أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جيلاني الهمامي - صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (النص الكامل)















المزيد.....


صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (النص الكامل)


جيلاني الهمامي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 15:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحتل ليبيا موقعا جغرافيا استراتيجيا على الضفاف الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. فهي تتوسط الضفة الجنوبية ما بين تونس ومصر وتمتد سواحلها على مسافة أكثر من 1700 كلم وتمثل واحدة من أهم البوابات على قلب الصحراء الافريقية الكبرى.

هذا الموقع أضفى عليها أهمية سياسية استراتيجية في المنطقة ازداد أهمية بالنظر لما تزخر به من خيرات وما باتت تمثله من سوق ومعبر لتنقل البضائع والأموال والبشر. وتعاظمت هذه الأهمية في التاريخ المعاصر وفي العقود الأخيرة وخاصة إثر سقوط نظام القذافي واندلاع الحرب الاهلية في البلاد حتى باتت محط أنظار كل القوى الاقتصادية والعسكرية القديمة والصاعدة في العالم.

فإبان اندلاع الثورة في ليبيا سنة 2011 اتجهت أنظار القوى العظمى للتدخل في ليبيا من ذلك تدخل حلف شمال الأطلسي للمساعدة على الإطاحة بمعمر القذافي، وابتداء من سنة 2014 وانقسام البلاد إلى شرق (بن غازي) وغربا (طرابلس) تكثف التدخل الدولي في ليبيا التي تحوّلت إلى مسرح تنافس بين القوى العظمى.

في هذا الإطار ظهرت أطماع روسيا وتركيا والصين ضمن الاطماع الاستعمارية حيث سعى كل منهم إلى اقتطاع منطقة نفوذ تخضع لسيطرته من خلال كسب أحد الأطراف الليبية المتنازعة. ففي حين سعت روسيا إلى تثبيت سيطرتها على الموانئ النفطية في الشرق الليبي ومواقع أخرى في الجنوب ركزت تركيا اهتماماتها على ترسيم حدودها البحرية مع الساحل الشرقي الليبي وكسب مصالح اقتصادية. ولئن جاء التدخل الصيني متأخرا شيئا ما فإنه بالاعتماد على ما يسمى باستراتيجية "الحياد النشيط" سرعان ما تسارع نسقه. وعادت إيطاليا في السنوات الأخيرة إلى مضمار الصراع من أجل استرجاع جزء من سيطرتها على مستعمرتها القديمة ليبيا.

لقد أصبحت ليبيا من أكثر مناطق العالم مسرحا للتنافس بين القوى العظمى، التجارية والسياسية والعسكرية، وتحولت إلى مجال من مجالات تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية الراهنة والمستقبلية. ويتخذ هذا التنافس أبعادا متعددة ومتنوعة يشمل أساسا البعد العسكري من خلال التواجد العسكري لبعض المتدخلين وما يقدمونه من دعم تسليحي ولوجستي للأطراف المسلحة المتصارعة في الساحة الليبية. كما يشمل البعد من خلال دعم هذا الطرف أو ذاك من أطراف النزاع الليبي في المفاوضات حول مشاريع التسوية واستراتيجيا رسم صورة المستقبل السياسي في البلد. ويشمل من جهة ثالثة البعد الاقتصادي وخاصة مجال الطاقة والمشاريع الكبرى والاستعدادات للاستحواذ على جزء من برامج إعادة الاعمار. ولا يخلو التنافس أيضا من الابعاد الثقافية والتكنولوجية والتكنولوجيا الرقمية خاصة وما يتصل بالحرب الالكترونية والجوانب الاستخباراتية.

وتتميز أنشطة كل قوة من القوى المتسابقة بالتركيز على بعد من الأبعاد المذكورة ضمن مقاربات مختلفة لكيفية ضمان السيطرة والتحكم في هذه المنطقة الهامّة من حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا.

ليبيا مجال لإعادة الانتشار الروسي بعد الخروج من سوريا
للتذكير فقدت روسيا سنة 2011 نفوذا كانت تتمتع به في ليبيا وورثته عن العلاقات الليبية السوفياتية السابقة. وهي تسعى اليوم للعودة إلى هناك أولا بدافع تاريخي ومن منطلق "الحق المكتسب" ولكن أيضا بدوافع أخرى استراتيجية، سياسية وعسكرية، واقتصادية تتجاوز حدود ليبيا وتتسع لكامل منطقة شمال افريقيا والقارة السمراء.

إن المقاربة الرّوسية في تواجدها في ليبيا لا ترتبط فحسب بالأزمة الليبية وإنما تنطلق من منطلقات جيواستراتيجية تتركز حول مسعاها إلى التسلل إلى منطقة تخضع تقليدية إلى الخصم الغربي، أوروبا والولايات المتحدة الامريكية وحلف شمال الأطلسي، منطقة شمال افريقيا والبحر الأبيض المتوسط. وعلاوة على كونها واحدة من أهم ضفاف المتوسط فإن روسيا ترى في ليبيا نقطة عبور نحو افريقيا ومنطقة الساحل الافريقي المتاخم للحدود الجنوبية الليبية حيث تعمل موسكو من مدة على توسيع نطاق حضورها السياسي والاقتصادي والعسكري من خلال شركة فاغنر. وهي تسعى إلى مزيد توطين هذا الحضور في اتجاه استغلال حركة الهجرة الكثيفة، المنظمة وغير المنظمة، كواحدة من أدوات صراع موازية للأدوات التقليدية مع أوروبا خاصة.

وإلى جانب ذلك يمثل العامل الاقتصادي دافعاً مركزياً في مساعي روسيا للتدخل في ليبيا وخاصة السيطرة على جزء من مخزون الطاقة الذي تمتلكه فذلك يمكن ان يشكل عنصر ضغط دولي لا فقط في أمجال الأمن الطّاقي وإنما أيضا كعنصر ضغط استراتيجي موجه بشكل رئيسي ضد أوروبا.

أما على الصعيد العسكري والأمني فإن روسيا ترى في حضورها العسكري في ليبيا، بالنظر للظروف التي مرت وتمر بها بعد سنة 2011، فرصة لكسر عزلتها ويتيح لها إمكانية لعب دور في أي تسوية سياسية في النزاع الليبي وبالتالي يؤمّن لها استراتيجيا البقاء في الصورة في كل التطورات اللاحقة وكلاعب دائم الحضور في الملف الليبي. ومن وراء ذلك توظيف هذا الدور في معادلات سياسية إقليمية ودولية أخرى.

وقد أصبحت ليبيا فعلا على إثر بعد سقوط نظام الأسد في سوريا هي البديل الاستراتيجي لتعويض الخسارة التي تكبّدتها روسيا جراء ذلك. وبحسب العديد من التقارير استقبلت القواعد العسكرية في شرق ليبيا الواقعة تحت سيطرة خليفة حفتر معدات عسكرية روسية متطورة كانت متمركزة في سوريا. وتعتمد اليوم روسيا في ليبيا على حضورها العسكري القوي ولكن تحشد أيضا كل الوسائل والأدوات الأخرى السياسية والديبلوماسية والثقافية والتكنولوجية والاقتصادية من أجل أن تحظى بموقع خاص وتستفيد من أسبقية على بقية القوى الأجنبية في ظل المزاحمة الشديدة التي تشهدها من قبل البعض وخاصة تركيا والصين وإيطاليا.

ويمكن القول إن روسيا قد نجحت في توظيف مختلف هذه الادوات ونتيجة لذلك نفذت إلى أهم المواقع الاستراتيجية في الشرق كما في الغرب الليبي وقرب منافع النفط والمواني المتصلة بها وباتت تحظى بنفوذ كبير. وهي اليوم تستغل الانقسام الحاصل بين شرق ليبيا وغربها، بين دولة حفتر في بنغازي ودولة الدبيبة في طرابلس وتتمادى في اللعب عليه لتمتين نفوذها واستدامة وجودها هناك.

غير أن الصراعات الجارية في عالم اليوم بين مختلف القوى العظمى، القديمة منها والصاعدة، مازالت لم تستقر بعد على ميزان قوى محدد وقد يلزم الامر اللجوء في الأخير إلى الحل الذي ما بعده حل لحسم موازين القوى وفرض توزيع جديد للنفوذ في العالم.

