أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - فلاسفة الألمان (1)















المزيد.....

فلاسفة الألمان (1)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 22:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مايستر إكهارت
وُلد مايستر إكهارت نحو عام 1260م في ألمانيا، في زمن كانت فيه أوروبا تعيش تحت سلطة دينية وفكرية قوية، وكانت الكنيسة تشكل الإطار الأكبر الذي تتحرك داخله المعرفة والفلسفة والحياة الروحية. وفي هذا المناخ نشأ إكهارت، ثم انضم في شبابه إلى الرهبنة الدومينيكانية، التي كانت من أبرز البيئات العلمية والفكرية في أوروبا آنذاك.

لم يكن انتماؤه إلى الرهبنة مجرد اختيار ديني، بل كان بداية لمسار طويل من الدراسة والتأمل. تلقى علومه في الفلسفة واللاهوت، ثم انتقل إلى باريس، التي كانت يومئذ من أهم مراكز الفكر الأوروبي، وهناك تعمقت صلته بالفلسفة المدرسية وبالتراث المسيحي، ولا سيما أفكار توما الأكويني وأرسطو والأفلاطونية المحدثة.

عاد إكهارت بعد ذلك إلى ألمانيا، وتولى عددًا من المناصب داخل الرهبنة الدومينيكانية، كما مارس التدريس والوعظ. وقد اكتسب شهرة واسعة بسبب قدرته على مخاطبة الناس بلغة تتجاوز المصطلحات اللاهوتية الجامدة، فكان يخاطب العقل والوجدان معًا. ولم يكتفِ بالكتابة باللغة اللاتينية التي كانت لغة العلماء، بل استخدم الألمانية في عدد كبير من عظاته، الأمر الذي جعل أفكاره تصل إلى جمهور أوسع.

كانت حياة إكهارت مرتبطة بصورة وثيقة بالبحث عن الحقيقة الروحية. لكنه لم يكن رجل عزلة بالمعنى التقليدي؛ فقد عاش وسط الناس، وعلّمهم ووعظهم، وفي الوقت نفسه كان يذهب بفكره إلى مناطق شديدة العمق، حيث تتداخل الأسئلة الفلسفية مع التجربة الصوفية.

وفي أواخر حياته واجه إكهارت اعتراضات من بعض رجال الكنيسة بسبب عدد من عباراته وتعاليمه. فقد بدت بعض أفكاره، ولا سيما حديثه عن طبيعة الله والنفس والاتحاد بالله، شديدة الجرأة بالنسبة إلى عصره. وخضع للتحقيق الكنسي، ودافع عن أفكاره، لكنه توفي نحو عام 1328م قبل أن تنتهي قضيته بصورة نهائية. وبعد وفاته أُدينت بعض العبارات المنسوبة إليه، إلا أن ذلك لم يمنع أفكاره من البقاء والتأثير في تاريخ التصوف والفكر الأوروبي.

ولعل المفارقة في حياة إكهارت أن الرجل الذي تعرض للاعتراض في عصره أصبح بعد قرون موضوعًا للدراسة لدى الفلاسفة واللاهوتيين والمؤرخين، واكتشف فيه كثيرون صوتًا فكريًا يتجاوز زمانه. فقد ظل سؤاله الأساسي قائمًا: كيف يستطيع الإنسان أن يتحرر من ذاته لكي يرى الحقيقة التي يبحث عنها؟

فلسفته

تقوم فلسفة مايستر إكهارت على تجربة روحية وفكرية عميقة، لا يمكن فصلها عن تصوره للإنسان والله. فهو لا يتعامل مع المعرفة بوصفها تراكمًا للمعلومات، وإنما يراها تحولًا في كيان الإنسان نفسه. ولذلك فإن معرفة الحقيقة عنده ليست مجرد أن يعرف الإنسان شيئًا عن الله، بل أن يتغير في أعماقه بحيث يصبح أكثر استعدادًا لاستقبال الحقيقة.

ومن أهم المفاهيم في فكره مفهوم التخلّي. فالإنسان، في نظره، يعيش محاطًا بالرغبات والتعلقات والصور التي صنعها عن نفسه وعن العالم. وكلما ازدادت سيطرة هذه الأشياء على النفس، ازدادت المسافة بينها وبين حقيقتها العميقة. لذلك يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم كيف يتخلى، لا عن الحياة، وإنما عن التملك الداخلي الذي يجعله أسيرًا للأشياء.

التخلّي عند إكهارت ليس دعوة إلى الفقر المادي أو الانسحاب من العالم، بل هو تحرر من هيمنة الأشياء على الروح. فقد يمتلك الإنسان المال والمعرفة والمكانة، لكنه لا يجعلها مركز وجوده. وقد يعيش بين الناس ويؤدي أعماله اليومية، دون أن يسمح للأشياء بأن تستولي على أعماقه.

ومن هنا يرتبط التخلّي عنده بالصمت الداخلي. فالإنسان لا يستطيع أن يرى بوضوح ما دام داخله ممتلئًا بالضجيج. ولهذا تصبح النفس في حاجة إلى فراغ يشبه الصفحة البيضاء؛ فراغ لا يعني غياب الحياة، وإنما يعني الاستعداد لاستقبال ما هو أعمق منها.

وكان إكهارت يستخدم أحيانًا لغة شديدة الجرأة عندما يتحدث عن الله. فهو يميز في بعض نصوصه بين الله كما يتصوره الإنسان من خلال الأسماء والصفات والصور، وبين حقيقة إلهية تتجاوز كل تصور. فاللغة تستطيع أن تشير إلى الله، لكنها لا تستطيع أن تحتويه. وكل تصور نضعه أمام الحقيقة يظل أقل من الحقيقة نفسها.

