أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإنصات والذاكرة على هامش «المريضة الصامتة» …














المزيد.....

ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإنصات والذاكرة على هامش «المريضة الصامتة» …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 14:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ليس الإنسان كائنًا يقع في حب الآخر فحسب ؛ فالوقوع أوسع من ذلك بكثير ، قد يقع في حب شخص ، أو فكرة ، أو زمن ، أو مكان ، أو حتى رمز يختصر له شيئًا من ذاته وذاكرته ، وعلى امتداد التاريخ ، وقعت أجيال في حب العمامة والسيف ، ثم جاءت أجيال أخرى لتقع في حب الخوذة والبندقية والمسدس ، وربما لا تكمن المسألة في هذه الأشياء بذاتها ، بقدر ما تكمن في حاجة الإنسان إلى ما يمنحه شعورًا بالانتماء والأمان ، فالرموز تتغير ، لكن حاجتنا إليها تبقى ، لهذا تبدو بعض الخلافات حول الماضي والحاضر وكأنها لا تنتهي ؛ لأن الناس لا يدافعون دائمًا عن الأشياء التىّ يرونها ، بل عن المعاني التىّ وضعوها داخلها ، وقد يتحول النقاش حول العمامة أو الطربوش أو الخوذة إلى دفاع عن مرحلة كاملة من الحياة ، وعن صورة للذات يخشى الإنسان أن يفقدها إذا تخلى عن رموزها .

لكن الزمن لا يفاوض أحدًا ، فالبيوت تتقادم ، والوجوه تتغير ، والإنسان نفسه يمضي إلى نهايته ، وحتى الأشياء التىّ شكلت طقوس حياتنا اليومية تتحول مع الوقت إلى ذكريات ، كان الصباح ، في زمن قريب ، يبدأ بفنجان قهوة وصحيفة ، وكان الورق يصل إلى البيت محملًا بأخبار العالم ، وكان القارئ يقلب صفحاته بهدوء ، كأنه لا يقرأ الأخبار فقط ، بل يستقبل يومه من خلالها ، واليوم تغير المشهد ؛ تصل الأخبار إلى الهاتف قبل أن يكتمل الصباح ، وأصبحت الصحيفة بالنسبة إلى أجيال جديدة جزءًا من ذاكرة زمن لم تعشه ، وهكذا لا تختفي الأشياء وحدها ؛ تختفي معها عادات صغيرة كانت تمنح الحياة إيقاعها ، وربما لهذا لفتت انتباهي ، وأنا أقرأ المريضة الصامتة لأليكس ميكايليدس ، فكرة أخرى أكثر عمقًا : ماذا يحدث عندما يصبح الصمت نفسه مكانًا يسكنه الإنسان؟ ، في الرواية ، لا يبدو الصمت مجرد امتناع عن الكلام ، بل بابًا مغلقًا يقف خلفه شيء لا نعرفه ، ومن هنا تبدأ العلاقة بين المريض ومن يحاول فهمه ؛ فالمعالج لا يواجه حكاية مكتملة ، وإنما يحاول الوصول إلى ما لم يُقل .

وهذه الفكرة تتجاوز الرواية والمرض النفسي ، فالإنسان في حياته اليومية يحمل أشياء كثيرة لا يقولها ، هناك ذكريات لا يريد الاقتراب منها ، ومشاعر لا يعرف كيف يسميها ، وخيبات يتعامل معها وكأنها انتهت ، بينما تظل حاضرة في داخله ، لهذا يصبح الإنصات أكثر أهمية مما يبدو ، فالإنسان قد لا يتعلق بمن يقدم له النصيحة ، لكنه قد يتعلق بمن يصغي إليه ، هناك فرق بين أن يسمعك شخص وأن يجعلك تشعر بأنك مسموع ، ولهذا قد تنشأ أحيانًا مشاعر قوية تجاه المعالج النفسي ؛ لأن المريض يجد أمامه شخصًا يمنحه مساحة للكلام دون استعجال أو إدانة ، وفي علم النفس تُعرف إحدى الظواهر المرتبطة بذلك باسم التحويل العاطفي (Transference) ، حيث يمكن للفرد أن ينقل إلى شخص حاضر مشاعر وتوقعات تشكلت في علاقات سابقة ، فيصبح الشخص الذي أمامه ، من دون أن يقصد ، مرتبطًا في ذهنه بصورة الأب أو الأم أو الحبيب أو أي شخصية تركت أثرًا عميقًا في حياته ، لذلك قد لا يكون التعلق بالمعالج متعلقًا بشخصه وحده ، وإنما بما يمثله للمريض من أمان أو إصغاء أو اعتراف .

