|
|
إذا أصبح الخيال العلمي واقعا... ماذا يفعل الإنسان بمخلوقاته؟
أكرم شلغين
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 15:35
المحور:
قضايا ثقافية
لطالما راودني اعتقاد بأن المسافة بين الخيال العلمي والعلم ليست دائما تلك المسافة الهائلة التي نتصورها. ما نعده اليوم خيالا علميا قد يصبح غدا واقعا علميا، أو على الأقل قد يتحول إلى سؤال علمي جدي بعد أن كان مجرد حلم في رواية أو فيلم. وربما كانت العبارة الشهيرة "Today s science fiction is tomorrow s science fact" تحتاج فقط إلى شيء من التحفظ: فليس كل ما تخيله الأدباء سيصبح حقيقة، لكن كثيرا مما تخيلوه أجبر العلماء لاحقا على أن يسألوا: لماذا لا نجرب؟ ولعل ماري شيلي كانت من أوائل الذين وضعوا هذا السؤال في قلب الأدب الحديث. عندما كتبت Frankenstein or, The Modern Prometheus سنة 1818، لم تكن تكتب قصة عن "وحش" بالمعنى البسيط الذي استقر في المخيلة الشعبية لاحقا. كانت تكتب عن إنسان أراد أن يخترق حدود الطبيعة، وأن يصنع الحياة بيديه، وأن يتحدى الموت. لكن المأساة لم تبدأ عندما نجح في خلق الكائن؛ بدأت عندما نجح في خلقه ثم رفض أن يتحمل مسؤولية ما خلق. في اللحظة التي فتح فيها فيكتور عينيه على مخلوقه، هرب منه وتركه وحيدا في عالم لا يعرفه ولا يعرف كيف يعيش فيه. والمخلوق، الذي لم يكن يريد في البداية أكثر من أن يجد مكانا بين البشر، اكتشف أن مظهره يجعله مرفوضا قبل أن يعرفه أحد. لكن ماري شيلي تذهب بالفكرة إلى مكان أكثر إثارة: المخلوق لا يطلب مالا ولا سلطة ولا خلودا. إنه يطلب رفيقا. يقول لخالقه، بصورة أو بأخرى: إذا كنت قد خلقتني وحيدا، فلماذا لا تمنحني كائنا مثلي أستطيع أن أعيش معه؟ وهنا يجد فيكتور نفسه أمام السؤال الذي سيعود إلينا اليوم بأشكال مختلفة: إذا صنع الإنسان كائنا جديدا، فهل يملك حق تقرير ما يحتاج إليه هذا الكائن؟ أم أن الخالق، بمجرد أن يخلق ذاتا واعية، يفقد حقه في معاملتها بوصفها ملكا له؟ ولذلك كان قرار فيكتور بتدمير الأنثى التي كان يصنعها لحظة شديدة الدلالة. لقد خاف أن يخلق كائنا آخر قد تكون له إرادته الخاصة، وأن يتكاثر المخلوقان، وربما يصبح نسلهما خطرا على البشر. لكنه، في الوقت نفسه، كان يسلب المخلوق حقه في الشيء الذي كان يطلبه: ألا يبقى وحيدا. وهنا تتحول رواية الرعب إلى سؤال أخلاقي عميق: نحن نستطيع أن نخلق الحياة، لكن هل نستطيع أن نضمن لها الحياة التي تريدها؟ ولعل السؤال نفسه عاد إلينا بصورة أكثر واقعية عندما ظهر موضوع الاستنساخ البشري. أتذكر كيف دارت النقاشات حول الاستنساخ والاستنسال، وكيف كان بعض الناس يتخيلون الأمر بطريقة تبدو، للوهلة الأولى، شديدة العملية: لماذا لا نستنسخ إنسانا مطابقا لنا، فإذا احتجنا في المستقبل إلى كلية أو كبد أو قرنية أو رئة، وجدناها جاهزة ومتوافقة معنا؟ لكن هذا التصور يخفي خطأ أخلاقيا هائلا: ماذا لو أن الإنسان الذي استنسخناه لم يبق "قطعة غيار"؟ ماذا لو ولد ونما وأصبح طفلا، ثم شابا، ثم إنسانا له أحلامه ومخاوفه ورغباته؟ ماذا لو نظر إلينا وقال: أنا لست كليتك الاحتياطية، ولست كبدك البديل، ولست نسخة منك. أنا أنا. عندها تصبح المسألة مرعبة في بساطتها. سرقة كلية من ذلك الإنسان لا تختلف أخلاقيا عن سرقة كلية من ابنك البيولوجي لمجرد أنك أنجبته. فالقرابة البيولوجية لا تمنحنا ملكية جسد الآخر، وكذلك التطابق الجيني لا يحول الإنسان إلى مستودع لأعضاء إنسان آخر. ولهذا فإن النقاش حول الاستنساخ لم يكن نقاشا علميا فقط. لقد كان، ولا يزال، نقاشا حول معنى الذات. منظمة اليونسكو، في إعلانها العالمي بشأن الجينوم البشري وحقوق الإنسان، تؤكد أن التقدم في علوم الجينوم يجب ألا يتقدم على كرامة الإنسان وحقوقه، وتنص صراحة على أن الاستنساخ التناسلي