|
|
هؤلاء علموني: طه حسين(3)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 10:03
المحور:
الادب والفن
في مرحلة الابتدائية في ثمانينيات القرن المنصرم درسنا من أدب طه حسين في مادة النصوص، مثله مثل كثير من الأدباء الذي أجُبرنا أن ندرسهم في تلك المناهج. كانت تلك أولى خطواتي في الاقتراب من عالم هذا المفكر والأديب الكبير، وإن لم أكن في ذلك العمر أدرك تمامًا قيمة ما نقرأ، ولا حجم التحول الذي يمكن أن تصنعه الكتب في وجدان الإنسان وعقله. كانت النصوص المدرسية تأتي إلينا بوصفها جزءًا من المنهج، نقرؤها ونحفظ بعضها وننتقل إلى درس آخر، لكن بعض الأسماء لا تغادر الذاكرة، وبعض الكتاب يتركون أثرًا لا ندرك مداه إلا بعد سنوات. هذه الحقيقة لا ينكرها أحد أبدا، حقيقة عايشها الجميع، فهي ايضا مرت وستمر على الجميع.
في عام 1985 كان أول كتاب قرأته في حياتي لطه حسين هو «الأيام» بأجزائه الثلاثة. أتذكر أنني دخلت إلى الكتاب يومها كقارئ صغير يبحث عن الحكاية، فإذا بي أجد نفسي أمام حياة كاملة، وأمام إنسان استطاع أن يحول معاناته الشخصية إلى تجربة إنسانية تتجاوز حدود السيرة الذاتية. ذهبت الى شارع المتنبي فشريت كتابا بعينه وكان هو مبتغاي (كنت ساعتها طالب مسائي في ثانوية البحتري).. قرأت «الأيام» بشغف، ولم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد قراءة لكتاب، بل كان اكتشافًا لعالم جديد، عالم يمكن فيه للكلمة أن تكون نافذة على حياة أخرى، وللذاكرة أن تتحول إلى أدب، وللألم أن يصبح قوة تدفع الإنسان إلى المعرفة.
وهكذا توالت بعد ذلك قراءاتي لكل ما يقع بيدي لطه حسين من كتب. لم أكن أبحث في البداية عن مشروع فكري محدد، ولم أكن أضع لنفسي خطة لقراءة مؤلفاته، وإنما كان الفضول يقودني من كتاب إلى آخر. وكلما انتهيت من كتاب شعرت أنني لم أصل إلى نهاية الطريق، بل بدأت رحلة جديدة. كان طه حسين بالنسبة لي أكثر من أديب أقرأ له؛ كان صوتًا مختلفًا يفتح أمامي أسئلة لم أكن قد فكرت فيها من قبل، ويضعني أمام قضايا تتطلب من القارئ ألا يكتفي بما اعتاده، وألا يتعامل مع الأفكار بوصفها حقائق نهائية لا تقبل النقاش.
ومن بين الكتب التي قرأتها له، كان «في الشعر الجاهلي» فهو أكثرها حضورًا في ذاكرتي. قرأته ثلاث مرات، وربما كانت كل قراءة منها مختلفة عن الأخرى، لأن القارئ نفسه لم يكن هو القارئ ذاته في كل مرة (إلى الآن احتفظ بالطبعة الأولى من الكتاب منشورات دار المعارف بمصر لسنة 1926). فالكتاب الذي نقرأه في عمر معين قد يمنحنا معنى، ثم نعود إليه بعد سنوات فنكتشف فيه معنى آخر، وربما اكتشفنا في أنفسنا ما لم نكن نعرفه من قبل.
كتاب «في الشعر الجاهلي» لم يكن بالنسبة لي كتابًا عابرًا في تاريخ الأدب العربي، بل كان كتابًا غيّر بعض أفكاري. لم يكن تأثيره في القضايا التي ناقشها فقط، وإنما في الطريقة التي جعلني أنظر بها إلى المعرفة نفسها. تعلمت منه، كما فهمت منه، أن الأفكار ليست مقدسة لمجرد أنها قديمة، وأن التراث لا يفقد قيمته إذا أخضعناه للسؤال، وأن احترام الماضي لا يعني إغلاق الباب أمام النقد والمراجعة. وربما كان هذا من أهم الدروس التي يمكن أن يتعلمها القارئ من طه حسين: أن العقل لا يكون وفيًا للمعرفة حين يكررها، وإنما حين يفكر فيها.
تعلمت من الكتاب هو أن يصبح الانسان ناقدا لكل كتابا يقرأه في حياته، فلا يصدق في كل ما جاء في الكتب.
لقد أثار الكتاب، منذ صدوره، جدلًا واسعًا، وواجه طه حسين بسبب آرائه ومناهجه النقدية اعتراضات شديدة. لكن ما بقي بالنسبة لي ليس فقط الجدل الذي أحاط بالكتاب، وإنما الجرأة الفكرية التي دفعت صاحبه إلى أن يطرح أسئلته، وأن يستخدم أدوات البحث والنقد في التعامل مع موضوع ظل طويلًا محاطًا بكثير من المسلمات. وقد لا يتفق القارئ مع كل ما ذهب إليه طه حسين، وقد تتغير بعض المناهج والآراء مع مرور الزمن، لكن قيمة الكتاب بالنسبة لي ظلت مرتبطة بقدرته على دفع القارئ إلى التفكير، وهذه في حد ذاتها قيمة كبيرة.
