أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جيلاني الهمامي - تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية















المزيد.....

تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية


جيلاني الهمامي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 20:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بلغ حجْمُ الكُتْلة النقدية المُتَدَاوَلة (لأوراق نقدية ومسكوكات) في السُّوق التّونسية 28.5 مليار دينار يوم 24 مارس الماضي مقابل 23.3 مليار دينار قبل عام واحد فقط أي بفارق إضافي أكثر من 5 مليار دينار في شكل سيولة نقدية. مع العلم أن تزايد حجم السيولة لم ينقطع على امتداد أكثر من سنة (منذ سبتمبر 2024) ما أضفى على هذه الظاهرة دلالات كثيرة. أولها تخلف السوق التونسية في مجال وسائل الدفع بصفة عامّة والدّفع الرّقْمي على وَجْهِ التّحديد. في استطلاع أجراه مركز المُسَيّرين الشّبّان و"مؤسسة كونراد أديناور" الألمانية، 62.5 % من المؤسّسات التّونسية لا تعتبر وسائل الدّفع الكتروني أولوية ناهيك عن اعتمادها في معاملاتها.
أما من النّاحية الاقتصادية فإنّ هذا التّطور الكبير والمتسارع في حجم السّيولة النّقدية في السّوق التونسية يُمَثِّل نتيجة طبيعية لِمَا ادَّعَتْهُ السّلطة من "إصلاحات" في مجال أسَاليب الدّفْعِ بِتِعِلّة مُقاومة الفساد وَنَخُصُّ بالذّكر هنا القيودَ المضْرُوبة على استعمال الشّيكات. وقد اتّضَحَ أنّ ما جاء في القانون عدد 41 لسنة 2024 لم "يُصْلِحْ" الوضع بقدر ما خَلَقَ انخرامًا أكبر في المعاملات التجارية. ومما زاد الطّين بلّةً ما جاء في الفصل 45 من قانون المالية للسنة الجارية 2026 والقاضي برفع المنع عن الخلاص نَقْدًا للمبالغ التي تفوق 5 آلاف دينار في عديد المعاملات الإدارية والتجارية (عقود العقارات، الأصول التجارية، بيع وشراء السيارات الخ...).
مثل هذه القرارات العبثية، فضلا عن أنها ساعدت على تضخّم المعاملات في القطاع الموازي خارج مسالك التحكم في حركة السيولة المالية وبالتالي ساعدت على اتساع رقعة القطاع غير المنظم فإنها، وفّرَتْ المناخَ المُلائم والشّروط المُثْلَى لانْتِشارِ الفساد والفساد المالي خاصّة، ورسّختْ مِنْ جهة أخرى ثقافة "الكاش" لدى المتعاملين الفاعلين في الاقتصاد (المؤسسات) ولدى عموم المواطنين على حدّ السّواء الأمْر الذي يُوحِي بانْتِشار مَوْقِفٍ عَفَوي شائعٍ هو انعدام الثقة في وسائل الدّفع البنكي من جهة والخوف من تقنيات الدفع الجديدة الالكترونية. ويترتب عن ذلك بطبيعة الحال خسائر ثقيلة للمالية العُمُومية إذ أنّ اتّساعِ رُقْعة الدّفع عن طريق "الكاش" cash يَحْرٍم صندوق الجباية والخزينة العامة من إيرادات كبيرة ويؤثر بالتالي سلبا في موارد الدولة.
وفَوْقَ كل ذلك فإنّ اسْتِفْحال ظاهرة تضخُّم حجم النّقد في السّوق التّونسية لَهُ دِلالات اقتصادية ومالية هامة. يبدو أن الاقتصاد التونسي قد غرق في حلقة مفرغة تتمثل في الوضعية التالية: كُلّمَا ازْدَادَ حجْم السّيولة النّقدية ازْدادتْ صعوبةُ السّيطرة على الأنْشِطة الاقْتصادية المُوَزاية وإدْماجِها في الاقتصاد المُنَظّم، وكُلّمَا توسّعَ الاقتصاد المُوازي ازْدَاد الطّلب على السّيولة النّقْديّة.
والخطير في الأمر أن ارتفاع حجم النّقد المتداول يشهد نسَقًا متصاعدا مُنذ صائفة 2024 (22 مليار دينار في اوت 2024) وخاصة في الأشهر الأخيرة (26 مليار دينار في سبتمبر 2025) وبشكل أخص منذ بداية السنة الحالية 2026.
اختيارات مُفْلَسة ومخاطر هيكلية إضافية
بعد أن توقّفْنا عند الدلالات الخطيرة لظاهرة تضخّم حجْم السّيولة النّقدية في السّوق من المُهِمّ أن نُسلّط الضّوء على تبعاتها ونتائجها.

