القادم. وقد يكون انتقال أحدهم، المكلف بالنظام الداخلي من ضفة التسعة إلى الضفة الأخرى وعودته إلى التنسيق بقوة مع الأمين العام مؤشر على ذلك. وتجري "كلامات" على انطلاق قنوات اتصال مع البعض الآخر بحيث يرجّح البعض أن يتقلص "شق التسعة" إلى ما لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة.

سادت حالة من الترقب بعد الهيئة الإدارية وحل الهدوء محل التوترات السابقة وبدأت الاهتمامات تنتقل لتنصبّ مجدّدا على العلاقة مع السلطة خصوصا
بعد انتشار إشاعة خبر إيقاف العمل بالخصم المباشر لفائدة الاتحاد ابتداء من شهر فيفري القادم. وهنا ينبغي القول إنّ المنظمة النقابية، وبصرف النظر عن كلّ الأسباب والحسابات، فوّتت على نفسها فرصة العودة بقوة على الساحة الوطنية يوم تمّ إلغاء قرار الإضراب العام وترحيله ليكون واحدا من مقررات مؤتمر مارس القادم.

لقد تم التلاعب بقرار الإضراب العام واستعمل من هذا الجانب ومن ذاك أداة في المناوشات بين شقي البيروقراطية في الوقت الذي كانت السلطة قطعت أشواطا عملاقة في "إهانة" الاتحاد والدوس على أبسط مكتسبات ما يسمّى بالسياسة التعاقدية وخاصة المفاوضات الاجتماعية والحق النقابي. وبطبيعة الحال ستجد السلطة في قرار إلغائه إشارة أخرى لتزيد في صلفها ولتمرّ إلى السرعة الأعلى في نسف المكاسب والتغوّل قبل المؤتمر عسى أن تبطل كل مفاعيل هذا المؤتمر وتجبره على أن يكون مجرد "لمّة" نقابية لا قيمة لها ولا أثر لها في الحياة العامة.

نعم ولكن...
لا شك في أنّ الدعوة إلى مؤتمر وطني في شهر مارس ينطوي على بعض الإيجابيات. لأنه كلما تأخر موعد المؤتمر واستمرت حالة الانقسام صلب المكتب التنفيذي – الذي بات من المستحيل أن يسترجع وحدته – إلا وتعمقت الأزمة أكثر وصارت إمكانية إنقاذ الاتحاد من التلاشي أصعب. فتقريب أجل المؤتمر فيه فرصة – حتى وإن كانت محفوفة بمخاطر غير قليلة – لتطويق الأزمة ووضع الاتحاد في ظروف عمل أفضل نسبيا. المؤتمر هو الفرصة الأنسب لبلورة تصورات نقابية جديدة من شأنها أن تعيد لأرضية ثلاثي الاستقلالية والديمقراطية والنضالية مكانتها. والمؤتمر هو الآلية الوحيدة، نعم الوحيدة، لإفراز قيادة جديدة على درجة من الوحدة والانسجام بما يسمح للمنظمة بالعودة إلى العمل في ظروف تنظيمية وعملية أفضل نسبيا مما كانت عليه طيلة المدة الأخيرة والسنوات الثلاث الماضية على وجه أخص.

بهذا المعنى ينطوي قرار الهيئة الإدارية على بعض الإيجابيات ويجعل كل النقابيين وأنصار الاتحاد وعموم الشغالين يأملون في أن يستعيد العمل النقابي تدريجيا دوره لا فقط في الدفاع عن مطالب الشغالين وحقوقهم في وجه الهجمة الليبرالية الشرسة وإنما أيضا في إعادة الاتحاد إلى موقعه الذي في المشهد السياسي والاجتماعي، في علاقة بالحركة الديمقراطية من جهة والسلطة الحاكمة من جهة أخرى.

بطبيعة الحال هذا ما نأمله جميعا. ولكن معطيات كثيرة تؤشر على أنّ السياق يمكن أن يتجه وجهة أخرى. والأكيد أنّ الكثير الكثير ممّن خاضوا صراعات المدة الفائتة، من "شق التسعة" ومن "شق الأربعة" على حدّ السواء، لم يخوضوها من منطلقات نقابية مبدئية ونزيهة وبغاية خروج الاتحاد من مؤتمر مارس أقوى، اتحادا مستقلا حقا ومناضلا فعليا وديمقراطيا شفافا.