لقد علمني طه حسين أن القراءة ليست جمعًا للمعلومات، وأن الكتاب الجيد لا ينتهي أثره عندما نغلق صفحاته. هناك كتب نقرأها ثم ننساها، وكتب أخرى تترك في داخلنا سؤالًا، وربما يكون السؤال أهم من الإجابة. ومن هذه الزاوية كان طه حسين واحدًا من الذين ساهموا في تشكيل علاقتي بالكتاب وبالفكرة وبالاختلاف. علمني أن أقرأ بعين القارئ، ولكن بعقل الناقد أيضًا، وأن أستمع إلى الفكرة قبل أن أحكم عليها، وأن أبحث عن الدليل بدل أن أكتفي بما ورثته من قناعات.
وحين أستعيد اليوم تلك السنوات، من درس النصوص في المرحلة الابتدائية إلى قراءة «الأيام» عام 1985، ثم الانتقال من كتاب إلى آخر، أشعر أنني لم أكن أقرأ طه حسين وحده، بل كنت أقرأ نفسي أيضًا. فكل كتاب كان يضيف شيئًا إلى شخصيتي، وكل فكرة كانت تدفعني إلى إعادة النظر في فكرة سابقة، وكل اختلاف كان يعلمني أن العقل الحي لا يخشى الأسئلة.
علاوة على ذلك فقصة طه حسين وهو يسردها بذلك الاسى، تركت في نفسي نوع من الشجن والأسى، كلما اتذكرها، واتذكر احداثها.
لقد كان طه حسين، بالنسبة إلى أجيال كثيرة، أحد رموز النهضة الفكرية والأدبية العربية في القرن العشرين، وكان مشروعه أكبر من حدود كتاب أو قضية أدبية بعينها. كان مشروعًا متعلقًا بالمعرفة والتعليم والعقل والإنسان، وبحق القارئ في أن يسأل ويفكر ويناقش. وربما لهذا السبب بقي حضوره قويًا بعد رحيله، وبقيت كتبه تعود إلى أيدي القراء جيلاً بعد جيل.
أنا أعترف بأنني مدين لهذا المفكر الكبير الذي تعلمت منه الكثير. مدين له لأنه علمني أن الكتاب يمكن أن يكون بداية لا نهاية، وأن القراءة الحقيقية قد تغير شيئًا في الإنسان، ولو شيئًا صغيرًا، وأن الفكر لا ينمو في المساحات المغلقة. مدين له لأنني، بفضله وبفضل كتبه، أدركت مبكرًا أن المعرفة رحلة طويلة لا محطة أخيرة لها.
وقد يكون أجمل ما تمنحه القراءة للإنسان أنها تغيره من حيث لا يشعر. وهذا بالضبط ما حدث معي. بدأت الحكاية بنص في كتاب مدرسي في مرحلة الابتدائية، ثم جاء عام 1986 ومعه «الأيام»، وبعدها توالت الكتب، حتى وصلت إلى «في الشعر الجاهلي»، الكتاب الذي قرأته ثلاث مرات، وفي كل مرة كان يفتح لي بابًا جديدًا للتفكير.
لم يعد طه حسين بالنسبة لي مجرد اسم في تاريخ الأدب العربي، ولا مجرد كاتب قرأت بعض مؤلفاته في سنوات بعيدة. أصبح جزءًا من ذاكرتي الثقافية، ومن الطريق الذي سلكته في علاقتي بالكتاب والفكرة. وربما لهذا السبب كلما عدت إلى كتبه اليوم، لا أعود إليها بوصفها كتبًا قديمة، وإنما أعود إليها بوصفها جزءًا من رحلة طويلة بدأت منذ أن كنت تلميذًا في ثمانينيات القرن الماضي، وما زالت مستمرة حتى الآن.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
-
(هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
-
فلاسفة الألمان (1)
-
رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
-
كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
-
المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
-
هواء مجلجل
-
فوق هشة الأوهام
-
قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
-
وها أنا الآن
-
شروط الرواية الناجحة
-
علي الوردي وطبيعة الوعظ
-
ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
-
مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
-
الغجر والقرج في العراق
-
هل وصلت رسالة الحُسين؟
-
قلقنا المزمن
-
الأسئلة الوجودي في (شمس حمراء)
-
الرمز والبُعد الانساني في (ورد السماء)
-
ادغار موران: هل نسير إلى الهاوية؟
المزيد.....
-
-سويوزمولتفيلم- الروسية تواصل تسويق رسومها المتحركة عالميا و
...
-
نجمة هوليوود مونيت مازور تواجه 3 لصوص ملثمين في منزلها الفاخ
...
-
تربية نينوى تصقل مواهب المعلمين الأدبية بورشة تخصصية في الشع
...
-
الفن يمنح أطفال غزة وشبابها مساحة لاستعادة ذواتهم وسط دمار ا
...
-
بعد 4 سنوات من طعنه.. الكاتب سلمان رشدي يكشف في فيلم وثائقي
...
-
الرسائل من وسيلة بوح إلى أداة تشفير.. المشفرات الشنقيطية نمو
...
-
عراقيون يحررون ناقلة نفط من القراصنة.. ما حقيقة الرواية؟
-
حمزة الحاج علي يمنح الفنون القتالية السورية أول ميدالية عالم
...
-
ليمور -الإندري-.. أعجوبة الخلق الذي يغنّي كنجوم الأوبرا في غ
...
-
الحديث بصوت مرتفع في حافلات سنغافورة قد يُكلِّفك
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|