بما أنّ ازدياد حجم كتلة النّقود المتداولة هي في نهاية التّحليل ارتفاع في عرض النّقود في السّوق فإنّ أوّل تداعيات ذلك على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي هو أن هذه الظاهرة تؤدي عادة، وإذا لم يخلق النشاط الاقتصادي العام من الثّروة ما يقابل حجم النّقد المتداول، إلى ارتفاع الأسْعار أي ارتفاع نسبة التضخّم إلى جانب انخفاض قيمة النّقود الحقيقية في السّوق المحليّة وانخفاض سعر الصّرف مقابل العُمُلات الأجنبية. إن تضخّم حجم كتلة النقود المتداولة مقابل تناقُصِ قيمتها وتراجع فعاليتها في تغطية شراءات المستهلكين يُفْقِدُهُ ثقة المتعاملين فيها.

من ناحية أُخْرى فإنّ تضخّم حجم السّيولة يعني هُرُوب أكبر قَدْرِ من النّقود خارج مسالك المعاملات المالية المنظّمة أي خارج المُؤَسّسات البنكية من شأنه أن يُزَعْزع أركان المنظومة المَصْرفية وَيُحُدَّ من قُدرتها على توفير القروض ولَعِبِ دورها الاستثماري وبالتالي الإخْلال بالتّوازن المطلوب بين مختلف محركات التنمية. هذا زيادة على أنّ كَثْرة المَعْروض النّقدي في السوق يؤدي إلى تشجيع المعاملات غير المنظّمة وتوفير ظروف تبييض الأموال والتهرب الضريبي وحرمان خزينة الدولة من قسم هام من الموارد وبالتالي تعميق عجز ميزانية الدولة عن تمويل حاجات الاقتصاد في مجال الاستثمار العمومي وما ينجرّ عن هذا العجز من اختلالات مالية كبرى. كما أن هروب السّيولة خارج البنوك يُجْبِرُ هذه الأخيرة على الضغط على المركزي لمدّها بحاجياتها من السّيولة، ممّا يجعل المؤسسة المالية العُلْيا عاجزة عن التحكم في المنظومة النقدية (التضخم وأسعار الفائدة ونسبة الفائدة المديرية الخ...).

وعلى صعيد آخر من المُمْكن أن يؤدّي تضخّم حجْم السّيولة إلى ظهور نزَعَات استثمارية غير مؤطرة في قطاعات تبدو مُدِرّة لأرباح عالية وسريعة الأمر الذي يُساعد على نُشُوبِ فقّاعات قطاعية قد تؤدي إلى انهيارات في بعض القطاعات وربما حتى في مجمل الاقتصاد الوطني. حتّى الآثار الجانبية التي يُمْكن اعتبارها من إيجابيات الظاهرة فإنها سرعان ما تتحول إلى مصدر لمشاكل اقتصادية إضافية. فارتفاع الطلب الداخلي نتيجة الطّفرة النّقدية يؤدّي إلى ارْتفاع الطّلب على العديد من السّلع والمنتوجات بما في ذلك تلك المستوردة ونتيجة لذلك تزداد المدفوعات لتغطية الاستيراد الإضافي بما يعمّق اختلال الميزان التجاري وعجزه.

لا حل إلا بخيارات بديلة
يتضح من خلال السياسة النقدية المتبعة الآن أنّ الإجراءات التّرقيعية المتّخذة لم ولن تتوفّق في احتواء الأزمة. فإثقال كاهل البنك المركزي بطلبات تمويل متزايدة من قبل البنوك (بلغ أكثر 5.2 مليار دينار) ليس إلاّ حلّ ظرفي وغير كفيل بمعالجة الوضعية وقد أصبح مؤشرا على ترسّخ حالة فقدان اليقين المالي أكثر فأكثر. أمّا إِجْرَاء الحطّ من نِسْبة الفائدة المُدِيريّة إلى 7 % أثبت قُصُورَهُ عن تصحيحِ أوْضَاع المَنظُومة النّقْديّة المُنْخرِمة.