ليبيا في قلب الأطماع الإقليمية التركية
تنطلق تركيا في حساباتها بعلاقة بليبيا من دافع تاريخي يستمد "شرعيته" من أكثر من أربعة قرون من العلاقات الثنائية بين ليبيا والباب العالي. وتعني هذه "الشرعية" في ضوء ملابسات الصراعات الجارية على منطقة شرق المتوسط ما تعتبره تركيا "حقا" في افتكاك نصيبها في هذا الصراع. لذلك تمثل ليبيا نقطة ارتكاز أساسية في نظرية "الوطن الأزرق" التي أصبحت بمثابة "العقيدة التوسعية الرسمية" بعدما كانت في البداية (2006) مجرد مقاربة لدى بعض الضباط العسكريين الاتراك ذوي النزعة القومية المناهضين للعلاقة مع حلف الشمال الاطلسي. وتعنى هذه النظرية بكيفية توسيع السيادة التركية على مياه بحر "إيجه" (la Mer Egée) وشرق حوض البحر الأبيض المتوسط بشكل عام. وقد تطورت هذه المقاربة من كونها أساسا للاستراتيجية العسكرية التركية في المجال البحري الى نظرة استراتيجية لإحياء الاطماع العثمانية وبناء قوة اقليمية تتمتع بفضاء حيوي أوسع يضمّ فيما يضمّ ليبيا.

