|
|
القطاع المصرفي الموازي: قنبلة موقوتة في الاقتصاد الأمريكي
جيلاني الهمامي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 00:48
المحور:
الادارة و الاقتصاد
القطاع المصرفي الموازي: قنبلة موقوتة في الاقتصاد الأمريكي
فرانشيسكو ميرلي 28 أكتوبر 2025 ترجمة جيلاني الهمامي
منذ أشهر، تتكشف أمام أعيننا حالة غريبة للغاية. فمن ناحية، دخلت الرأسمالية العالمية بوضوح في مرحلة أزمة طويلة الأمد تتجلى في كل المستويات، ومن ناحية أخرى، تشهد سوق الأسهم الأمريكية ازدهارًا كبيرًا.
إن الاقتصاد العالمي غارق في مستويات استثمار منخفضة بشكل تاريخي، ويعاني من عواقب تمزق نسيج التجارة الدولية برمته بسبب الرسوم الجمركية والحروب التجارية التي شنها ترامب. وتزداد المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة والصين احتداما مع اتخاذ كل من الطرفين إجراءات حمائية انتقامية.
هناك نزاعان كبيران، الحرب في أوكرانيا والأزمة في الشرق الأوسط، لا يزالان بعيدين كل البعد عن أن ينتهيا، فيما يفتح ترامب واجهة جديدة في منطقة البحر الكاريبي، قد تجرف معها أمريكا اللاتينية بأسرها. وفي الوقت نفسه، تغرق الدول تحت مستويات مديونية غير مسبوقة، بما في ذلك الصين وجميع الدول الرأسمالية المتقدمة. وهكذا، فإن الأداة الرئيسية لتدخل الدولة التي وفرت للنظام مخرجاً من الأزمات السابقة – كما حدث في عام 2008، أو مؤخراً مع جائحة كوفيد-19 – أصبحت الآن غير فعالة.
إن قدرة الدولة على التدخل لإنقاذ الموقف ومنع انهيار النظام — سواء من خلال توفير الأموال العامة لإنقاذ «المشتبه بهم المعتادين»، أو من خلال دعم خروجه من الاضطرابات الاجتماعية — هي اليوم عرضة للتقويض بسبب المستويات الحالية لديون الدولة. ويتجلى ذلك في دخول الحكومة الأمريكية في حالة «إغلاق» في الأول من أكتوبر، ولا يبدو أن الشلل الحالي سيصل إلى نهايته قريبًا.
وعلى عكس ما كان عليه الحال قبل 17 عامًا، يجب أن نضيف إلى ذلك تجربة مزيج امتد لفترة طويلة وخطير من سياسات التقشّف المفروضة على الغالبية العظمى، ومستويات فاحشة من الثروة المركّزة في أيدي قلة من الأثرياء. وقد أدى ذلك إلى استياء متفشٍ ومتزايد بين الجماهير، فضلاً عن ريبة عميقة حيال أي مؤسسة تابعة للهيمنة البرجوازية، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي.
لقد دمرت أزمة الرأسمالية، حتى قبل أن تصل إلى مرحلة الركود العالمي، الظروف المعيشية للغالبية العظمى، مما أدى إلى تفاقم عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، فضلاً عن موجة ثورية عالمية.
قلق بين استراتيجيي رأس المال في هذه الأثناء، وكأن شيئاً من هذا لم يحدث، يحطم سوق الأسهم الأمريكي المزدهر رقماً قياسياً تلو الآخر في مسيرة انتصارية. إنه يمتص، كالثقب الأسود، مدخرات الطبقة الوسطى الأمريكية ورأس المال العالمي الجامد، بواسطة عملية احتيال واعدة بعوائد مغرية، لكنها غير واقعية، في قطاع الذكاء الاصطناعي.
وتماما مثل أوركسترا سفينة «تيتانيك» فيما هي تغرق، يواصل المعلقون الاقتصاديون والمستشارون التغنّي بمزايا عجائب الأسْواق «الصّاعدة». فقد حرصت شركة «جولدمان ساكس»، على سبيل المثال، على التوضيح أن هذا الوضع يختلف تمامًا عن الفقّاعات الاقتصادية السّابقة، لأنّ معدّلات الأرباح، حسب رأيهم، مرتفعة وحصيلة ميزانيات الشّركات جيّدة. بيد أن النغمة تغيّرت الآن نحو الكارثية. يجب أن تستمرّ هذه السّلسلة، لأن عقوبة عدم تغذية الفقاعة أكثر فأكثر ستكون اختفاؤها المفاجئ، مع ما ينجر عن ذلك من عواقب كارثية.