لا مناصَ إذن من خيارات جديدة مُخْتلفة تماما عَمَّا يَجْري تَطْبيقُه الآن، ويَشْمَلُ التّغيير الاختيارات الاقتصادية الكليّة في المَقَامِ الأوّل مِنْ حيث خصائص الاقتصاد التّونسي التّنْموية والطّبقية وارتباطاته بالمنظومة الرأسمالية العالمية وارْتِهَانه لاتّفاقيات بَعْضُها مَعْلوم وبَعْضُها الآخر مازال سِرّيًا إلى الآن. ويَشْمَلَ تَبَعًا لذلك المنظومة المالية وبالأساسِ سياسة تَمْويلِ الاقتصاد وعلى وَجْهٍ أخصّ سياسة الاقْتِراض الخارجي والداخلي أيضًا. ويَشْمَلُ ثالثا السياسة النقدية لبِناءِ عُمْلَةٍ محلية مستقلة قوية ومستقرة لا تتأثر بتَقَلُّبات الأسْواق المَالية العَالمية، وفي هذا الإطار تَتِمُّ مراجعة استقلالية البنك المركزي ومسألة تعويم الدينار التونسي.

لقد أثبتت الخيارات الاقتصادية في ظل علاقة التبعية للمركز الرأسمالي العالمي فشله التام لا فقط في خدمة مصالح الشعب التونسي بل وحتى في بناء اقتصاد تابع يتمتع بحد أدني من الصلابة والاستقرار. ويزداد اليوم في ظل الازمة الحادة التي تهزّ اركان المنظومة الرأسمالية المتعفنة اليقين بضرورة نسف أسس اقتصاد الريع الذي فوّت على بلادنا كل إمكانيات النمو والازدهار من أجل إرساء نمط تنمية جديد باقتصاد منتج ومندمج ومستقل وموجَّه إلى خدمة الجماهير الشعبية وفي صالح الأجيال القادمة.



#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤتمر اتحاد الشغل: مؤتمر ليس ككلّ المؤتمرات
- الزيادات في الأجور: -عيش بِالْمْنَى يا كمون-
- -معركة- المواقع .. آخر -المعارك- قبيل المؤتمر
- الحرب على إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي (1) - ترجمة
- أي مؤتمر يحتاجه الاتحاد في الظرف الراهن؟
- في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الاخي ...
- في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الثان ...
- في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الأول ...
- نعم ولكن ...
- تقلبات جديدة في الوضع النقابي، ولكن إلى أين المسير؟
- ونقترب رويدا رويدا من الفاجعة
- كفى عبثا .. يجب إنقاذ الاتحاد
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - النص الكامل
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - الجزء الثالث
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - الجزء الثاني
- فساد الديمقراطية الامريكية
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى (الجزء الأول)
- الماركسية والانتفاضة
- مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد (الجزء ا ...
- مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد - الجزء ال ...


المزيد.....




- -سينهمر عليهم الجحيم-.. ترامب: -الوقت ينفد- أمام إيران لإعاد ...
- السعودية: إحباط تهريب حوالي 3 ملايين قرص كبتاغون مُخبأة في إ ...
- إغلاق معبر حدودي رئيسي بين العراق وإيران بعد استهدافه بضربة ...
- غارات إسرائيلية على مدينة صور اللبنانية
- رحلة -أرتيميس 2- في منتصف الطريق بين الأرض والقمر
- ترامب يتجاهل الطيار -المفقود- ويهدد إيران بـ-الجحيم-
- هل يشكل إسقاط إيران طائرتين أمريكيتين تحولا في الحرب بالشرق ...
- د. مروان المعشر: الولايات المتحدة لم تكن يوما وسيطا نزيها في ...
- الهيليوم.. شريان الحياة التقنية و-المبرد الأعظم-
- عاجل | وسائل إعلام إسرائيلية: انقطاع التيار الكهربائي في منط ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جيلاني الهمامي - تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية