أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - الأدب و السينما : من يعتمد على من ؟ /1















المزيد.....

الأدب و السينما : من يعتمد على من ؟ /1


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 19:33
المحور: الادب والفن
    


الأدب و السينما : الأدب يسبق السينما: لماذا وجدت السينما نفسها مدينة للحكاية المكتوبة؟
قد يبدو السؤال الذي يطرحه هذا البحث لأول وهلة سؤالاً نقدياً معاصراً، لكنه في حقيقته يرتبط بتاريخ طويل يبدأ قبل اختراع السينما بآلاف السنين. فالسينما، بوصفها فناً حديثاً، لم تنشأ في فراغ ثقافي، ولم تبدأ من نقطة الصفر، وإنما جاءت إلى عالم كانت الحكاية فيه قد قطعت رحلة طويلة من التطور والتجريب. ولهذا فإن فهم العلاقة بين الأدب والسينما يقتضي العودة إلى الجذور الأولى لفن السرد، لأن تلك الجذور هي التي تفسر اعتماد السينما المبكر على الأدب، كما تفسر استمرار هذا الاعتماد حتى يومنا هذا.
لقد عرف الإنسان الحكاية قبل أن يعرف الكتابة. فمنذ المجتمعات البدائية، كانت الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية وسيلة لفهم العالم وتفسير الظواهر الطبيعية ونقل الخبرات والقيم من جيل إلى آخر. ولم تكن هذه الحكايات مجرد وسيلة للتسلية، بل كانت جزءاً من البناء الثقافي والديني والاجتماعي للمجتمع. فقد روت الشعوب القديمة قصص الآلهة والأبطال والرحلات الكبرى، ونسجت حولها منظومات رمزية معقدة أصبحت لاحقاً أساساً للأدب العالمي.
ومع اختراع الكتابة، بدأت هذه الروايات الشفوية تتحول إلى نصوص مدونة، فظهرت الملاحم الكبرى التي شكلت أولى القمم الفنية في تاريخ الإنسانية. وتعد ملحمة جلجامش مثالاً بارزاً على ذلك، إذ تقدم نموذجاً مبكراً للبطل الباحث عن معنى الحياة والخلود، وهو نموذج سيظل يتكرر بأشكال مختلفة في الأدب والسينما معاً. ثم جاءت الإلياذة والأوديسة المنسوبتان إلى هوميروس لتؤسسا تقاليد السرد الملحمي التي جمعت بين البطولة والصراع والمغامرة والتأمل في مصير الإنسان، وهي العناصر نفسها التي ستصبح فيما بعد من أهم مكونات السينما الملحمية.
ولم يتوقف تطور السرد عند حدود الملحمة، بل شهد المسرح الإغريقي نقلة نوعية حين تحولت الحكاية إلى فعل حي يجسد أمام الجمهور. ففي مسرحيات إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس، لم تعد الشخصيات مجرد أسماء تروى أخبارها، بل أصبحت كيانات تتحرك وتتحدث وتتصارع فوق الخشبة. وهنا ظهرت لأول مرة عناصر درامية ستصبح لاحقاً أساساً للفن السينمائي، مثل الحوار والصراع وتصاعد الأحداث والعقدة والذروة والنهاية. ومن اللافت أن كثيراً من هذه المسرحيات لا تزال حتى اليوم تُقتبس في السينما، مما يدل على أن الزمن لم يفقدها قدرتها على إنتاج المعنى.
وفي العصور الوسطى وعصر النهضة، توسعت أشكال السرد مع القصص الفروسية والحكايات الشعبية والمسرح، حتى جاءت الرواية الحديثة لتصبح الفن السردي الأكثر قدرة على تمثيل الواقع الإنساني. وقد شهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر ازدهاراً هائلاً للرواية الأوروبية، فظهرت أعمال دانييل ديفو وصمويل ريتشاردسون وجين أوستن وبلزاك وديكنز وفلوبير وتولستوي ودوستويفسكي، وغيرهم من الروائيين الذين أسسوا لما يسمى اليوم بالرواية الكلاسيكية. وقد تميزت هذه الروايات بثراء شخصياتها وتعقيد بنائها واتساع عالمها الاجتماعي الأمر الذي جعلها منجماً لا ينضب للسينما بعد ظهورها.
وعندما أُخترعت السينما في نهاية القرن التاسع عشر، لم تكن تمتلك بعد تقاليدها السردية الخاصة. فقد كانت في بداياتها تجربة تقنية تعتمد على تسجيل الحركة أكثر من اهتمامها ببناء الحكاية. وكانت الأفلام الأولى قصيرة جداً، تصور خروج العمال من المصنع أو وصول القطار إلى المحطة أو مشاهد يومية بسيطة. ومع أن هذه اللقطات أثارت دهشة الجمهور آنذاك، فإنها لم تكن قادرة وحدها على تأسيس فن روائي متكامل. وسرعان ما أدرك المخرجون والمنتجون أن الصورة تحتاج إلى قصة، وأن الحركة وحدها لا تكفي لإبقاء المشاهد مندمجاً مع الفيلم.
ومن هنا بدأت السينما تبحث عن الحكاية خارجها، فلم تجد مصدراً أغنى من الأدب. لقد كان الأدب قد أنجز بالفعل ما كانت السينما تبحث عنه: حبكات متماسكة وشخصيات حية وصراعات نفسية واجتماعية ونهايات مؤثرة وعوالم خيالية وواقعية لا حصر لها. وهكذا أصبح الاقتباس الأدبي الخيار الطبيعي أمام صناع الأفلام، ليس بسبب عجز السينما عن الابتكار، بل لأنها كانت فناً وليداً وجد أمامه تراثاً إنسانياً هائلاً جاهزاً للاستثمار الفني.