فالإنسان لا يدخل علاقاته الحالية خاليًا من ماضيه ، قد يحمل معه أبًا متسلطًا ، أو أمًا قاسية ، أو شعورًا قديمًا بالإهمال ، ثم تظهر هذه التجارب بصورة جديدة داخل علاقة عاطفية أو زوجية لاحقة ، ولهذا لا تكون كل دمعة بسبب اللحظة التىّ نراها أمامنا ؛ أحيانًا تكون الدمعـة قديمة ، لكن الحادثة الجديدة منحتها فرصة الظهور ، وربما تكون إحدى وظائف العلاج النفسي هي مساعدة الإنسان على اكتشاف هذا الترابط : لماذا يؤلمه الحاضر بهذه القوة ؟ ولماذا تبدو بعض الخيبات أكبر من أسبابها المباشرة ؟ وما الذي ينتمي فعلًا إلى اليوم ، وما الذي جاء معه من سنوات بعيدة؟

إن فهم الماضي لا يعني العودة إليه ، بل معرفة الطريقة التىّ ما زال يعيش بها في الحاضر ، ومن هنا يمكن النظر أيضًا إلى بعض أشكال الانجذاب الإنساني ، فقد يظن الإنسان أنه ينجذب إلى شخص بعينه ، بينما يكون في الحقيقة منجذبًا إلى الإحساس الذي يختبره بالقرب منه ، وقد يفسر هذا ، في أحد جوانبه ، انجذاب بعض الرجال إلى الراقصة ، فالرقص ليس حركة جسدية فحسب ؛ إنه حضور وإيقاع وثقة وقدرة على جذب الانتباه ، وقد يكون ما يجذب المتلقي أوسع من الجسد ، ليشمل صورة امرأة تعرف كيف تحضر أمام الآخرين وكيف تجعلهم يشعرون بأنهم يرونها وتراهم في الوقت نفسه .

مرة أخرى ، لا نعرف دائمًا ما الذي نحبه بالضبط ، قد نحب شخصًا لأن وجوده يوقظ فينا شيئًا افتقدناه ، وقد نحب زمنًا لأننا نشتاق إلى النسخة التىّ كنا عليها آنذاك ، وقد نتمسك برمز لأن التخلي عنه يبدو وكأنه تخلي عن جزء من ذاكرتنا .

وهكذا تلتقي أشياء تبدو متباعدة : العمامة والسيف ، الجريدة وفنجان القهوة ، المريض وطبيبه ، الراقصة وجمهورها ، وحتى الصمت نفسه ، كلها تقود إلى سؤال واحد : ما الذي يبحث عنه الإنسان في الخارج ، بينما قد يكون أصل الحكاية في داخله؟

ربما لهذا تبدو المريضة الصامتة أكثر من رواية عن امرأة لا تتكلم مع طبيبها النفسي الذي هو من قتل زوجها الخائن مع زوجته ، إنها تفتح سؤالًا إنسانيًا أوسع عن الأشياء التىّ نخفيها ، وعن الذكريات التىّ ندفنها ، وعن حاجتنا إلى شخص يستطيع أن يصغي دون أن يخاف من صمتنا .

فربما ليست المشكلة أننا لا نملك ما نقوله .

ربما المشكلة أن بعض ما في داخلنا يحتاج إلى من يصغي إليه طويلًا ، قبل أن يجد الكلمات ، " وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا
وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
" — المتنبي … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كينيدي🇺🇸وعبد الناصر : عندما يصطدم سؤال الحري ...
- حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد ال ...
- لماذا😶لم تنسحب طالما طالبت بانسحاب الجبناء؟ …
- الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من با ...
- الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتع ...
- من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨‍🍳: مَن ي ...
- العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴 ...
- الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا ...
- من نهفات الحرب على إيران: باب المندب🚪... حيث يدفع ال ...
- السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …
- الاصطدام العربي الإيراني:بين لعبة الأمم 🇺🇳 و ...
- صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …
- من جغرافيا الطاقة⛽إلى جغرافيا الذكاء🤖…
- بين معطف🧥غوغول وصراع النظريات:جدلية المبدأ والنتيجة ...
- إيران🇮🇷تمدد نفوذها إلى باب المندب:تحولات الق ...
- الفساد حين يصبح قدراً: نظرة👀طفل في هشاشة البناء الأخ ...
- قراءة📕في تحوّلات الموقف الدولي تجاه إسرائيل:من المقا ...
- سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إ ...
- طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة ...
- -الدولة الفلسطينية 🇵🇸 والتحولات الإسرائيلية: ...


المزيد.....




- السيسي عن سدود إثيوبيا: الحلول السلمية ليست على حساب وجود مص ...
- خسائر بالمليارات.. السيسي يكشف فاتورة اضطرابات الشرق الأوسط ...
- بن سلمان يبحث تطورات الأوضاع في المنطقة مع أمير قطر ونائب رئ ...
- المحيط الهادئ.. لحظة انفجار المركبة الفضائية -ستارشيب-
- بعد تواجد استمر 12 عاما.. إيطاليا تسحب آخر جندي لها من العرا ...
- الدين العام لأوكرانيا يبلغ مستوى قياسيا جديدا
- رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقا يسلّط الضوء على -الح ...
- واشنطن تستثني الخطوط الجوية العراقية من العقوبات على إيران و ...
- أوكرانيا تدرس إعلان كييف -مدينة متاخمة لخط الجبهة-
- إيراهيم عزيزي: سنبقى نحن والدول المجاورة في هذه المنطقة وجها ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإنصات والذاكرة على هامش «المريضة الصامتة» …