ولكن هناك خلال الأسابيع الأخيرة نبرات غير متناغمة حيث أصدر العديد من استراتيجيي رأس المال العالمي موجة من التّصريحات التي تنمّ عن القلق، يتفقون فيها جميعًا على ما يلي: 1 – الازهار الحالي للأسواق المالية الأمريكية ليس بدائم، 2 – "عملية تصحيح" خطيرة (أي: انهيار) ليست فحسب محتملًة بل قد تكون وشيكًة، 3 – إن المستوى غير المسبوق للتّهديد الذي تتعرّض له مدّخرات الأسر الأمريكية في أسواق الأسهم سيجعل «عملية التصحيح» هذه مؤلمة للغاية، 4 – ومن المشكوك فيه أن يكون بالإمكان التخفيف من أثر «عملية التصحيح» هذه، كما حدث خلال أزمة شركات الإنترنت في عام 2001، أو إنقاذه بخطة إنقاذ كما في عام 2008، 5 – وعلى المدى الطويل، سيكون لذلك، مهما حدث في الولايات المتحدة، تداعيات عالمية عميقة.
تتركّز الأنظار على الانهيار الأخير لشركتين أمريكيتين، هما "تريكلور" أو «الألوان الثلاثة» Tricolor و«فيرست براندز» First Brands. ولا يتعلّق الأمر بالحديث عن انهيار أيّ كيان يضاهي «تيسلا» Tesla أو «ألفايت» Alphabet أو أي بنك كبير. كانت هاتان الشركتان مهمتين (كانت «فيرست براندز» توظف 26 ألف عامل)، لكنهما كانتا غير معروفتين نسبياً. إحدى الشركتين، «تريكلور»، تقدم قروضًا عالية المخاطر للأشخاص الذين لا يستطيعون الحصول على قروض بنكية لشراء سيارات مستعملة. أما الثانية، «فيرست براندز»، فهي مُوَرِّدٌ كبير لقطع غيار السيارات غير ذات العلامات التجارية. وقد خلف انهيارهما فجوة تقدر بمليارات الدولارات، لكن حجم الخسائر ليس هو أكثر ما يثير القلق.
لقد اعترفت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، بأن القلق بشأن قطاعي رأس المال الاستثماري والقروض الخاصّة في الولايات المتحدة هو «المسألة التي تُذْهِبُ عنّي النّوم من حين لآخر في الليل". لنأخذ ذلك في الاعتبار، ما هو رأس المال الاستثماري والقروض الخاصة؟ ولماذا تَوَجَّبَ أن يُزْعِجَ ذلك نوم مديرة صندوق النقد الدولي العميق؟
عند النظر عن كثب، يتضح وجود صلة إشكالية بين النظام المالي الأمريكي والبنوك الموازية غير الخاضعة للتنظيم (القروض الخاصة)، التي انتشرت بشكل هائل في الولايات المتحدة للتّحايل على التشريعات التي أُدْخِلت بعد أزمة عام 2008. يبدو أن هذا القطاع قد شهد نمواً كبيراً منذ بدء الجائحة، مما يثير مخاوف من أنه قد يؤثر الآن بشكل خطير على النظام المالي الأمريكي برمته.
وهذا دليل إضافي على ما كنا نقوله منذ البداية: لن يمكن أبدًا تنظيم الرأسمالية – ففي النهاية، يجد السعي وراء الربح الأقصى طريقة للتحايل حتى على القواعد والتشريعات الأكثر اختبارًا والأحسن تصميما، ناهيك عن القواعد المرتجلة والمتسرعة. الإِشْكال هو أنه لا يبدو أن أحداً لديه إدراك واضح لحجم المشكلة – وبالتالي لمدى القلق الذي يساور بعض الأوساط.
