أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - (هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)














المزيد.....

(هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 12:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الأسلوب وقضية إقناع القارئ قليل جدا ممن يمتلكها، ومنهم سلامة موسى، الكاتب الذي تعلقتُ بكتاباته منذ الوهلة الأولى، فهو يمتلك قوة إقناع شفيفة. لذلك هو من أهم الكتّاب الذين أعطيتهم الأولوية من اهتماماتي في الاطلاع وأخذ المعرفة، ففي كتابه «نظرية التطور» التي يوضح فيها هذه النظرية بأسلوبه الشيّق المعتاد، وقد فهمت هذه النظرية من خلاله، كذلك في كتابه «عقلي وعقلك» الذي يوضح فيه قضايا أخلاقية وفلسفية وعلمية، وغيرها من الكتب التي قرأتها له، وتعلمت منها الكثير، ومازلت أعيد النظر فيها بين الفينة والأخرى.

ولعل أكثر ما يشدني إلى سلامة موسى أنه لا يكتب ليقول للقارئ: انظر كم أعرف، بل يكتب وكأنه يريد أن يفتح أمامه نافذة جديدة (في الفكر والابداع والفلسفة) يرى منها الأشياء التي اعتاد النظر إليها بطريقة مختلفة. وهذه في نظري واحدة من أصعب وظائف الكاتب؛ أن ينقل فكرة معقدة إلى عقل القارئ من غير أن يفقدها عمقها، وأن يجعل المعرفة قريبة من النفس من غير أن يحوّلها إلى كلام سطحي. وقد استطاع سلامة موسى أن يفعل ذلك بأسلوب واضح، مباشر، نابض بالحياة، حتى إن القارئ يشعر أحيانًا أن الكتاب لا يخاطب عقله وحده، وإنما يستنهض فيه رغبة صادقة في السؤال والتأمل.

ولم يكن إقناعه قائمًا على كثرة المصطلحات أو استعراض المعلومات، وإنما على الطريقة التي يرتب بها أفكاره ويقود القارئ بينها. يبدأ من فكرة تبدو بسيطة، ثم يوسّع دائرتها شيئًا فشيئًا، حتى يجد القارئ نفسه أمام قضية أكبر مما كان يتوقع. وهذه الطريقة تجعل القراءة عنده أشبه بحوار هادئ؛ فأنت لا تشعر أنه يفرض عليك النتيجة، بل تشعر أنك تسير معه في الطريق، تنظر معه إلى الأشياء، ثم تصل إلى الفكرة بعد أن تكون قد عشت مقدماتها.

وفي «نظرية التطور» وجدت مثالًا واضحًا على هذا الأسلوب. فالنظرية، بما تحمله من مفاهيم علمية وتاريخ فكري طويل، قد تبدو للقارئ غير المتخصص موضوعًا بعيدًا أو شديد التعقيد، (حيث ترفضه فئات كثيرة من المجتمعات على اعتباره الافكار التي وردت في هذه النظرية لا تنسجم والقضايا الدينية) لكن سلامة موسى قرّبها إلى الذهن بلغة مفهومة، وربطها بأسئلة الإنسان عن الحياة والتغير والطبيعة. ولم تكن القيمة بالنسبة لي في معرفة النظرية وحدها، بل في أنني تعلمت من الكتاب كيف يمكن للكاتب أن يجعل موضوعًا علميًا جزءًا من تجربة القارئ الفكرية، لا مجرد معلومات تحفظ ثم تُنسى.

أما في «عقلي وعقلك»، فقد وجدت وجهًا آخر من وجوهه؛ وجه الكاتب الذي ينتقل بين الأخلاق والفلسفة والعلم، محاولًا أن يجعل العقل حاضرًا في أسئلة الحياة اليومية. وهو لا يتعامل مع العقل بوصفه آلة باردة للحساب، وإنما يضعه في مواجهة العادات والأفكار والموروثات والأسئلة التي تشغل الإنسان. ومن هنا تصبح القراءة عنده نوعًا من مراجعة الذات، لأن القارئ لا يكتفي بأن يعرف ما يقوله الكاتب، وإنما يجد نفسه يسأل: ماذا أعتقد؟ ولماذا أعتقده؟ وهل ما أراه حقيقة ثابتة، أم فكرة ورثتها دون أن أتوقف طويلًا عندها؟.

وهذه الأسئلة هي، في رأيي، من أجمل ما يمكن أن تمنحه الكتابة للقارئ. فالكتاب العظيم ليس هو الذي يملأ ذاكرتنا بالمعلومات فقط، بل الذي يترك في داخلنا سؤالًا لا يهدأ بسهولة. وسلامة موسى من الكتاب الذين يتركون مثل هذه الأسئلة. قد أتفق معه في بعض أفكاره وأختلف معه في أخرى، لكن الاختلاف نفسه يصبح جزءًا من متعة القراءة، لأن الكتابة التي تستحق أن تُقرأ ليست بالضرورة تلك التي تجعلنا نردد كلام صاحبها، وإنما التي تدفعنا إلى التفكير في كلامه ومراجعته ومحاورته.

وأحسب أن تعلق القارئ بكاتب لا يأتي من الأفكار وحدها، بل من الصوت الذي تصل به تلك الأفكار إليه. ولسلامة موسى صوت خاص في الكتابة؛ صوت واضح وجريء ومتحمس للمعرفة، يشعر القارئ معه أن الكاتب لا يكتب من برج بعيد، بل من قلب الحياة، وأن الكتاب بالنسبة إليه وسيلة لتوسيع أفق الإنسان وإخراجه من ضيق الأفكار الجاهزة إلى رحابة السؤال.

وقد يكون هذا هو السبب الذي جعلني أعود إلى كتبه وأمنحه مكانة خاصة بين الكتاب الذين قرأت لهم. فهناك كتب ننتهي منها ونضعها جانبًا، وهناك كتب تنتهي صفحاتها ولا تنتهي آثارها. وكتب سلامة موسى، بالنسبة لي، من النوع الثاني؛ إذ تظل بعض أفكارها عالقة في الذهن، وتعود إلينا في لحظات مختلفة، وربما تغيّر شيئًا صغيرًا في طريقة نظرنا إلى العالم.

لهذا لا أرى سلامة موسى مجرّد كاتب قرأت له عددًا من الكتب، وإنما أراه واحدًا من أولئك الذين كان للقراءة معهم أثر يتجاوز الكتاب نفسه. لقد جعلني أرى أن قوة الكاتب لا تقاس فقط بما يعرفه، بل بقدرته على جعل القارئ يرغب في أن يعرف أكثر، وأن يسأل أكثر، وأن ينظر إلى الأشياء بعين أقل استعجالًا وأكثر تأملًا. وربما كانت هذه هي قوة الإقناع الشفيفة التي شعرت بها منذ قرأت له للمرة الأولى؛ قوة لا تأتي من رفع الصوت، وإنما من وضوح الفكرة وحيوية الأسلوب وصدق الرغبة في أن يخرج القارئ من الكتاب وهو يحمل في عقله نافذة جديدة.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلاسفة الألمان (1)
- رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
- كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
- المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
- هواء مجلجل
- فوق هشة الأوهام
- قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
- وها أنا الآن
- شروط الرواية الناجحة
- علي الوردي وطبيعة الوعظ
- ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
- مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
- الغجر والقرج في العراق
- هل وصلت رسالة الحُسين؟
- قلقنا المزمن
- الأسئلة الوجودي في (شمس حمراء)
- الرمز والبُعد الانساني في (ورد السماء)
- ادغار موران: هل نسير إلى الهاوية؟
- كولن ويلسون: ثمة مقدرة للإنسان أن يصبح كالآلهة
- نوال السعداوي: الرجل والجنس


المزيد.....




- فيديو يوثق إنقاذ فيل صغير من الغرق في نهر بالهند
- الرئيس الأمريكي ينشر خريطة لهرمز باسم -مضيق ترامب- وغياب قطر ...
- شاهد.. مسيرات FPV انتحارية روسية تدمر مسيرات أوكرانية عبر ال ...
- ليلة عصيبة في ليبيا.. سيول جارفة تجتاح الطرق وتحاصر السكان
- بانكوك تغرق.. أمطار غزيرة تعطل الطرق وتجبر السكان على النزوح ...
- بزشكيان يختتم زيارته إلى نيويورك ويعود إلى طهران
- ألمانيا.. -مواطنو الرايخ- يستعدون لاجتماع كبير في دارمشتات و ...
- اتفاق عراقي كويتي على معالجة الملفات العالقة خلال 30 يوما
- مباشر: اعتراض مسيرات أطلقها الحوثيون على السعودية وترقب للرد ...
- بعد حظرها من دخول البيت الأبيض... منع مراسلي -سي إن إن- من م ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - (هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)