أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الماضي الذي كنا عليه: هل يحق للإنسان أن يصبح شخصا آخر؟















المزيد.....

الماضي الذي كنا عليه: هل يحق للإنسان أن يصبح شخصا آخر؟


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 02:55
المحور: قضايا ثقافية
    


لنتخيل امرأة ارتكبت، في مرحلة سابقة من حياتها، جريمة قتل. بعد ذلك غادرت المكان الذي وقعت فيه الجريمة، وبدأت حياة جديدة في مكان آخر لا أحد يعرفها فيه. مرت السنوات، وتغيرت حياتها، وتزوجت رجلا أحبها من دون أن يعرف شيئا عن ماضيها. ثم اكتشف، مصادفة، الحقيقة التي أخفتها عنه طوال تلك السنوات.
ما الذي ينبغي أن يراه فيها الآن؟ قاتلة؟ أم امرأة تغيرت؟ أم الاثنين معا؟
قد يبدو السؤال في البداية بسيطا: لقد قتلت إنسانا، ولذلك ينبغي أن تحاسب. لكن سرعان ما تتشعب الأسئلة. هل من قتل مرة يكون مستعدا للقتل مرة أخرى؟ وهل يكشف الفعل الواحد عن طبيعة ثابتة في الإنسان؟ وإذا كانت قد تغيرت فعلا، أفلا يكون من حقها أن تعيش حياة طبيعية؟ ثم ماذا عن الضحية؟ هل تستطيع السنوات أن تخفف من فداحة موت إنسان؟ وهل تعيد العقوبة الميت إلى الحياة؟
وربما السؤال الأعمق من كل ذلك ليس عن الجريمة أصلا، وإنما عن الزمن والإنسان: هل الإنسان الذي ارتكب الفعل قبل عشرين عاما هو الإنسان نفسه الذي نقابله اليوم؟
نحن نميل، عندما ننظر إلى الماضي، إلى ارتكاب مفارقة خفية: نحاكم الإنسان الذي كان بما نعرفه نحن الآن. نعرف النتيجة، ولذلك يبدو لنا أحيانا أن الطريق إليها كان واضحا منذ البداية. لكن علم النفس يعرف ظاهرة تسمى التحيز بأثر رجعي (hindsight bias)، وهي ميلنا، بعد معرفة النتيجة، إلى المبالغة في تقدير مدى إمكانية توقعها مسبقا. وقد بينت الأدبيات النفسية أن معرفة النتيجة قد تجعل الحدث يبدو أكثر حتمية وقابلية للتوقع مما كان عليه فعلا.
وهذا يغير الطريقة التي ننظر بها إلى أخطائنا القديمة. كم مرة قلنا لأنفسنا: كيف فعلت ذلك؟ كيف لم أدرك يومها ما أدركه الآن؟ لكن السؤال العادل ربما ليس: لماذا لم تعرف آنذاك ما تعرفه الآن؟ بل: ماذا كان بإمكانك أن تعرف آنذاك؟
تخيل أننا نستطيع السفر عبر الزمن. لكننا لا نعود إلى الماضي بعقلنا الحالي، وإنما نعود بالعمر نفسه، والخبرة نفسها، والخوف نفسه، والمعرفة نفسها، والظروف الاجتماعية والنفسية نفسها التي كانت تحيط بنا عندما اتخذنا القرار. هل كنا سنفعل شيئا مختلفا؟
لا نعرف.
لكن مجرد طرح السؤال يكشف شيئا مهما: نحن كثيرا ما نحاكم الماضي من موقع معرفي لم يكن متاحا لمن عاشه. الماضي يبدو لنا أكثر وضوحا لأنه لم يعد مستقبلا بالنسبة إلينا.
ولا يتعلق الأمر بالقرارات وحدها، بل بالإنسان نفسه. فنحن لسنا كائنات نفسية جامدة. تشير مراجعات ودراسات طولية إلى أن سمات الشخصية تستمر في التغير خلال مرحلة الرشد، وأن الثقة بالنفس، وضبط النفس، والاستقرار الانفعالي وغيرها يمكن أن تتغير مع العمر والخبرة، مع وجود فروق فردية كبيرة في مسارات هذا التغير.
وهذا لا يعني أن الإنسان يصبح شخصا آخر بالمعنى الحرفي. هناك استمرارية في الذاكرة والجسد والتاريخ والشخصية. لكن الاستمرارية لا تعني الجمود. قد يكون الإنسان، في الوقت نفسه، هو نفسه وغير نفسه: هو نفسه لأنه يتحمل تاريخ أفعاله، وغير نفسه لأن ذلك التاريخ لم يتوقف عن تشكيله وتغييره.
وهنا تظهر المسألة الأخلاقية.
إن القول إن الإنسان يتغير لا يعني أن التغير يمحو المسؤولية. فهم الظروف التي أدت إلى فعل ما ليس تبريرا له، كما أن تفسير الجريمة لا يعني إعفاء مرتكبها منها. المسؤولية الأخلاقية تتصل، من بين أمور أخرى، بالفعل والنية والقدرة على الاختيار وما كان الشخص يعرفه أو يستطيع معرفته حين تصرف.
لكن الفلسفة تجعل المسألة أكثر تعقيدا حين تضعنا أمام ما يسمى الحظ الأخلاقي (moral luck). فقد يعتمد جزء مما نحكم به على الإنسان على عوامل لم تكن تحت سيطرته. شخصان قد يقصدان الشيء نفسه، وقد يتصرفان بالطريقة نفسها، لكن نتيجة عارضة تجعل أحدهما قاتلا والآخر غير قاتل. وهنا ينشأ سؤال مزعج: إذا كانت النتيجة قد تأثرت بعامل خارج عن إرادة الفاعل، فلماذا يتغير حكمنا الأخلاقي بهذه الدرجة؟
ولا يعني هذا أن كل شيء يصبح نسبيا، أو أن المسؤولية مجرد وهم. لكنه يكشف أن أحكامنا الأخلاقية أكثر تعقيدا مما نحب أن نعتقد.
ولعل هذا هو ما يجعل قضية المرأة المتخيلة صعبة. لا يمكننا أن نقول ببساطة: "لقد قتلت، إذن هي قاتلة إلى الأبد". لكن لا يمكننا أيضا أن نقول: "لقد تغيرت، إذن ما فعلته انتهى". فهناك ضحية لا تستطيع أن تبدأ حياة جديدة، ولا تستطيع أن تستفيد من تغير القاتل. الزمن قد يغير الجاني، لكنه لا يعيد الموتى.
ربما تكمن المشكلة في أننا نبحث دائما عن حكم نهائي، بينما بعض الأسئلة الإنسانية لا تسمح بهذا النوع من اليقين. نريد أن نعرف: هل هي مذنبة أم بريئة؟ هل تغيرت أم لم تتغير؟ هل ينبغي أن نعاقب أم نسامح؟ لكن كل إجابة تفتح سؤالا آخر.
حتى حين نحاكم أنفسنا، نقع في المشكلة نفسها. نحن نعرف أشخاصا كناهم ولم نعدهم تماما. أفكار كنا نؤمن بها ثم تخلينا عنها. قرارات كنا نظنها صائبة ثم رأينا خطأها. أشخاصا كناهم ثم تجاوزناهم. وإذا كنا نطالب الآخرين بأن يبقوا إلى الأبد أسرى أسوأ ما فعلوه، فكيف يمكننا أن نطالب لأنفسنا بحق التغير؟
لكن الاعتراف بإمكان التغير لا يعني أن كل ادعاء بالتغير صحيح. قد يكون الندم صادقا، وقد يكون ذريعة. وقد تغير السنوات الإنسان، وقد لا تغيره. وقد يكون بعض الماضي قابلا للتجاوز، بينما يظل بعضه عبئا أخلاقيا لا يمكن التخلص منه.
لذلك ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل الماضي يحكم الإنسان؟
بل: إلى أي حد يحق لنا أن نجعل الماضي تعريفا كاملا للإنسان؟
نحن بحاجة إلى الماضي كي نفهم أنفسنا والآخرين. لكننا قد نظلم الإنسان إذا جعلنا الماضي عدسة وحيدة نراه من خلالها. وفي الوقت نفسه، قد نظلم الضحية إذا استخدمنا فكرة التغير لمحو ما حدث.
ولعل الحكمة ليست في اختيار أحد الطرفين، بل في القدرة على إبقاء التوتر بينهما: أن نفهم من دون أن نبرر، وأن نحاسب من دون أن ننكر إمكانية التغير، وأن نتذكر من دون أن نحول الذاكرة إلى سجن أبدي.
فمن يمتلك الحقيقة الكاملة عن الإنسان؟ ومن يستطيع أن يقدمها دون أن يترك شيئا خارج الصورة؟
ربما لا أحد.
وربما لهذا لا تكون قيمة التفكير في أن نصل دائما إلى جواب نهائي، بل في أن نعرف متى يكون الجواب الذي نملكه غير كاف.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر إنصافا للإنسان ليس: من كنت؟
بل:
ماذا فعلت بالإنسان الذي كنت عليه؟