إنّ الغالبية العظمى من الذين خاضوا صراعات الفترة السابقة هم خريجو المدرسة البيروقراطية بل ويمثل بعضهم النسخة الأسوأ والأشدّ رداءة وفسادا من الخط البيروقراطي الذي سيطر على الاتحاد طوال أكثر من ثلاث عشريات. الكثير من هؤلاء صارع من أجل أن يستمر في القيادة النقابية بالنسبة إلى البعض ليس حبا في النضال أو في الاتحاد إنما حبا في المنافع والمكاسب. والبعض الآخر انخرط في تلك الصراعات أملا في إزاحة القيادة السابقة وطمعا في الصعود محلها بمجرد حصول الشغور. نقول هذا ليس من باب الاتهام أو التجني وإنما تذكيرا بحقيقة لا يرقى لها الشك وليس بمقدور أي كان نكرانها. وسيكون بمقدور عموم النقابيين ونواب المؤتمر بوجه خاص أن يميزوا من ضمن عشرات أو ربما المئات من المترشحين للمكتب التنفيذي القادم بين الطامعين في موقع قيادي ومنافعه وبين النقابيين الذين يحملون برنامجا ومشروعا لتصحيح أوضاع المنظمة الشغيلة والحركة النقابية التونسية.

إنه استحقاق المرحلة ومفتاح المستقبل بالنسبة إلى الحركة النقابية التونسية التي مرت باختبار عسير. فهل سيكون نقابيي هذا الجيل الماسك بزمام الأمور في مستوى المهمة؟ هذا ما سيجيب عنه مؤتمر مارس القادم. ولكننا سنتعرف من خلال الاستعدادات التي ستشهدها الأسابيع القليلة التي تفصلنا عن تاريخ انعقاده على حظوظ نجاحه في ذلك.

إنّ نتائج المؤتمر القادم مرهونة بطبيعة الاستعدادات التي ستسبقه والتي ما لم تقطع مع الأساليب القديمة فإنها ستعيد حتما إعادة إنتاج أزمة جديدة.

تونس في 31 جانفي 2026



#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تقلبات جديدة في الوضع النقابي، ولكن إلى أين المسير؟
- ونقترب رويدا رويدا من الفاجعة
- كفى عبثا .. يجب إنقاذ الاتحاد
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - النص الكامل
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - الجزء الثالث
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - الجزء الثاني
- فساد الديمقراطية الامريكية
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى (الجزء الأول)
- الماركسية والانتفاضة
- مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد (الجزء ا ...
- مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد - الجزء ال ...
- المعاهدة التونسية الجزائرية بين مقاصد الهيمنة والبحث عن الحم ...
- انتفاضة الشباب المغربي: حلقة في سلسلة انتفاضات
- مرة أخرى حول حقيقة الأوضاع الاقتصادية والمالية في تونس
- النمو الوهمي - الجزء الثاني
- ردّا على الدعاية الرّسميّة: النموّ الوهميّ - الجزء الأول
- في أزمة العلاقة بين قيس سعيد واتحاد الشغل الأسباب والمرامي و ...
- هل تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
- في أزمة العلاقة بين قيس سعيد واتحاد الشغل الأسباب والمرامي و ...
- الديمقراطية الشعبية والطريق إلى إنقاذ تونس


المزيد.....




- شملت ثلث الموظفين.. موجة تسريحات تضرب -واشنطن بوست-
- برنامج نضالي احتجاجي في قطاع المطاحن والعجين الغذائي والكسكس ...
- بارومتر” الاتحاد العام التونسي للشغل: حين تصبح المؤشرات مرآة ...
- نص بيان الاتحاد العام حول الاجتماع التنسيقى لوزير العمل استع ...
- دراسة جديدة – ساعات العمل الأقصر تقلل من التوتر والإجازات ال ...
- الهيئة الإدارية للتعليم الثانوي تقيّم مسار مقاطعة التقييمات ...
- نائب يكشف مصير رواتب موظفي الدولة
- -البقرة الذكية-.. روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي لمساعدة المزا ...
- إسرائيل.. إضراب مزارعي الحليب يدخل حيز التنفيذ والخلاف يتفاق ...
- بعد احتجاز دام 10 ساعات.. الاحتلال يمنع وفدا نقابيا دوليا من ...


المزيد.....

- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
- نقابات تحمي عمالها ونقابات تحتمي بحكوماتها / جهاد عقل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - جيلاني الهمامي - نعم ولكن ...