أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - جيلاني الهمامي - مؤتمر اتحاد الشغل: مؤتمر ليس ككلّ المؤتمرات















المزيد.....

مؤتمر اتحاد الشغل: مؤتمر ليس ككلّ المؤتمرات


جيلاني الهمامي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 00:54
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


تنطلق يوم الأربعاء 25 مارس الجاري أشغال المؤتمر الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل في مدينة المنستير لتتواصل مدة ثلاثة أيام تنتهي بإصدار جملة من المقرّرات واللوائح وانتخاب مكتب تنفيذي جديد. وقد جرى بشأن هذا المؤتمر جدل واسع صلب الهياكل التسييريّة استغرق أشهرا للحسم في صيغته وتاريخ انعقاده. جدلٌ عَكَسَ عُمْقَ الخلافات الدّاخلية التي شَمِلَتْ مسائل تتعلّق بالتّسيير النّقابي والتصرّف المالي وشَقّتْ المكتب التنفيذي والهياكل القياديّة الأخرى من هيئة إداريّة وطنيّة ومجلس وطنيّ إلى شقّيْن كبيرين. ومن المعلوم أنّ هذه الخلافات قد احتدّت بشكل غير مسبوق بمناسبة تنظيم أحد الشّقّين اعتصاما بالمقر المركزي بالعاصمة. ونتيجة لذلك غرق الاتحاد في أزمة داخليّة حادّة كادت تؤدّي به إلى حالة من التفكّك.

وقد تزامنت هذه الأزمة الداخلية مع هُجوم من السّلطة بلغ ذروته يوم 7 أوت 2025 حين حاولت الميليشيات الشّعْبوية اقتحام مقرّ الاتّحاد المركزيّ بالعاصمة مُنَادية بحلّه. جاءت هذه المحاولة التي تمّت بإيعاز من السلطة تتويجا لمسار من الاستهداف اتُّخِذَتْ ضِمْنَهُ سلسلة من القرارات والإجراءات بهدف محاصرة الاتحاد وعزله وبثّ الإحْباط في صفوف هياكله ومنخرطيه. وقد انطلق مسار الاستهداف من مناشير الحكومة عدد 20 و21 القاضية بمنع الإدارات والمؤسّسات من التفاوض مع الاتّحاد وهياكله وانتهى إلى إلغاء الاقتطاع المباشر للانخراطات المعمول به من بداية ستّينات القرن الماضي مرورا بإنهاء العمل بالتفرّغات والرُّخَص النقابيّة وإقصاء الاتحاد من مفاوضات الزيادة في الأجْر الأدنى الصّناعي والفلاحي وتنقيح مجلّة الشُّغْل ومحاكمة العديد من النقابيين وعديد الممارسات الأخرى للتضييق على الحق النقابي.

تظافر هذان العاملان، هجوم السلطة من جهة والأزمة الداخليّة من جهة أخرى، ليطرحا بإلحاح عقد المؤتمر الوطني كآليّة لبحث سبل إنقاذ المنظمة. لكنّ المغزى العميق لانعقاد هذا المؤتمر يتجاوز في الحقيقة التفاسير السطحيّة الرائجة في الدعاية النقابيّة الرّسمية. إن انعقاد المؤتمر يُؤَشّرُ لفشل الخطّ البيروقراطيّ الذي سيطر على الاتحاد لعدّة عقود من الزّمن واستنفاذ طاقته في تسيير أكبر مكوّن في المجتمع المدني. ويمثّلُ من جانب آخر فرصة للانتقال إلى منوال خطّ نقابي بديل يتلاءم مع جُمْلة التّحوّلات الطّارئة على أوضاع الطبقة العاملة وعلى الوعي النقابي لدى الأجيال النقابيّة الجديدة وقياداتها. وهكذا فإنّ الوظيفة الموكولة موضوعيا إلى هذا المؤتمر ليست معالجة الأزمة الحالية في تجلياتها الظاهريّة فحسب وإنّما أيضا البحثُ عميقا في مكامن الفساد والضّرر في الخطّ الذي كرّسته الأرستقراطية العمّالية التي أفرزتها تجربة الاتحاد على امتداد ثمانين سنة من تاريخه.

