أكرم شلغين
الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 00:14
المحور:
قضايا ثقافية
هناك لحظات في حياة الإنسان يشعر فيها أن اللغة ليست الوسيلة الوحيدة للفهم. ليس لأن اللغة تفقد قيمتها، بل لأن شيئا أعمق يحدث أحيانا قبلها أو بعدها: شعور بالاستجابة، أو بالوجود المشترك، أو بطمأنينة لا تحتاج إلى شرح.
نحن لا نعيش داخل اللغة وحدها، بل داخل شبكة واسعة من العلاقات التي تتشكل خارجها أيضا. قد تكون مع إنسان، أو حيوان، أو مكان، أو حتى شيء لا يتكلم، لكنه يصبح جزءا من تجربتنا وذاكرتنا.
قد تتعلق امرأة مسنة بكلب في بيتها، لا لأنها تتوقع منه أن يفهم أفكارها، بل لأن وجوده يمنحها شعورا بأنها ليست وحدها. وقد يجد إنسان في مدينة غريبة راحة غامضة في وجه طفل يبتسم له، أو في صوت مألوف، أو في مكان يعيد إليه شيئا من ماضيه.
وفي فيلم Cast Away، تتحول كرة بسيطة إلى رفيق لرجل عالق وحيدا. لم تكن الكرة تملك وعيا ولا قدرة على الكلام، لكنها أصبحت مساحة يضع فيها الرجل صوته وخوفه وذكرياته. لم تكن أهميتها في ذاتها، بل في المعنى الذي اكتسبته داخل تجربته.
وهنا ربما تكمن المسألة كلها: لسنا دائما نتعامل مع الأشياء كما هي، بل كما تصبح في حياتنا.
لذلك يمكن أن تنشأ علاقة حقيقية من دون لغة مشتركة. يكفي أحيانا أن يكون هناك حضور يترك أثرا، واستجابة تمنحنا إحساسا بأن وجودنا لم يمر في العالم من دون أن يلمسه شيء آخر.
اللغة تنقل المعنى، لكن الشعور قد يسبقها. والفهم العقلي يفسر، لكن الإحساس هو الذي يربط.
ولهذا نحزن حين نفقد شيئا منحناه معنى خاصا، حتى لو كان ذلك الشيء لا يملك وعيا. فالفقد لا يتعلق دائما بما كان عليه الشيء، بل بما أصبح يمثله لنا.
وربما لهذا السبب ليست كل العلاقات قائمة على التكافؤ. بعضها يقوم على الاحتواء فقط.
فما نبحث عنه أحيانا ليس من يفهمنا كما نفهمه، بل من يجعلنا نشعر أن وجودنا ليس صامتا بالكامل.
وربما كان هذا هو سر بعض العلاقات التي لا تحتاج إلى لغة: أنها تذكرنا بأننا، قبل أن نكون كائنات ناطقة، كائنات حساسة. وأن الصمت، حين يفهمنا، قد يكون أبلغ من ألف كلمة، لأنه لا يقول شيئا عن العالم بقدر ما يقول شيئا عنا
#أكرم_شلغين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