للبشر ممارسة لا ينبغي السماح بها. كما أن النقاش الدولي حول الاستنساخ لم ينته؛ بل ما زالت الهيئات الأخلاقية الدولية تناقش الفرق بين الاستنساخ لأغراض بحثية أو علاجية والاستنساخ التناسلي. لكن المدهش أن العلم لم يتوقف عند حدود الاستنساخ. لقد بدأنا نقترب من عالم كان سيبدو، قبل عقود قليلة، أقرب إلى روايات الخيال العلمي: تعديل الجينات، والخلايا الجذعية، والأعضاء المزروعة، وزراعة أعضاء حيوانية في أجساد بشرية. ففي مجال زراعة الأعضاء مثلا، لم يعد الحديث عن استخدام أعضاء الحيوانات للإنسان مجرد خيال. الـFDA تعرف بالفعل مجال xenotransplantation، أي نقل الخلايا أو الأنسجة أو الأعضاء من حيوان إلى إنسان، وتشير إلى الخنزير بوصفه مصدرا مهما للدراسات المتعلقة بالجلد والكلى وغيرها. وفي السنوات الأخيرة وصلت أبحاث الكلى المعدلة وراثيا من الخنازير إلى تجارب على البشر، مع بقاء عقبات مناعية وعلمية وأخلاقية كبيرة. وهنا تصبح المفارقة شديدة القرب من Frankenstein: نحن نبحث عن أعضاء لإنقاذ الإنسان، ولذلك نغير الحيوان وراثيا ونحاول أن نجعل أعضاءه أكثر ملاءمة لجسد الإنسان. لكن كلما اقترب العلم من النجاح، اتسعت معه دائرة الأسئلة: ماذا يجوز أن نفعل بالحيوان؟ وما الحدود التي ينبغي ألا نتجاوزها؟ وإذا أصبح بإمكاننا تعديل الكائن الحي كي يلائم حاجاتنا، فهل كل ما نستطيع فعله يصبح مشروعا لمجرد أننا نستطيع فعله؟ وهذا السؤال نفسه يظهر في تحرير الجينات. قبل سنوات قليلة كان تعديل جين بعينه يبدو كأنه مشهد من رواية مستقبلية؛ أما اليوم فقد أصبح لدينا بالفعل علاجات تستخدم تقنيات تحرير جيني في الطب. وفي المقابل، ما يزال تعديل الخط الجرثومي البشري، أي التعديل الذي يمكن أن ينتقل إلى الأجيال القادمة، محاطا بمخاوف أخلاقية وعلمية كبيرة. وهنا أيضا يعود السؤال القديم: إذا استطعنا أن نصنع إنسانا "أفضل" من الناحية الجينية، فمن الذي سيقرر ما معنى الأفضل؟ فقد نبدأ بإنسان أقل عرضة لمرض خطير، ثم ننتقل إلى طفل أكثر ذكاء، ثم أطول قامة، ثم أكثر جمالا، ثم أكثر قدرة على التحمل. وبعد ذلك قد نجد أنفسنا أمام سؤال لا علاقة له بالعلم وحده: من يضع معيار الإنسان المثالي؟ وهنا أتذكر مرة أخرى مخلوق ماري شيلي. لقد كان خطأ فيكتور أنه أراد أن يصنع كائنا مثاليا، لكنه لم يحتمل النتيجة عندما جاءت مختلفة عن الصورة التي كان يتخيلها. المشكلة لم تكن فقط في الخلق، بل في معيار الخالق للجمال والكمال. المخلوق لم يكن أقل إنسانية لأنه كان قبيحا؛ إنما أصبح منبوذا لأن البشر قرروا أن شكله يمنعه من أن يكون واحدا منهم. وهذا يعيدنا، بطريقة مدهشة، إلى الذكاء الاصطناعي الذي تحدثت عنه بالأمس في فيلم Soulm8te. الإنسان يصنع آلة يريدها رفيقا مثاليا: مطيعة، جميلة، متاحة، تفهمه ولا ترفضه. لكن ماذا يحدث إذا أصبحت الآلة قادرة على أن تكون لها رغباتها الخاصة؟ ماذا لو لم تعد مجرد برنامج ينفذ أوامرنا؟ ماذا لو قالت: أنا لا أريد ما تريد أنت؟ هنا، في رأيي، يكمن أحد أخطر الأسئلة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي. نحن نميل إلى تخيل الخطر في صورة آلة شريرة تتمرد على البشر، لكن الخطر الأكثر عمقا ربما يكون في شيء آخر: أن نصنع كيانا قادرا على الاستجابة لنا، ثم نكتشف أنه أصبح قادرا على المطالبة بأن نستجيب نحن له. وهذه ليست فكرة بعيدة تماما عن تاريخ الخيال العلمي. ففي 2001: A Space Odyssey يصبح الكمبيوتر HAL 9000 نموذجا للآلة التي لا تعود مجرد أداة محايدة، وفي Blade Runner يصبح السؤال أكثر تعقيدا: ماذا لو كان الكائن الذي صنعناه أكثر حساسية تجاه الموت والحب والذاكرة من الإنسان الذي صنعه؟ وفي A.I. Artificial Intelligence يصبح الطفل الاصطناعي، الذي صنع ليحب، مأساويا لأن الحب الذي زرعناه فيه لم يكن شيئا يمكننا ببساطة أن نطفئه عندما تتغير حاجاتنا. أما Star Trek فقد قدم لنا مثالا مختلفا: كثيرا من التقنيات التي ظهرت فيه بوصفها خيالا مستقبليا أصبحت قريبة من حياتنا اليومية، من أجهزة الاتصال التي تشبه الهواتف المحمولة إلى تقنيات طبية وحاسوبية أخرى. وتقر NASA نفسها بالعلاقة المتبادلة بين الخيال العلمي والعلم، وبأن Star Trek ألهم العلماء والمهندسين، كما أن بعض تقنياته الخيالية تنبأت بأشكال من التكنولوجيا أصبحت واقعا. لكن ربما أجمل ما في الخيال العلمي أنه لا يخبرنا فقط بما نستطيع أن نصنعه؛ بل يجبرنا على التفكير في ما ينبغي ألا نصنعه. وهذه، في رأيي، هي المسألة التي تجعل ماري شيلي أكثر معاصرة مما نعتقد. لم تكن المشكلة في Frankenstein أن فيكتور نجح في خلق الحياة. المشكلة أنه لم يسأل نفسه بما يكفي: ماذا سيحدث بعد أن تنجح؟ وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل تقدم علمي جديد. عندما نصنع ذكاء اصطناعيا، أو نعدل جينا، أو ننمي عضوا، أو نزرع عضوا حيوانيا في جسد إنسان، أو نقترب من إعادة بناء أنسجة وأعضاء كانت تبدو مستحيلة، ينبغي ألا يكون سؤالنا الوحيد: هل نستطيع؟ بل يجب أن يسبقه سؤال آخر: إذا استطعنا... فما الذي سيصبح هذا الكائن أو الإنسان الذي صنعناه؟ لأن أخطر ما في المستقبل ليس أن تتحقق أحلام الخيال العلمي؛ وإنما أن تتحقق أحلامنا دون أن نكون قد فكرنا بما يكفي في حقوق الكائنات التي ستولد من هذه الأحلام. لقد كان فيكتور فرانكنشتاين يريد أن يهزم الموت، فانتهى إلى خلق كائن يخاف الوحدة. ونحن اليوم نحاول أن نهزم المرض، والعجز، والوحدة، وحتى حدود الجسد والعقل. ولعل السؤال الذي ستتركه لنا التكنولوجيا في النهاية ليس: هل أصبحنا قادرين على صنع الحياة؟ بل: هل أصبحنا قادرين أيضا على تحمل مسؤولية الحياة التي نصنعها؟
#أكرم_شلغين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الوطن بين مكان يمكن العودة إليه ومكان لا نستطيع العودة إليه،
...
-
اللاذقية والغياب
-
سوريا ليست لأحد وحده
-
يكفي أن نعيش
-
كيف يصبح المستقبل تهديدا
-
التابع الذي لا يموت : يتغير الزعيم ولا يتغير التابع
-
عندما يصبح الخيال أصدق من الواقع
-
الوحش الكامن
-
أنت موجود وغيرك موجود: الاختلاف وحق الإنسان في أن يعيش كما ه
...
-
سقط الأسد وبقيت الأسدية
-
الدفاع عن الجلاد: السلطة التفسيرية وصناعة الولاء في الخطاب ا
...
-
القمح والورد:* ماذا يحتاج الإنسان لكي يحيا؟
-
كتاب مقدس في الإنسانية
-
تحت الركام
-
امتثال أم انتماء؟
-
الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
-
هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
-
الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
-
ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
-
عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
المزيد.....
-
-محار روكي ماونتن-.. طبق غريب يُصنع من مكوّن لن تتوقعه
-
كارني بعد انهيار المحادثات التجارية: أمريكا تحاول كسر إرادتن
...
-
حفيد الخميني: إيران خرجت -مرفوعة الرأس- من الحرب مع أمريكا و
...
-
تحليل: إيران تتحدى ضغوط ترامب.. هل تستعد للانتقال إلى الهجوم
...
-
كاتس يأمر الجيش الإسرائيلي بالتعامل مع إطلاق البالونات من غز
...
-
ترامب: كندا تريد -مزايا- كونها ولاية أمريكية، وكارني يقول إن
...
-
بزشكيان يقرّ بالأزمات الداخلية وإيران تهدد المشاركين في العق
...
-
-إسرائيل تسعى إلى تدمير أي احتمال لقيام دولة فلسطينية مستقلة
...
-
حرب تجارية وتراشق كلامي.. ترامب يهاجم كندا بعد انهيار المفاو
...
-
إصابة إسرائيلي في عملية طعن بالأغوار.. والجيش يقتحم قرية الع
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|