وكان المدخل إلى ذلك ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا الذي من شأنه أن يمكّن تركيا من فرص لتوسيع أنشطتها في التنقيب على النفط والغاز في شرق المتوسط كرد فعل على استبعادها من "منتدى غاز شرق المتوسط" الذي تأسس سنة 2019 وضمّ اليونان وايطاليا والكيان الصهيوني وقبرص اليونانية ومصر والاردن. ومن جانب آخر تعتبر تركيا من البلدان التي تدخلت مبكرا في ليبيا إبان اندلاع الثورة فيها وتدخل التحالف الدولي الذي شكله حلف شمال الاطلسي لتحويل تلك الثورة إلى حرب اهليه مزقت ليبيا ومازال آثر هذا التمزيق ساريا إلى اليوم. وقد وقفت ديبلوماسيا إلى جانب "حكومة الوفاق الوطنية" منذ 2015 وحتى قبل ذلك منذ 2011. وتدخلت لأول مرة عسكريا لصالحها في ماي – جوان 2019 لدحر محاولة قوات خليفة حفتر الاستيلاء على العاصمة طرابلس. وانتهزت الفرصة لتركيز قاعدتها العسكرية "الوِطْيَة" ثم لإمضاء اتفاقية أولى في التعاون العسكري والامني واتفاقيات اقتصادية مع حكومة الوفاق الوطني في نوفمبر 2019 عقبتها اتفاقية عسكرية ثانية في ديسمبر من نفس السنة تم بمقتضاها تركيز قاعدة تركية ثانية (جوية وعسكرية برية) في مسراطة.
استعملت تركيا في تدخلها العسكري هذا جانبا من قواتها الخاصة ولكن أيضا قوات الشركة العسكرية "صادات" SADAT الشبيهة بشركة فاغنر الروسية التي تولت نقل المعدات العسكرية إلى ليبيا وأكثر من ألف من المقاتلين المرتزقة السوريين أو الذين نشطوا في الحرب الاهلية في سوريا وكانوا هم من تولوا جملة الأدوار العسكرية الهجومية الحاسمة في هزم قوات حفتر في غريان وطرابلس. يذكر أن هذه الشركة الخاصة في الظاهر والمقربة جدا من رجب طيب أردوغان أصبحت تشكل رأس الحربة في التدخلات التركية في أكثر من مكان في الساحل الافريقي (النيجر ومالي وبوركينا فاسو الخ...) كما في بلدان القرن الافريقي (الصومال واثيوبيا ...).
يندرج التدخل التركي في ليبيا ضمن ما يمكن اعتباره نهوض المطامح التوسعية لدى السلطات التركية التي لا تخفي مطمحها في استعادة المجد العثماني القديم. وقد تزامنت هذا النهوض مع انفجار الثورات العربية التي وجدت فيها تركيا مجالا للتدخل خاصة في المناطق الهشّة. وقد اتجهت نوايا الانتشار التركي إلى سوريا ومصر وليبيا وتونس ولكن وفي ضوء التطورات اللاحقة عدلت أولوياتها لتركز على سوريا بحكم عوامل الجوار وحسابات الصراع في الشرق الأوسط وعلى ليبيا التي أصبحت الساحة الأساسية التي ترتكز عليها الاستراتيجية التركية في مواجهة القوى الغربية (الولايات المتحدة وأوروبا) والقوى الإقليمية (مصر والكيان الصهيوني والسعودية والامارات).
الآن وقد ترسخ واقع الانقسام في ليبيا بين الشرق والغرب وباءت كل محاولات تجاوزه بالفشل تتجه أنظار تركيا بعد أن أمّنت حضورها العسكري في منطقة الغرب، إلى مراجعة مقاربتها في علاقة بحاكم الشرق المشير حفتر. لذلك انطلقت في السنوات الأخيرة في مد جسور التقارب معه.
إن رغبة تركيا في التواصل مع معسكر الشرق الليبي ليس بجديدة إذ سبق لها أن نسجت علاقات مع رئيس مجلس النواب هناك، عقيلة صالح، سنة 2020 لكن ما يميز مساعيها هذه المرة هو عدم الاكتفاء بالتنسيق مع الواجهة السياسية والمرور إلى تطوير علاقات حثيثة مع الواجهة العسكرية، مع حفتر مباشرة.
جملة من الدواعي أملت هذا التحول، فالتطورات على الساحة الداخلية في ليبيا وفي منطقة شرق المتوسط فرضت إدخال تعديلات في خطة السيطرة في ليبيا. فعلى المستوى الداخلي اتّضح مع مرور الوقت أنّ حفتر قد تقدم أشواطا في بسط نفوذه وخلق نظام حكم عائلي متماسك ومستقر في الشرق على خلاف الغرب حيث لم تتمكّن "حكومة الوفاق الوطني" من التحكم في المجموعات المسلحة ودمجها في مؤسسات الحكم هناك وفشلت بالتالي في منع الاضطرابات التي تهز غرب ليبيا من حين لآخر إذ مازالت المجموعات المسلّحة تتمتّع بحضور وقوّة بما يهدّد الأمن والاستقرار. لذلك بات لزاما أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار لحماية المصالح التركية في ليبيا.
العامل الثاني الذي دفع السلطات التركية إلى مراجعة استراتيجيتها حيال ليبيا والنظر لمعادلة الداخل الليبي وموازنات الشرق والغرب بعين أخرى هو التطورات الجارية في شرق المتوسط وتصاعد الضغوط الناجمة عن اشتداد التنافس بين أكثر من قوة حول منابع الطاقة وقضايا الأمن هناك.
جملة هذه العوامل أملت إذن خيار التحالف مع حفتر الذي بات يملك بين يديه مفاتيح على غاية من الأهمية في تأمين مصالح تركيا الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. ناهيك وأن مصادقة برلمان ليبيا الشرق على مذكرة التفاهم البحرية التركية الليبية لترسيم الحدود البحرية بين البلدية شرط أساسي كي تصبح هذه الاتفاقية نافذة وتضع بيد السلطات التركية ورقة قانونية مهمة في مواجهة المناورات اليونانية التي تلقى الدعم الامريكية والاوروبي ولمواجهة المساعي المصرية وحتى "الإسرائيلية" التي تهدف كلها إلى كسب السباق في النزاع حول الجرف القاري في شرق المتوسط.
على خلفية ذلك شهدت العلاقات بين الطرفين تطورا متسارعا في السنوات الأخيرة حيث تعددت الزيارات بين الطرفين وفي مستوى عالي وتكثفت اللقاءات كان آخرها حضور صدام حفتر (الخليفة المرتقب لوالده على رأس الحكم في الشرق) للنسخة الجديدة من معرض SAHA EXPO للتصنيع الحربي والطيران العسكري في اسطمبول خلال شهر ماي الجاري. وتزامن ذلك مع مشاركة قوات ليبية من الغرب ومن الشرق أيضا في مناورات عسكرية في مدينة ازمير التركية.
هذه الزيارات واللقاءات اثمرت عديد الاتفاقات بين الطرفين أوكلت فيها لتركيا الاضطلاع بعديد برامج التدريب العسكري لقوات حفتر وبيعه أسلحة تركية متطورة منها الطائرات المسيرة التركية المعروفة (BIRGARD TB 2) وكثير من الاستثمارات التركية في البنية الأساسية والصناعات العسكرية. كما تم توقيع عديد العقود لمشاريع تركية ضمن برنامج إعادة الاعمار الليبي في الشرق وفي الجنوب الليبي.
هذا ما يعني إجمالا أن العلاقات التركية الليبية من جانب معسكر حفتر قد باتت حقيقة وواقعا وهو ما يمثل بمعنى من المعاني "نجاح" النظام التركي في تحقيق جانب من مطامحه التوسعية ونسبة من أحلامه العثمانية التي لم يتردد في التعبير عنها من زمن طويل نسبيا. ونتيجة لهذا "النجاح" باتت ليبيا بالمقابل ساحة مفتوحة لا فقط للأطماع الروسية والتركية وإنما أيضا للأطماع الصينية على حد السواء.
عودة قوية للمارد الصيني
فقدت الصين إثر سقوط نظام معمر القذافي موقعها في ليبيا وظلت تتحاشى مدة عقد من الزمن الانحشار في الصراع الدامي الداري بين شرق البلاد وغربها وبين المجموعات المسلحة في كل مكان. وقد عادت مؤخرا لتستأنف علاقاتها مع الشريك الليبي الذي يكتسي أهمية خاصة بالنسبة إليها خصوصا وهو مقدم على عملية إعادة إعمار ضخمة وواسعة النطاق. يتزامن ذلك مع تطورات شهدتها الساحة الليبية فتحت أمام الصين المجال كي تعود لتصبح واحدا من أبرز المتراهنين على لعب أدوار اقتصادية وتجارية ومن ورائها أدوار جيوسياسية واستراتيجية هامة.