ولهذا اهتم إكهارت بفكرة الألوهة التي تتجاوز الصور والتحديدات. فالإنسان حين يتخيل الله على صورة شيء محدود، فإنه يجعل المطلق شبيهًا بالمحدود. أما التجربة الروحية العميقة فتقتضي أن يدرك الإنسان حدود اللغة والتصور، وأن يقف أمام الحقيقة بشيء من الصمت والتواضع.

وكان يرى أن في الإنسان عمقًا داخليًا يمكن أن يكون موضع اللقاء بالله. وهذه الفكرة تمنح النفس الإنسانية مكانة مركزية في فلسفته. فالإنسان ليس مجرد كائن خارجي تحكمه الظروف والرغبات، بل يحمل في أعماقه إمكانية الانفتاح على المطلق.

ومن هنا تأتي عباراته التي تبدو أحيانًا غامضة أو متناقضة. إنه يتحدث عن البحث عن الله في الوقت الذي يدعو فيه الإنسان إلى التخلي عن الصور التي كوّنها عن الله. ويتحدث عن معرفة الحقيقة من خلال الصمت، وعن الاقتراب من المطلق بالتخلي عن الرغبة في امتلاكه. وهذه المفارقات ليست عنده ألعابًا لغوية، وإنما محاولة للتعبير عن حقيقة يعتقد أن اللغة العادية عاجزة عن الإحاطة بها.

ولذلك فإن فلسفته لا تقوم على بناء نظام عقلي مغلق بقدر ما تقوم على تغيير نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم. يريد إكهارت أن ينتقل الإنسان من حالة التملك إلى حالة الحضور، ومن الانشغال الدائم بالذات إلى الانفتاح على الوجود.

وتبدو فلسفته، رغم جذورها الوسيطة، قريبة في بعض أسئلتها من الإنسان الحديث. فالإنسان المعاصر يملك أشياء كثيرة، لكنه قد يشعر في الوقت نفسه بأنه أكثر تعلقًا بها وأكثر اضطرابًا بسببها. يزداد امتلاك الإنسان للعالم، لكنه قد يفقد قدرته على الإصغاء إلى داخله. وهنا يبدو صوت إكهارت كأنه يأتي من مسافة بعيدة ليقول إن كثرة الأشياء لا تعني بالضرورة كثرة المعنى.

إن قيمة إكهارت لا تكمن فقط في أفكاره عن الله والتصوف، وإنما في محاولته إعادة الإنسان إلى أعماقه. لقد رأى أن الطريق إلى الحقيقة ليس دائمًا طريق الإضافة، بل قد يكون طريق الحذف؛ أن نتخلى عن الوهم، وعن الغرور، وعن الحاجة إلى امتلاك كل شيء، حتى نكتشف ما كان موجودًا في أعماقنا قبل أن نغطيه بكل ذلك الضجيج.

وهكذا يتحول فكر مايستر إكهارت إلى رحلة من الخارج إلى الداخل، ومن الكلام إلى الصمت، ومن التملك إلى التخلّي. وربما كان هذا هو سر بقائه حيًا في الذاكرة الفلسفية والصوفية؛ لأنه لم يقدم للإنسان حقيقة جاهزة فحسب، بل وضعه أمام السؤال الأصعب: ماذا يبقى منك حين تتخلى عن كل ما ظننته جزءًا منك.
المصدر

1. يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 180 مراجعة د. هلا رشيد امون — خصص المؤلف فصلًا لمايستر إكهارت، ويتناول حياته ومؤلفاته وموقعه الفلسفي وعلاقته بالتصوف ووحدة الوجود.
2. كريمة سعيد حسين محمد الصعيدي، «الوجود الإلهي والنزعة الصوفية عند مايستر إيكهارت»، مجلة الدراسات الإنسانية والأدبية، جامعة كفر الشيخ، المجلد 28، العدد 2، 2023، ص 636–674.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
- كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
- المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
- هواء مجلجل
- فوق هشة الأوهام
- قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
- وها أنا الآن
- شروط الرواية الناجحة
- علي الوردي وطبيعة الوعظ
- ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
- مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
- الغجر والقرج في العراق
- هل وصلت رسالة الحُسين؟
- قلقنا المزمن
- الأسئلة الوجودي في (شمس حمراء)
- الرمز والبُعد الانساني في (ورد السماء)
- ادغار موران: هل نسير إلى الهاوية؟
- كولن ويلسون: ثمة مقدرة للإنسان أن يصبح كالآلهة
- نوال السعداوي: الرجل والجنس
- تعلّمَ من الجوع


المزيد.....




- سنتكوم: الجيش الأمريكي سهّل عبور مليار برميل نفط من مضيق هرم ...
- باكستان ترفع سقف الردع دفاعا عن السعودية.. ماذا يعني ذلك لإي ...
- إصابة جنديين إسرائيليين بانفجار عبوة جنوب لبنان.. غارات وتصع ...
- النيران تشتعل في خزان تابع لأرامكو.. دخان أسود كثيف يتصاعد ق ...
- صفقة إف-35 للسعودية تتقدم رغم تعثر التطبيع مع تل أبيب.. واشن ...
- خبراء الحرس الثوري في باب المندب.. رادارات وأنفاق وتحركات إي ...
- ماذا نعرف عن انتخابات مجلس الدوما الروسية؟
- -أكشاك- القاهرة في حلة جديدة.. وأصحابها قلقون من الكلفة!
- انتخابات مكلنبورغ-فوربومرن.. استقرار هش وغضب متصاعد
- سد -فولا- يشعل ملف النيل من جديد.. ماذا قالت جوبا عن موقف ال ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - فلاسفة الألمان (1)