ومن الملاحظ أن الاقتباس الأدبي لم يكن ظاهرة هامشية في السنوات الأولى للسينما، بل كان جزءاً من عملية تأسيسها نفسها. فقد اتجه المخرج الفرنسي جورج ميلييسإلى استلهام القصص الخيالية والرحلات الأدبية في أفلامه، بينما لجأت شركات الإنتاج الأوروبية والأمريكية إلى تحويل المسرحيات والروايات الشهيرة إلى أفلام صامتة. ولم يكن الهدف مجرد نقل النصوص إلى الشاشة، وإنما الاستفادة من شهرتها ومن بنيتها الدرامية القوية، وهو ما ساعد السينما الناشئة على اكتساب جمهور واسع في زمن قصير.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الأدب شريكاً دائماً للسينما. فقلما نجد مرحلة من تاريخ الفن السابع لم تشهد اقتباسات كبرى من الرواية أو المسرح أو القصة القصيرة. وقد تحولت أعمال شكسبير، وديكنز، وبلزاك، وتولستوي، ودوستويفسكي، وفيكتور هوغو وتشارلز ديكنز ومارك توين وجورج إليوت وإرنست همنغواي وغابرييل غارسيا ماركيز وغيرهم، إلى عشرات بل مئات الأفلام بلغات مختلفة، حتى بدا وكأن الأدب يمثل خزاناً لا ينضب للسينما العالمية.
غير أن هذه الحقيقة التاريخية تطرح سؤالاً مهماً: هل اعتماد السينما على الأدب في بداياتها، واستمرار هذا الاعتماد حتى اليوم، يعني أنها عاجزة عن إنتاج مادتها الخاصة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه مرحلة طبيعية في تطور أي فن جديد؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، لأن معظم الفنون قد استفادت من فنون سبقتها. فالأوبرا استمدت موضوعاتها من المسرح والأساطير، والرسم استلهم النصوص الدينية والأدبية، والموسيقى التصويرية كثيراً ما استندت إلى أعمال شعرية أو روائية. ومن ثم فإن الاستفادة من فن سابق لا تعني بالضرورة التبعية له.
ومع ذلك، فإن حجم اعتماد السينما على الأدب يظل أكبر بكثير من اعتماد الفنون الأخرى على مصادرها. فحتى اليوم، وبعد أكثر من مائة وثلاثين عاماً على اختراع السينما، ما تزال الروايات تتصدر قائمة المصادر التي يلجأ إليها المنتجون والمخرجون في مختلف أنحاء العالم. وهذا ما يدفع بعض النقاد إلى التساؤل: لو اختفى الأدب فجأة، هل كانت السينما ستحتفظ بالمكانة نفسها؟ وهل كانت ستنجح في إنتاج العدد نفسه من الأعمال الخالدة؟ أم أن جزءاً كبيراً من عظمتها إنما يعود إلى قدرتها على إعادة إحياء الكنوز الأدبية في صورة بصرية جديدة؟
إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى التقليل من قيمة السينما، بل إلى تمهيد الطريق لفهم طبيعة العلاقة المعقدة بينها وبين الأدب. فالتاريخ يؤكد أن السينما ولدت في حضن الحكاية المكتوبة، لكن التاريخ وحده لا يكفي للحكم على حاضرها. ولذلك سيكون من الضروري في المبحث التالي أن نتجاوز العامل التاريخي، لنبحث في الأسباب الفنية والاقتصادية والثقافية التي تجعل السينما، حتى اليوم، تعود مراراً إلى الرواية والمسرحية والقصة القصيرة بحثاً عن الإلهام والنجاح.
+++++
ماري جورج جان ميلييس Marie-Georges-Jean Méliès ( 1861-1938) سينمائي فرنسي شهير ابتكر العديد من الأساليب التقنية والسردية في بدايات السينما، حيث كان شخصا مبتكرا في استخدام المؤثرات الخاصة. اكتشف بالصدفة خدعة التوقف أو الاستبدال عام 1896 وكان أحد أوائل السينمائيين الذين استخدموا تقنيات الكشف المتعدد، تصوير انقضاء الزمن، ملييس يعتبر من رواد أسلوب المونتاج الفني وعمل على تطويرات كثيرة في بداية السينما، يعتبر المبتكر للعديد من الخدع السينمائية، حيث عمل على التجديد المستمر في استعمال خدعه الخاصة، وقد اكتشف عن طريق الصدفة خدعة تايمز لابس (تصوير بأوقات مختلفة) في سنة 1896، استعمل تقنيات عديدة مثل الجامب كات وهو أوائل من استعمل أسلوب مضاعفة شكل الشخصيات في الفيلم، خاصية الديزولف (دخول صورة بصورة أخرى)، لكونه كان يهتم في تغيير الحقيقة في التصوير، أطلق عليه البعض المصور الساحر. ومن أشهر أفلامه فيلم رحلة الى القمر هو فيلم خيال علمي صامت أسود وأبيض فرنسي أنتج عام 1902. الفيلم مستوحى من روايتين: رواية جول فيرن من الأرض الى القمر ورواية أول رجال على سطح القمر بقلم هربرت جورج ويلز.