من هذه التطورات ما يمكن اعتباره "استقرار" حالة الانقسام بين الشرق والغرب و"استقرار" سلطات كل شق منهما. فقد توقفت الاعمال القتالية بينهما منذ سنة 2019 وبدأت العلاقات بينهما تميل أكثر فأكثر إلى البحث عن حل لردم هوة الخلاف وتجاوز الانقسام. مثل هذه الأجواء تمثل المناخ الأمثل من وجهة نظر بيكين لنسج علاقات تعاون بين البلدين. وقد أثبتت في المدة الأخيرة حماسها للمضي قدما في هذا الاتجاه علما منها وأن ليبيا مقدمة على عملية إعادة إعمار تتضمن مشاريع كبيرة وكثيرة في مجالات متنوعة ستجد فيها الرساميل الصينية فرصة خيالية للاستثمار وتحقيق أرباحا طائلة لا توفر اية ساحة أخرى من ساخا الاستثمار في القارة الافريقية.
تندرج عودة الصين القوية إلى ليبيا ضمن استراتيجية أوسع وأشمل تستهدف بحيرة المتوسط وشمال افريقيا كجزء من منطقة عبور مشروع "الحزام والطريق" ومسارات التجارة والممرات الأساسية نحو اسيا وافريقيا. فليبيا تمثل نقطة أساسية في نقاط العبور التي تفتح على أكثر من وجهة وتمنح الاقتصاد الصيني فرصة لا نظير لها للنفاذ إلى منطقة واسعة من العالم دون أن التورط في مجازفات أمنية شديدة التعقيد.

ويتلاءم وضع ليبيا تمام التلاؤم مع الهندسة الاستراتيجية الصينية للتمدد في العالم بما في ذلك في منطقة شمال افريقيا والبحر المتوسط. وتقوم المقاربة الصينية على التوغل بهدوء لإقامة منطقة نفوذ اقتصادي أساسا تعتمد على التجارة والاستثمار لا على الأدوات السياسية والأمنية على الأقل في مرحلة أولى من استراتيجيتها. هذه الخطة تساعد الصين على تلافي الإحراجات التي يمكن أن تسلطها عليها النزاعات الداخلية الليبية وحالة الانقسام بين الشرق والغرب.