لقد رسّخت هذه الشريحة الاجتماعيّة أُسَسَ المدرسة البيروقراطيّة ومفاهيمها التي تنهل من قيم المدرسة الفوضوية والفوضوية النقابيّة القائمة على معادلة انتهازية بين معاداة السياسة والأحزاب من جهة والسعي إلى لعب دور حزب سياسي منحاز ضد التعبيرات الثوريّة والتقدميّة للطبقة العاملة والفئات الشعبيّة لصالح تعبيرات طبقة رأس المال والأثرياء من جهة ثانية. ورغم القشرة الراديكاليّة التي يميّز خطاب البيروقراطيّة من حين لآخر ضمن سياسة التسخين والتبريد التي تختصّ بها في تونس، فإنّها، أي البيروقراطية، كانت على الدوام فاعلة في نشر مفاهيم التّعاون الطّبقي والتّسْويات الإصلاحيّة لصالح رأس المال على حساب العمّال. ومن أجْل إِخْضاع المُنظّمة لهذا الخطّ سارت البيروقراطيّة النقابيّة على نهج الانغلاق والمركزة المشطّة ومنع حرية التعبير والنشاط داخليّا مستعملة في ذلك الطرد والتجريد من المسؤولية ومن الانخراط وتجميد النشاط. وتاريخ الاتحاد حافل بمثل هذه الممارسات التعسفية لعلّ آخرها حَمْلة التّجريد والتّجميد في حقّ معارضي مؤتمر سوسة المهزلة، الانقلابي، "غير الانتخابي" سنة 2021.

إن القيمة الحقيقية لهذا المؤتمر تكمن فيما ينبغي أن يُفْرٍزَهُ من قرارات ولوائح تُلخّص مضامين الخطّ النّقابي البديل الذي يحتاجه الاتّحاد من الآن فصاعدا. وغنيّ عن القول إنّ مضامين السّنوات الثّمانين الماضية من عُمُرِ الاتّحاد ما عادت صالحة لِتَكْتُبَ له عُمُرا جديدا يُمْكِنُ أنْ يستمرَّ لثمانين سنة أخرى وأكثر. ويتمثّل مضمون الخطّ النقابي البديل في أرضية ثالوث "الاستقلاليّة والديمقراطيّة والنضاليّة" الذي رسمه العمّال والنقابيّون في واقعة 26 جانفي 1978 المجيدة. فالاتّحاد لا يحتاج اليومَ فقط إلى أن يكون مستقلا عن السلطة الحاكمة وعن التّيّارات الرّجعية بشكل عام بلْ يحتاج أكثَرَ إلى أن يُفْشِل مخطّط قيس سعيد الراّمي إلى تفكيكه والقضاء عليه. فقد بات واضحا أنّ سعيّد ومنظومته، على يقين أنّ تمرير سياسة "الإصلاحات الكبرى" اللّيبرالية المتوحّشة التي فرضتها مؤسسات التسليف المالي العالمية على نطاق واسع، لن يتيسّر بتدجين المنظمات النقابية وإلحاقها بركاب السلطة الحاكمة فحسب وإنما يتمّ وعلى وجه أفضل وأتمّ بالقضاء على "الأجسام الوسيطة" ككلّ وفي مقدمتها النقابات العمالية. هذا هو الخيار التاريخي الأخطر الذي يتهدّد الاتحاد في وجوده والذي يُدْرٍكه طيْفٌ واسعٌ من النقابيّين التونسيّين.
من ناحية أخرى ثَبَتَ، وبما لا يدع مجالا للشك، أنّ سياسة العصا الغليظة التي ساست الحياة الداخلية في الاتحاد قد تسبّبت في أكثر من مرّة، في أزمات خطيرة. ودون العودة إلى الأزمات السابقة وحيثياتها فإن الدرس الذي يُستخلص منها هو أن لا فائدة في إعادة إنتاج مسرحية "التصحيح النقابي" على النحو الذي جرى في بداية السبعينات وفي مصالحة بداية الثمانينات ومسرحية سنة 2002 التي اتضح بالكاشف أنها لم تفعل غير خفض ضغط الأزمة وتأجيل انفجارها. فالاتحاد يحتاج إلى إرساء أسس الديمقراطية الداخلية على قواعد صلبة وثابتة.

