أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - طرديات أبي نواس















المزيد.....

طرديات أبي نواس


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 14:54
المحور: الادب والفن
    


​يُعدّ شعر الطرديّات (قصائد الصيد) عند أبي نواس من أبرز أغراضه الشعرية وأهمها بعد خمرياته؛ فقد أحدث فيه ثورة أسلوبية وفنية مزجت بين الموروث التراثي والابتكار الحضري.

​أهم سمات طرديات أبي نواس:


​الدقة والتجسيد البصري والحركي: يمتلك أبو نواس قدرة فائقة على رسم مشاهد حية ومتحركة؛ فيصف الكلب أو الصقر بدقة تشريحية (كالمرونة، امتداد الذراعين، واسترخاء الأذنين)، ويضفي على المطاردة حركة تجعل المشهد كأنه لقطة سينمائية حية.

​الإيقاع الموسيقي المتسارع: اعتمد غالباً على أوزان مشطورة أو خفيفة (كالرجز والمنسرح والزحافات المتسارعة) لتناسب الإيقاع السريع للمطاردة والعدو.


​المزج بين الطابع التراثي والروح النواسية: برغم التزامه بتقاليد الفن وشروطه الصارمة، إلا أنه طَعَّمَ قصائده بالسخرية والدعابة وحب الحياة، مع الاهتمام بتفاصيل المشهد الختامي (إعداد الشواء، إشعال النار، والاحتفال بالظفر بالصيد).


​الموضوعية والتخصص: أفرد للصيد قصائد مستقلة بذاتها، بينما كان الشعراء قبله يصفون الصيد في أبياتٍ معدودة ضمن قصائدهم متعددة الأغراض.



​أسباب ورود الألفاظ الغريبة في شعره:

​من اللافت أن يكثر أبو نواس—وهو زعيم التجديد والشاعر الحضري الساخر—من غريب الألفاظ ووحشيّها (مثل: الانتياط، الالتباط، الأعراض، العلهب، الخماط)، ويعود ذلك لأسباب رئيسية:


​النشأة في البادية: أمضى جانباً من حياته في بادية بني أسد ليتعلم العربية الفصحى على أصولها، فتأثر بالقاموس البدوي القديم وألفاظه الجزلة.

​تأثره بشيوخه: أخذ اللغة الأدبية عن كبار أئمة النحو واللغة في عصره (مثل خلف الأحمر ووالبة بن الحباب)، وكانوا يحرصون على جمع الغريب وروايته.

​إثبات المقدرة اللغوية: أراد أن يثبت لخصومه ونقّاده من اللغويين والمحافظين أنه يملك زمام المعجم العربي ويحيط بألفاظه الغامضة، وأن تجديده وتبسيطه للغة الشعر ينبعان من اختيارٍ لا عن ضعفٍ أو عجز.



​نموذج تطبيقي: أرجوزة (كَلْبٌ كَالصَّقْرِ)

​تُمثّل هذه الأرجوزة النواسيّة نموذجاً متقدماً لشعر الطرد؛ جمع فيها بين الإيقاع المتسارع على بحر الرجز، والدقة التشريحية البصرية في رسم حركة الكلب وقدرته على اقتناص الطريدة، وصولاً إلى المشهد الحسي الذي اختتم به القصيدة بوصف الشواء ورائحته:


​أَنْعَتُ كَلْباً جَالَ فِي رِبَاطِهِ ... جَوْلَ مُصَابٍ فَرَّ مِنْ أَسْعَاطِهِ

​عِنْدَ طَبِيبٍ خَافَ مِنْ سِيَاطِهِ ... هِجْنَا بِهِ وَهَاجَ مِنْ نَشَاطِهِ

​كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي انْخِرَاطِهِ ... عِنْدَ تَهَاوِي الشَّدِّ وَانْبِسَاطِهِ

​يُقَمِّمُ الْقَائِدُ فِي حِطَاطِهِ ... وَقَدِّهِ الْبَيْدَاءَ فِي اعْتِبَاطِهِ

​لَمَّا رَأَى الْعَلْهَبَ فِي أَقْوَاطِهِ ... سَابَحَهُ وَقَرَّ فِي الْتِبَاطِهِ

​كَالْبَرْقِ يَذْرِي الْمَرْوَ بِالْتِقَاطِهِ ... مِثْلَ قَلِيٍّ طَارَ فِي أَنْفَاطِهِ