وتجد في الحياد المصلحي تجاه طرفي النزاع الوسيلة للحفاظ على علاقات متوازنة مع طرفي النزاع في نفس الوقت من جهة وللاستجابة لحاجة هذا وذاك (حكومة طرابلس الغرب وحفتر في الشرق) المالية والاقتصادية لتمويل برامج إعادة الاعمار هنا وهناك. لذلك قلنا تتلاءم أوضاع ليبيا الراهنة مع الاستراتيجية الصينية ومقاربتها للعودة إلى الساحة الليبية بقوة. الصين تجد في ليبيا بصرف النظر عن الانقسامات الداخلية مشروع شريك اقتصادي وتجاري واعد وساحة "عذراء" فيما تجد ليبيا (من كلا الطرفين) مصدرا مثاليا للتمويل والاستثمار وشريكا قويا في رسم خطط التنمية المستقبلية ما بعد الحرب والتدمير.

وتؤيد مجرى الاحداث منذ ربيع سنة 2024 هذه الحقيقة ذلك أن نسق الاتصالات والزيارات والمفاهمات قد تسارع بشكل غير مسبوق. ففي نوفمبر 2025 أعادت الصين فتح سفارتها في طرابلس وكان رئيس حكومة الوحدة الوطنية (المنفي) قد زار الصين في سبتمبر 2024 بمناسبة منتدى التعاون الصيني الإفريقي في بكين وكان بلقاسم خليفة حفتر أحد العناصر القوية في سلطة شرق ليبيا (وهو أحد أبناء خليفة حفتر) "المدير العام لصندوق ليبيا للتنمية وإعادة الإعمار" قد سبقه في جويلية من نفس العام إلى ابرام مذكر تفاهم مع الصين شملت حزمة من المشاريع الاستثمارية الكبرى في الشرق في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات وإنشاء منطقة حرة ومحطات للطاقة الشمسية ولمعالجة المياه، ومد خط سكة حديد يربط بين بنغازي ومرسى مطروح عبر معبر مساعد الحدودي مع مصر تبلغ تكلفته حوالي 20 مليار دولار علاوة على مشروع مترو بنغازي وتجديد خطوط أنابيب النفط القديمة، وتطوير المصافي للترفيع في قدراتها الإنتاجية وبعث مشروع مصفاة نفط جديدة تبلغ تكلفته حوالي 10 مليار دولار بطاقة انتاج تصل إلى 500 ألف برميل يوميا للتصدير إلى الأسواق الأوروبية وبناء موانئ ومطارات جديدة لتحويل ليبيا إلى مركز لوجستي محوري يربط بين بلدان شمال إفريقيا.