#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأدب و السينما : من يعتمد على من ؟ 2
- وليم شكسبير مالئ الدنيا وشاغل الناس
- ما القصة القصيرة الغنائية؟ مشكلة الاسم قبل مشكلة الشكل
- جيكوريات السياب : حين يصبح المكان ذاكرةً ويصير الشعر مكانًا
- نحو أنطولوجيا الانكسار: رحلة البطل من قدسية الأسطورة إلى عبث ...
- أنطونيو ميتشادو و حقول قشتالة : حين تتحول الأرض إلى سؤال عن ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة ت ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار ...
- نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف ...
- نادين كورديمر ومضات اليراع
- نهج معرفي للقصصية
- تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
- لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم ...
- فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج ...
- التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
- القصة المايكرو


المزيد.....




- التعليم العالي:جامعة القاهرة تطلق منصة رقمية للملكية الفكرية ...
- احتجاجات في مدن مغربية رفضاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي م ...
- من وراء الشاشات إلى المتاحف.. كيف تخطط عصابات الجريمة لسرقة ...
- موسيقي روسي: زوار روسيا يكتشفون حقيقة مختلفة بعيدا عن الصور ...
- -رسائل ممنوعة-.. رواية سعيد أبو غزة عن الحب في وجه الموت وال ...
- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...
- كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
- خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد ...
- استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام ...
- تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - الأدب و السينما : من يعتمد على من ؟ /1