القروض الخاصة والبنوك "الشبح" كشف انهيار «تريكلور»، وبشكل خاص انهيار «فيرست براندز»، عن الانتشار الواسع جدا للنظام المصرفي الموازي في الولايات المتحدة. ويُقدَّر حجم هذا القطاع اليوم بنحو 4000 مليار دولار، وهو قطاع غير خاضع للتنظيم وقد بلغ حجمه درجة تجعله يشكل تهديدًا جديا للمنظومة.
في عام 2008، بعد أن أفلت الرأسماليون من السقوط في الهاوية، أقسموا ألا يتكرر ذلك «أبدًا»، في الوقت الذي كانوا يجنون فيه أرباحًا هائلة من عمليات الإنقاذ الحكومية. فقد تم تأميم خسائرهم وتحويلها فعليًّا إلى دين عام. وقد قُدم مشروع القانون إلى الطبقة العاملة في ثوب تخفيضات في الإنفاق الاجتماعي العام وإجراءات تقشفية.
من ناحية أخرى، تم إدخال تشريعات أكثر صرامة تجبر البنوك على الزيادة بشكل كبير في مبلغ رأس المال الذي تحتفظ به مقارنة بما تُقْرِضه، ووضع معايير أكثر صرامة في منح القروض. هذه الإجراءات حَدَّتْ من وصول الشركات الأكثر مخاطرة إلى القروض، تاركة فراغًا ملأته البنوك الموازية.
أصبحت شركة «فيرست براندز» حالة نموذجية. فقد قامت خلال السنوات الأخيرة بسلسلة من الشراءات الممولة بواسطة الديون، بهدف الوصول إلى مكانة مهيمنة في سوق قطع الغيار بالولايات المتحدة. ظاهريًّا، قد يبدو أن خطة توسّع طموحة للغاية قد باءت بالفشل. ومع ذلك، هناك وجه آخر للقصة.
"كانت الشركة تمتلك حتى وقت قريب احتياطيًا جيدًا من السيولة النقدية، لكنها كانت تستخدم الديون الخاصة أو «البنك الموازي» للاقتراض مقابل الفواتير، وبذلك كانت تتجنب إدراج الديون في ميزانياتها المصرح بها، وتحوّلت من شركة تضم 26 ألف موظف إلى مؤسسة مالية أكثر منها موردًا لقطع غيار السيارات."
ومن بين الذين دقوا ناقوس الخطر بشأن تداعيات هذه الانهيارات، محافظ بنك إنجلترا (BoE)، أندرو بايلي Andrew Bailey. فقد قارن انهيار شركتي «تريكلور» و«فيرست براندز» بأزمة القروض العقارية عالية المخاطر التي سبقت الأزمة المالية لعام 2008.
وفي شهادته أمام لجنة تنظيم الخدمات المالية التابعة لمجلس اللوردات، اعتبر بايلي أن السؤال الكبير المطروح اليوم هو ما إذا كان هذان الفشلان حالتين استثنائيتين أم أنهما بمثابة "الكناري في منجم الفحم".
“لا أريد أن أبدو مفرطاً في القلق، لكن هناك سبب إضافي مهم وراء هذا السؤال، وهو أنه إذا عدنا إلى ما قبل الأزمة المالية، عندما كنا نناقش قروض الرهن العقاري عالية المخاطر في الولايات المتحدة، كان يُقال لنا: "لا، الأمر أصغر من أن يكون نظاميا، إنها حالة ذات طابع خاص". لم يكن ذلك هو الموقف الصحيح".
ويواصل بايلي قائلاً: «نحن نبدأ بالتأكيد في رؤية، على سبيل المثال، ما كان يُسمى في السابق بـ"تقسيم القروض إلى شرائح" (slicing and tranching) في تقسيم هياكل القروض، وإذا كنتَ منخرطًا في هذا المجال قبل الأزمة المالية وأثناءها، فإن أجراس الإنذار تبدأ في الدق وقتها"
بعبارة أخرى، تقول بريدن: «كنا نشك في أن هناك شيء مقلق للغاية يحدث على نطاق واسع في قطاع القروض الخاصة، وهو قطاع يتسم بعدم المسؤولية والغموض. والآن، صار لدينا أدلة ملموسة" وانضمت إليهم أصوات أخرى. فقد صرح جيمي ديمون Jamie Dimon، رئيس بنك «جيه بي مورغان تشيس» JPMorgan Chase والذي تكبد خسارة قدرها 170 مليون دولار في أعقاب انهيار شركة «تريكلور»، قائلاً: "تُسْتنفر حواسي عندما تَحْدُثُ أمور من هذا القبيل. ربما ما كان عليّ أن أقول ذلك، لكن عندما ترى صرصورًا واحدًا، فمن المحتمل أن يكون هناك المزيد."