​وَانْصَاعَ يَتْلُوهُ عَلَى قِطَاطِهِ ... أَغْضَفُ لَا يَيْأَسُ مِنْ خِلَاطِهِ

​يَصِيدُ بَعْدَ الْبُعْدِ وَانْبِسَاطِهِ ... إِنْ لَمْ يَبِتَّ الْقَلْبُ فِي انْتِيَاطِهِ

​فَلَمْ يَزَلْ يَأْخُذُ فِي لِطَاطِهِ ... كَالصَّقْرِ يَنْقَضُّ عَلَى غِطَاطِهِ

​يَقْشِرُ جِلْدَ الْأَرْضِ مِنْ بِلَاطِهِ ... بِأَرْبَعٍ يَقُولُ فِي إِفْرَاطِهِ

​لِشِدَّةِ الْجَرِيِ وَلِاسْتِحْطَاطِهِ ... مَا إِنْ تَمَسُّ الْأَرْضَ فِي أَشْوَاطِهِ

​قَدْ ذُدِشَتْ رِجْلَاهُ فِي آبَاطِهِ ... وَخَرَمَ الْأُذْنَيْنِ بِانْتِشَاطِهِ

​خَلْجُ ذِرَاعَيْهِ إِلَى مِلَاطِهِ ... يَنْقَدُّ عَنْهُ الضَّيْقُ بِانْعِطَاطِهِ

​فِي هَبَوَاتِ الضَّيْقِ أَوْ رِيَاطِهِ ... فَأَدْرَكَ الظَّبْيَ وَلَمْ يُبَاطِهِ

​وَلَفَّ عِشْرِينَ إِلَى أَشْرَاطِهِ ... فَلَمْ نَزَلْ نَقْرِنُ فِي رِبَاطِهِ

​وَيَخْمِطُ الشَّاؤُونَ مِنْ خَمَّاطِهِ ... وَيَطْبُخُ الطَّابِخُ مِنْ أَسْقَاطِهِ

​حَتَّى عَلَا فِي الْجَوِّ مِنْ شِيَاطِهِ



​شرح الأبيات الستة الأولى وتوضيح المعاني والمفردات:

𔁯. أَنْعَتُ كَلْباً جَالَ فِي رِبَاطِهِ ... جَوْلَ مُصَابٍ فَرَّ مِنْ أَسْعَاطِهِ


​المعنى: يبدأ الشاعر بوصف كلب الصيد (أَنْعَتُ: أصف)، فيقول إنه يتلمّظ ويتحرك بقلة صبر في قيده حماساً للصيد، متقلباً كشخص مصاب بالجنون أو الصرع يفرّ من المعالجة بالسَّعُوط.

​المفردات: أَنْعَتُ: أصف | أَسْعَاط: جمع سَعُوط، وهو الدواء الذي يُصَبُّ في الأنف.



𔁰. عِنْدَ طَبِيبٍ خَافَ مِنْ سِيَاطِهِ ... هِجْنَا بِهِ وَهَاجَ مِنْ نَشَاطِهِ


​المعنى: يتابع تشبيه حركة الكلب بالمرضى الذين يخافون الطبيب وسياطه، فلما أثرنا حماسته للصيد (هِجْنَا بِهِ)، هاج وزاد نشاطه واستعداده للهجوم.



𔁱. كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي انْخِرَاطِهِ ... عِنْدَ تَهَاوِي الشَّدِّ وَانْبِسَاطِهِ


​المعنى: يشبه الكلب عند انطلاقه السريع بشهاب أو كوكب دريّ يتهاوى ويسقط بلمعان وسرعة، وذلك عندما يبدأ بالركض السريع (الشَّدّ) ويمتدّ جسمه طائراً في الهواء.

​المفردات: انْخِرَاطِهِ: انطلاقه وسقوطه السريع | تَهَاوِي الشَّدِّ: تتابُع وثبات السرعة والعدو.