وتسعى الصين بشكل عام إلى توسيع مجال استثماراتها إلى قطاعات متعددة ومدن أخرى في الشرق كما في الغرب باستثمارات تصل إلى 50 مليار دولار. وتندرج هذه الاستثمارات ضمن مشروع الحزام والطريق وتسعى إلى أن تكون جملة المشاريع المزمع اقامتها وسيلة إلى إعادة ربط غرب ليبيا بشرقها وإدماج طبرق وبنغازي بطرابلس بل وتهدف إلى خلق نوع من التكامل الاقتصادي والتجاري بين بلدان شمال افريقيا الجزائر والمغرب وتونس ومصر التي تجري المساعي حثيثة للتوصل إلى مذكرات تفاهم مع كل واحدة منها على حدة. والغاية من ذلك بطبيعة الحال الوصول إلى أسواق أوسع وفرص تجارية أكبر على نطاق أوسع في المنطقة وضمان نفوذ كبير في سلاسل الإمداد نحو الأسواق الأوروبية شمالا والقارة الافريقية جنوبا. فعودة الصين إلى ليبيا إنما تأتي ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد، مدروسة وبعيدة عن الاندفاع أو الاستعجال تطرح مشاريع متوازية في شطري ليبيا في مجالات استثمار متنوعة لضمان تأثير شامل ومستدام ومنفتح على المنطقة ككل.
اللافت ان بعض هذه المشاريع (خط سكك الحديد مثلا) سينفذ بالشراكة بين شركات صينية (Power China) وأخرى أوروبية من ألمانيا (Siemens) وبرتغالية (Future) وبريطانية كنموذج للتعاون الصيني–الأوروبي في شمال إفريقيا في مسعى إلى بروز الرأسمال الصيني كمظلة للرساميل العالمية ومؤطر للتعاون الاقتصادي متعدد الأطراف.
ما ينبغي الإشارة إليه أيضا أن هذا الزخم في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين وليبيا ينطوي على احتمالات كبيرة لتطوره ليتخذ أبعادا أخرى سياسية وأمنية ذلك أن الصين لا تقتصر في نظرتها إلى ليبيا على الجانب الاقتصادي فقد باتت تركز أيضا على البعد الجيوسياسي والاستراتيجي وتتعاطى مع ليبيا كمنصة استراتيجية تكتسي أهمية بالغة في إعادة رسم خريطة التوازنات الإقليمية مستقبلا في ظل الصراع العالمي والتسابق بين القوى العظمى الأخرى.
في هذا الإطار يبدي الخبراء الأمنيون والعسكريون في حلف شمال الأطلسي تخوفا من أن يقع استخدام بعض مشاريع البنية التحتية (خاصة الموانئ) استخداما مزدوجا، مدنيا وعسكريا. وتزداد هذه التخوفات من الحضور الصيني في ليبيا المتصاعد الذي قد يوظف في أغراض وأنشطة استخباراتية وعسكرية حفية خصوصا وقد راجت دراسات وتحاليل حول بيع مسيرات صينية لأحد أطراف النزاع في ليبيا في السنوات الأخيرة. ويدلل أصحاب هذه التخوفات على صحة ما يذهبون إليه بما جاء في خطاب الرئيس الصيني بمناسبة الاحتفالات بذكرى نهاية الحرب العالمية حول تطور مبيعات الأسلحة الصينية لأكثر من 100 دولة تربطها اتفاقيات عسكرية مع الصين.
ويعتبر حلف الناتو أن تغلغل الصين في الساحة الليبية يشكل اختراقا في موازين القوى الإقليمية لا بد من الاحتياط من مخاطره خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار الشراكات العسكرية الصينية الجزائرية والسودانية.
ومما لا شك فيه هو أن الحضور الصيني في ليبيا سيفتح أبوابا أوسع أمام هذه القوة الصاعدة لتصبح لا فقط قوة مهيمنة في القارة الافريقية وفي البحر المتوسط وإنما أكثر من ذلك لتصبح لاعب محوري ومركزي في النظام الدولي الجديد الجاري تشكّله اليوم.



#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرأسمالية من منظور ماركسي ونيوكلاس ...
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا - الجزء الثالث
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الأول)
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الثاني)
- الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل - النص الكامل
- الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل (1) (الجزء الثاني)
- رفع العقوبات عن النقابيين خطوة على طريق المصالحة
- الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل (1) (الجزء الأول)
- نظام ترامب يساعد كبرى الشركات من خلال التلاعب الضريبي، ويعرض ...
- تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية
- مؤتمر اتحاد الشغل: مؤتمر ليس ككلّ المؤتمرات
- الزيادات في الأجور: -عيش بِالْمْنَى يا كمون-
- -معركة- المواقع .. آخر -المعارك- قبيل المؤتمر
- الحرب على إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي (1) - ترجمة
- أي مؤتمر يحتاجه الاتحاد في الظرف الراهن؟
- في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الاخي ...
- في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الثان ...
- في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الأول ...
- نعم ولكن ...
- تقلبات جديدة في الوضع النقابي، ولكن إلى أين المسير؟


المزيد.....




- ترامب يطرح توقعاً بشأن موعد التوصل إلى اتفاق مع إيران
- مباشر: جهود لاحتواء التصعيد في لبنان وترقب لمسار المحادثات م ...
- ضغوط أمريكية على إسرائيل لتثبيت التهدئة في لبنان وترقب لمسار ...
- جلسة أممية طارئة بشأن لبنان.. هذا ما دار فيها
- فرنسا تحظر مشاركة إسرائيل في معرض دولي للأسلحة بباريس
- إيران تعلّق رسائلها مع واشنطن وتلوّح بهرمز وباب المندب.. ما ...
- هذه المجموعة قررت أن تتوقف عن -الاستغراب- قليلا
- ألمانيا تفقد سر تفوقها.. متى تستعيد نموذجها التاريخي؟
- إسرائيل: اعتراض مقذوفين وسقوط هدف جوي -مثير للريبة-
- رئيسة المكسيك تندد بالتدخل الأميركي وتبرئ ترامب


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جيلاني الهمامي - صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (النص الكامل)