وقد نجحت «حواس» السيد ديمون بالفعل في التقاط حجم المشكلة ذاته. وبالعودة إلى جودة (أو سوء) نوم مدير صندوق النقد الدولي، فإن مفتاح حلّ هذا اللغز يكمن في الأبحاث الحديثة التي أجراها صندوق النقد الدولي، والتي تشير إلى أن البنوك الأمريكية والأوروبية قد أقرضت 4,5 مليار دولار لشركات القروض الخاصة وصناديق المضاربة وغيرها من الجهات المقرضة غير المصرفية.
وهو ما يعني، وفقًا لمجلة الإيكونوميست the Economist، «أن ما يحدث في قطاع القروض الخاصة له تأثير أكبر على البنوك، والعكس صحيح. ولن يكون أي منهما في مأمن من تباطؤ عام في الاقتصاد أو ازدياد حالات الإفلاس. ويَخْشَى المستثمرون والمصرفيون على حدّ السّواء، في سرّهم، من أن تكون معايير الإقراض مرنة أكثر من اللازم في الآونة الأخيرة».
ويكشف تعليق آخر لمحافظ بنك إنجلترا، بايلي، مدى انفصال الجهات الفاعلة الرئيسية في قطاع رأس المال الاستثماري عن المخاطر التي تشكلها في الوضع الراهن: «حضرتُ اجتماعًا مع أشخاص من عالم رأس المال الاستثماري والقروض الخاصة قبل بضعة أشهر، وأخبروني بالطبع أن كل شيء على ما يرام في عالمهم، باستثناء دور وكالات التصنيف الائتماني، فقلتُ: "لن نكرر هذا الفيلم مرة أخرى، أليس كذلك؟"
فالواضح إذن أن قادة بنك إنجلترا (BoE) يعتقدون أننا نعيش مرة أخرى الفترة التي سبقت عام 2008 – فما الذي يمكن أن يسير على نحو خاطئ؟ كيف يمكن مقارنة انهيار سوق الأسهم الأمريكية اليوم بالأزمات السابقة؟
كتبت السيدة جيتا جوبيناث Gita Gopinath، النائبة الأولى السّابقة للمدير العام لصندوق النقد الدولي، مقال رأي قَيِّمًا في مجلة الإيكونوميست، أوضحت فيه الأسباب التي تجعل أزمة سوق الأسهم الأمريكية ستكون لها تداعيات عالمية. وتؤكد السيدة جوبيناث بالقول: "... هناك أسباب وجيهة للخوف من أن يكون الارتفاع الحالي يمهد الطريق لتصحيح جديد ومؤلم في السوق. ومع ذلك، قد تكون تداعيات مثل هذا الانهيار أشد خطورة وأكثر عالمية بكثير من تلك التي شهدناها قبل ربع قرن. "ويكمن في قلب هذا الخوف حجم التهديد، على الصعيدين الوطني والدولي، من الأسهم الأمريكية." فالفقاعة تجذب الجميع. فقد زادت الأسر الأمريكية بشكل كبير من استثماراتها في سوق الأسهم الأمريكية. وضخ المستثمرون الأجانب – لا سيما من الاتحاد الأوروبي – وصناديق المضاربة وصناديق التقاعد رؤوس أموال في الأسهم الأمريكية. "هذا التشابك المتزايد يعني أن أي انخفاض حاد في الأسواق الأمريكية سيكون له صدى في جميع أنحاء العالم."