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إذا أصبح الخيال العلمي واقعا... ماذا يفعل الإنسان بمخلوقاته؟
- الوطن بين مكان يمكن العودة إليه ومكان لا نستطيع العودة إليه، ...
- اللاذقية والغياب
- سوريا ليست لأحد وحده
- يكفي أن نعيش
- كيف يصبح المستقبل تهديدا
- التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع
- عندما يصبح الخيال أصدق من الواقع
- الوحش الكامن
- أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما ه ...
- سقط الأسد وبقيت الأسدية
- الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب ا ...
- القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟
- كتاب مقدس في الإنسانية
- تحت الركام
- امتثال أم انتماء؟
- الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
- هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة


المزيد.....




- قاض أمريكي يحدد موعد محاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11 سبتمبر ...
- وزير خارجية قطر يتوجه إلى إيران اليوم الخميس
- العراق: انسحاب قوات التحالف الدولي يسير بوتيرة متسارعة
- ترامب: نكثف الجهود لإنهاء نزاع أوكرانيا
- ترامب: نكثف العمل لإنهاء أزمة أوكرانيا
- -نيويورك بوست-: قرار قضائي بمحاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11 ...
- الجزائر: مصرع 12 شخصا جراء حرائق الغابات في 3 ولايات (فيديو) ...
- اجتماع أمني رفيع المستوى في البيت الأبيض بعد عودة راتكليف من ...
- داسو: من المتوقع أن تصبح مقاتلة رافال الجديدة جاهزة قبل عام ...
- الخارجية الإيرانية: السياسة الأمريكية تجاه بلادنا تحولت إلى ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - الماضي الذي كنا عليه: هل يحق للإنسان أن يصبح شخصا آخر؟