𔁲. يُقَمِّمُ الْقَائِدُ فِي حِطَاطِهِ ... وَقَدِّهِ الْبَيْدَاءَ فِي اعْتِبَاطِهِ


​المعنى: الكلب يندفع بسرعة وقوة متعباً صاحبه (القائد) الذي يمسك بزمامه، ويمزق الأرض والبادية بجريه وانطلاقه الشديد دون هيبة أو توقف.

​المفردات: يُقَمِّمُ: يغلبه أو يرفعه ويلفّه من شدة اندفاعه | اعْتِبَاطِهِ: اختراقه الأرض وقَطْعه لها بجرأة وقوة.



𔁳. لَمَّا رَأَى الْعَلْهَبَ فِي أَقْوَاطِهِ ... سَابَحَهُ وَقَرَّ فِي الْتِبَاطِهِ


​المعنى: عندما أبصر الكلب التيس الجبلي الشديد أو الثور الوحشي (العلهب) بين قطيعه، اندفع نحوها كأنه يسبح في الهواء، ولصق به ولم يفارقه حتى يصرعه.

​المفردات: الْعَلْهَب: التيس الجبلي أو الثور الوحشي الضخم | أَقْوَاطِهِ: جمع قَوْط، وهو القطيع من الشاء أو الظباء | الْتِبَاطِهِ: ملازمته والتصاقه بالصيد.



𔁴. كَالْبَرْقِ يَذْرِي الْمَرْوَ بِالْتِقَاطِهِ ... مِثْلَ قَلِيٍّ طَارَ فِي أَنْفَاطِهِ


​المعنى: ينطلق الكلب كخطفة البرق، ومن شدة ضربات قوائمه بالحجارة الصغار (المَرْو) يتطاير الحصى في الهواء كأنه حبات السمسم أو القمح المقلو المترامي في الزيت المغلي.

​المفردات: المَرْو: الحجارة الصغيرة البيضاء الصلبة | قَلِيٍّ: الحب المقلو | أَنْفَاطِهِ: فقاقيع الزيت عند غليانه.

الصياد
ايلول
٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة ...
- سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً
- الوشاء في كتابه الموشى يصف جمال الفارسيات
- قصة الشاعر الحلي وأبيات أبي الشيص
- أشهر شاعرتين من الخوارج: قراءة في سيكولوجية الدم والجمال
- الذكاء الاصطناعي يطيح برواية «كان ذلك أو الموت» من قائمة جائ ...
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف.ج٢
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف
- ظلال المفردات في النص التراثي
- في جماليات النص التراثي قراءات في التشكيل والرؤية .. كتاب كا ...
- ازهار الجوز كتاب كامل
- قصيدة ​أَطْلاَلُ حَانَةٍ ..لابي نواس: حداثة مبكرة
- من الذائقة إلى الخوارزمية: السرديات الكمية وتفكيك دينامية ال ...
- جرس مدرسة انقذ تسع مائة طالب بالنيبال
- كتاب الإيطاليون: جذور الظواهر الاجتماعية
- بطلة ماركيز ديلفينا: التعلق باللحظة المفصلية
- قصة طابور الموت تفتح ابواب النقد
- الروائية الألمانية كارولين فال: اقتطاع الوجع وصناعة الشهرة ا ...
- شِعبُ بَوّان للمتنبي: تبريرٌ للمغامرة
- الشعر الأندلسي في القرون الثلاثة الأولى


المزيد.....




- المخرجة كاملة أبو ذكري تنتقد إنتاج مسلسلات وأفلام عن -السفاح ...
- برج إيفل يشهد ليلة استثنائية.. ونجمتان عربيتان تخطفان الأضوا ...
- ياسمين صبري تخطف الأنظار بفستان أحمر في أسبوع الموضة بباريس ...
- -خيوط مصر-.. القاهرة توطد العلاقات مع موسكو
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث تعزيز الت ...
- التعليم العالى: مجلس جامعة بنها الأهلية يوافق على دراسة جدوى ...
- كيف انتهى المطاف ببوابة مصرية في ضاحية من ضواحي بطرسبورغ؟
- دال في ذكراه الـ225.. كيف صار الدنماركي دال حارسَ اللغة الر ...
- إيليا ريبين.. الفنان الذي لم يتوقف عن الرسم حتى آخر أيامه
- بعد التخدير الطبي.. لماذا تختفي إحدى لغات ثنائيي اللغة مؤقتا ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - طرديات أبي نواس