أكثر ما يثير الاهتمام في مقال السيدة غوبيناث هو أنها تحاول الاستناد في تقديراتها إلى أرقام محددة. "لوضع الانعكاس المحتمل في سياقه الصحيح، أُقَدِّرُ أن تصحيحاً في السوق بحجم يضاهي انهيار سوق الإنترنت قد يؤدي إلى محو أكثر من 20 ألف مليار دولار من ثروة الأسر الأمريكية، أي ما يعادل حوالي 70% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في عام 2024. ما يزيد عدة مرات عن الخسائر التي تكبّدَتْها الأسواق خلال انهيار أوائل سنوات الألفين.
"قد يتكبّد المستثمرون الأجانب خسائر في الثروة تتجاوز 15000 مليار دولار، أي ما يعادل حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي في بقية دول العالم. وعلى سبيل المقارنة، تسبّب انهيار سوق الإنترنت في خسائر أجنبية بلغت حوالي 2000 مليار دولار، أي ما يعادل اليوم حوالي 4000 مليار دولار، وأقل من 10% من الناتج المحلي الإجمالي لبقية دول العالم في ذلك الوقت.
"باختصار، من غير المرجح أن يؤدي انهيار سوق الأسهم اليوم إلى الرّكود الاقتصادي القصير والخفيف نسبيًّا الذي أعقب انهيار مؤشر «دوت.كوم». فهناك اليوم ثروة أكبر بكثير على المحك وهامش سياسي أضيق بكثير للتخفيف من صدمة أي عملية تصحيح. فنقاط الضعف الهيكلية والسياق الاقتصادي الكلي أكثر خطورة. وعلينا أن نستعد لعواقب عالمية أكثر خطورة."
هناك دلائل أكيدة على أن فقاعة المضاربات على وشك الانفجار. ومن مؤشرات ذلك ارتفاع «ديون الهامش»، وهي القروض التي يحصل عليها المستثمرون من الوسطاء لشراء الأسهم. ومثل ذلك مثل من يحصل على قرض من كازينو ليراهن في ذات الكازينو بمبالغ أكبر. وعندما يخسر الرهان، ينتهي به الأمر بخسارة لديه من مال فيضطر إلى سداد دين لمالك الكازينو.
تُعلِمنا السيدة غوبيناث أن ديون الهامش للمستثمرين قد ارتفعت بنسبة 32% لتصل إلى 1.3 تريليون دولار بين شهر ماي وسبتمبر من هذا العام. المرة الوحيدة التي ارتفعت فيها ديون الهامش بوتيرة أسرع خلال فترة خمسة أشهر كانت خلال جائحة كوفيد-19 في عام 2020 – حيث ارتفعت بنسبة 35% – وفي أوائل سنة 2000، مباشرة قبيل انفجار فقاعة الإنترنت. هذه الأرقام تروي لنا في الواقع قصة. السوق تشهد ارتفاعًا مفرطًا. يتورط المزيد والمزيد من الناس في الديون، أملا في جني أقصى ما أمكن من العوائد المرجوة. وهو ما يعني بعبارة أخرى، أنهم يراهنون بمبالغ أكبر. وإذا حدث ما يزعزع استقرار السوق – وسيكون الأمر مسألة «متى» وليس «هل» – فستكون العواقب أكثر كارثية.
ولن يقتصر تأثير ذلك على «البنوك الشبح» فحسب. فكما أوضحنا سابقًا، هناك تداخل متزايد يصل إلى عدة آلاف من المليارات من الدولارات التي أقرضها القطاع المصرفي الأمريكي والأوروبي لمشغلي "البنوك الموازية".
فكيف سيستجيب استراتيجيو الرأسمالية العالميون لحدوث انهيار جديد محتمل؟ من المرجح جدًّا أن يحاولوا مرة أخرى اللجوء إلى تدخل الدولة، من خلال زيادة الإنفاق العام كما من خلال ضخ السيولة في المنظومة عن طريق البنوك المركزية. غير أنه، وقبل أن تضرب مثل هذه الأزمة أصلا، تكون موارد الدولة المالية قد تعرضت بالفعل للاستنزاف.
تبلغ نسبة الدين العام الإجمالي من الناتج المحلي الإجمالي PIB في الاقتصادات المتقدمة حالياً ما يقرب من 110٪، وهي نسبة قريبة من رقم قياسي تاريخي. وقد أدى ارتفاع أسعار الفائدة منذ عام 2022 – الذي سَنّتْهُ البنوك المركزية للسيطرة على التضخم، والذي يعزى جزئياً إلى الزيادات السابقة في الدين – إلى عبء ثقيل للديون.