وأخيرا آن الأوان أن يستردّ الاتّحاد ما سُلِبَ منه في السّنوات الأخيرة. فقد خَسِرَ كمّا هائلا من المكاسب تتّصِلُ مباشرة بكينونته وعلّة وجوده. فلا قيمة لنقابة لا تمثّل منخرطيها ولا قيمة لتمثيلهم إذا لم يُحقّقَ لهم في أقلّ الأحوال مطالبهم المادّية والمهنيّة. لذلك لا يقلّ شعار نضاليّة الاتحاد والتزامه بالدفاع المستميت عن مطالب العمال، أهمية عن شعارات الاستقلالية والديمقراطية.

ويمثّل وضع خطة للعمل المباشر على ثلاثة تحدّيات أساسية هي النّضال من أجل فرض حق الاتّحاد وهياكله في التفاوض والنّضال من أجْل استرداد الحق النقابي والنضال من أجْلِ فرض استعادة الحق في الخصم المباشر البوابة الأولى للخط النقابي البديل والمؤشر المقنع لجدية المؤتمر والمؤتمرين في الولوج إليه بالفعل.

كما يتطلّع النقابيون وعموم أصدقاء الاتّحاد والتّونسيين ككلّ، لا فقط إلى صدور مقررات ولوائح في مستوى التحديات ولكن أيضا إلى انتخاب قيادة مُؤْمنة حقّا بهذه الخيارات وقادرة على تنفيذها دون تردّد ودون حسابات أو خَوْف.

إنّ اتحادا يحمل مثل هذا الخطّ النقابي النضالي وعلى رأسه قيادة مصمّمة على تكريسه هو الاتحاد الذي سيكون قادرا على القيام بدور تقدّميّ في الداخل والخارج، اتّحاد منحاز لتحرّر البلاد من الهيمنة الأجنبيّة المستفحلة ومنحاز أيضا للحرية والديمقراطيّة في وجه الاستبداد الزاحف وللعدالة الاجتماعيّة في وجه الاستغلال والتفاوت الطبقي الفاحش ولقضايا الشعوب العادلة وفي مقدّمتها قضيّة الشعب الفلسطيني في لحظة تتزايد فيها المخاطر على شعوب المنطقة والعالم.



#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزيادات في الأجور: -عيش بِالْمْنَى يا كمون-
- -معركة- المواقع .. آخر -المعارك- قبيل المؤتمر
- الحرب على إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي (1) - ترجمة
- أي مؤتمر يحتاجه الاتحاد في الظرف الراهن؟
- في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الاخي ...
- في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الثان ...
- في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الأول ...
- نعم ولكن ...
- تقلبات جديدة في الوضع النقابي، ولكن إلى أين المسير؟
- ونقترب رويدا رويدا من الفاجعة
- كفى عبثا .. يجب إنقاذ الاتحاد
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - النص الكامل
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - الجزء الثالث
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى - الجزء الثاني
- فساد الديمقراطية الامريكية
- اتحاد الشغل: أزمة تخفي أخرى (الجزء الأول)
- الماركسية والانتفاضة
- مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد (الجزء ا ...
- مشوع قانون المالية لسنة 2026 طاحونة الشيء المعتاد - الجزء ال ...
- المعاهدة التونسية الجزائرية بين مقاصد الهيمنة والبحث عن الحم ...


المزيد.....




- وسائل إعلام إلاحتلال: إجلاء جميع الركاب والعاملين في مطار بن ...
- وسط مخاوف على الحريات الشخصية.. مئات السوريين يعتصمون في دمش ...
- أزمة الطاقة العالمية: دول تفرض إجراءات تقشفية قاسية لمواجهة ...
- الحكومة الباكستانية بدأت تطبيق مزيد من إجراءات التقشف ضمن ت ...
- النسخة الألكترونية من العدد 1893 من جريدة الشعب ليوم الخميس ...
- Syntagma Square – Athens Today pensioners are making their v ...
- الغلاء والعيد والحرب.. الجزيرة نت ترصد يوميات الأسواق في لبن ...
- الشرع يوقع مرسوما بزيادة أجور العاملين في القطاعين العام وال ...
- اجتماع الاتحاد المغربي للشغل بمدير مستشفى ابن سينا قبل افتتا ...
- الصين تتعامل بحذر مع حرب إيران موازنة بين أمن الطاقة والحياد ...


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - جيلاني الهمامي - مؤتمر اتحاد الشغل: مؤتمر ليس ككلّ المؤتمرات