لقد باتت الدول الغنية تنفق على خلاص فوائد الديون نصف ما تنفقه على الدفاع الوطني. وما تزال تواصل الاقتراض. هذا العام، سيتجاوز متوسط العجز في الاقتصادات المتقدمة 4٪ من الناتج المحلي الإجمالي — وسيتجاوز في الولايات المتحدة 6٪. وقد تخطّى الدين العام الأمريكي المستوى التاريخي البالغ 38 ألف مليار دولار (بزيادة تريليون دولار في غضون شهرين فقط).
وأي محاولة لاستخدام موارد الدولة المالية من أجل التخفيف من أثر الأزمة ستثير مرة أخرى وعلى الفور السؤال: «من سيدفع الفاتورة؟».
فبعد مرور 17 عامًا على انهيار عام 2008، لم يعرف جيل كامل سوى تدهور مستوى المعيشة، جيل حرمه هذا النظام المتداعي، أي الرأسمالية، من الأمل في المستقبل. إن الفترة المقبلة ستكون اختبارًا صعبًا لاستقرار النظام الرأسمالي على الصعيد العالمي.
هوامش 1 – رابط المقال في لغته الاصلية (الانجليزية) Shadow banking: a ticking time bomb under the US economy
#جيلاني_الهمامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إدغار مورين: الموسوعي في غير عصر الموسوعات
-
صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (النص الكامل)
-
الذكاء الاصطناعي ومستقبل الرأسمالية من منظور ماركسي ونيوكلاس
...
-
صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا - الجزء الثالث
-
صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الأول)
-
صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الثاني)
-
الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل - النص الكامل
-
الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل (1) (الجزء الثاني)
-
رفع العقوبات عن النقابيين خطوة على طريق المصالحة
-
الطاهر الهمامي شاعر في رأسه عقل (1) (الجزء الأول)
-
نظام ترامب يساعد كبرى الشركات من خلال التلاعب الضريبي، ويعرض
...
-
تدفق السيولة النقدية وتداعياتها الاقتصادية
-
مؤتمر اتحاد الشغل: مؤتمر ليس ككلّ المؤتمرات
-
الزيادات في الأجور: -عيش بِالْمْنَى يا كمون-
-
-معركة- المواقع .. آخر -المعارك- قبيل المؤتمر
-
الحرب على إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي (1) - ترجمة
-
أي مؤتمر يحتاجه الاتحاد في الظرف الراهن؟
-
في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الاخي
...
-
في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الثان
...
-
في نسف المكتسبات النقابية أو الفاشية الاجتماعية (الجزء الأول
...
المزيد.....
-
الذهب يهبط دون 4100 دولار للأونصة لأول مرة منذ 11 يونيو
-
انفصام الأسعار.. ترامب يتهم شركات النفط بالتلاعب ويأمر بفتح
...
-
أمريكا تختبر منظومة -القبة الذهبية- الصاروخية الدفاعية.. ووز
...
-
Honor تعلن عن هاتفها الجديد ومواصفاته المنافسة
-
النقل العراقية: لا وجود لربط سككي مع أفغانستان عبر إيران حال
...
-
حين تتوقف الحروب عن إنتاج النهايات
-
أسعار الذهب تهبط دون 4100 دولار للأونصة للمرة الأولى منذ 11
...
-
الجزائر وروسيا تبحثان في موسكو آفاق تعزيز الشراكة الاقتصادية
...
-
ترمب: سمحت لإيران باستخدام 6 مليارات مجمدة لشراء سلع أمريكية
...
-
بعد السلاح.. لبنان ينظر في أكثر ملفات حزب الله خطورةبعد سنوا
...
المزيد.....
-
الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي
...
/ سالان مصطفى
-
دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر
/ إلهامي الميرغني
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ د. جاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق
/ مجدى عبد الهادى
-
الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري
/ مجدى عبد الهادى
-
تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر
...
/ محمد امين حسن عثمان
المزيد.....
|