أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد الثقة في ضوء «الاقتصاد الأخلاقي» لصموئيل باولز ..














المزيد.....

حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد الثقة في ضوء «الاقتصاد الأخلاقي» لصموئيل باولز ..


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 17:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ ينطلق الاقتصادي الأميركي صموئيل باولز، في كتابه The Moral Economy: Why Good Incentives Are No Substitute for Good Citizens، من فكرة تتجاوز الاقتصاد بمعناه التقليدي : الإنسان ليس كائنًا تحركه المنفعة وحدها ، ولذلك لا تستطيع الحوافز والعقوبات أن تحل محل الدوافع الأخلاقية والاجتماعية التىّ تجعل التعاون والثقة والمسؤولية ممكنة ، فالمؤسسات لا تنظم سلوك الإنسان فقط ، وإنما تؤثر أيضًا في الدوافع التىّ تحكم ذلك السلوك ، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الكذب لا بوصفه عيبًا فرديًا فحسب ، وإنما بوصفه سلوكًا يتأثر بالبيئة التىّ يتشكل داخلها الإنسان ، فالطفل قد يتعلم الكذب بسبب الخوف قبل أن يفهم معناه الأخلاقي ، حين تكون العقوبة أقوى من القدرة على الاعتراف بالخطأ ، بل قد يكتشف أن إخفاء الحقيقة أكثر أمانًا من قولها ، وإذا تكررت التجربة، يتحول الكذب من رد فعل عابر إلى وسيلة للتكيف ، وهنا تصبح التربية جزءًا من المسألة التىّ يناقشها باولز : ماذا يحدث عندما تكون الحوافز المحيطة بالإنسان مصممة بطريقة تجعل إخفاء الحقيقة أكثر أمانًا من مواجهتها؟

فالأسرة التىّ تريد أبناءً قادرين على قول الحقيقة لا تستطيع أن تعتمد على الوعظ وحده ؛ عليها أن تجعل الاعتراف بالخطأ ممكنًا ، وأن تميز بين الخطأ ومحاولة إخفائه ، وما يبدأ في البيت يمكن أن ينتقل لاحقًا إلى المدرسة والمؤسسة والمجتمع ، فالكذب لا يحتاج إلى كاذب فقط ، وإنما إلى بيئة تسمح له بالاستمرار ، هناك من يصنع الرواية ، ومن يصدقها دون تمحيص ، ومن يعرف الحقيقة لكنه يختار الصمت خوفًا من كلفة المواجهة ، وقد لا يكون الصامت كاذبًا بالضرورة ، لكنه يمنح الكذبة فرصة للاستمرار ، فالإنسان قد يصمت لأنه يخشى خسارة وظيفته أو مكانته أو علاقته أو مصلحته ، وبذلك لا يعود السؤال متعلقًا بإرادته وحدها ، بل بالبيئة التىّ تحدد له ثمن الصدق وثمن الكذب .

وهذا ما ينقل فكرة باولز من التربية إلى المؤسسة ، فإذا كان الموظف الذي يعترف بالخطأ يعاقب ، بينما ينجو من يخفيه ، فإن المؤسسة تكون قد صنعت حافزًا للكتمان مهما رفعت من شعارات النزاهة ، وإذا أصبح المسؤول أكثر خوفًا من الاعتراف بالفشل من الفشل نفسه ، فقد تتحول المؤسسة إلى مكان لتجميل النتائج بدل معالجة أسباب الخلل ، عندها لا يكون الكذب مجرد قرار شخصي ، بل يصبح نتيجة محتملة لطريقة تصميم المؤسسة ، فالمؤسسات تحتاج إلى القواعد والرقابة والمكافآت والعقوبات ، لكنها تحتاج أيضًا إلى أشخاص يلتزمون بما هو أبعد من حساب المنفعة المباشرة ، وإذا غابت الثقة ، تصبح القواعد أكثر كلفة ، لأن كل علاقة تحتاج إلى مزيد من التدقيق والضمانات والرقابة .

وهنا تظهر أهمية الثقة في الاقتصاد ، فالسوق لا يقوم على المال وحده ؛ المشتري يفترض صحة ما يُعرض عليه ، والشريك يفترض احترام الاتفاق ، وصاحب العمل يعتمد على التزام العامل ، والعامل يعتمد بدوره على التزام المؤسسة ، ولا يمكن للعقود والقوانين أن تراقب كل شيء ، ولذلك يبقى قدر من الثقة ضروريًا لكي تعمل المعاملات اليومية بكفاءة ، ومن ثم ، لا تقع الأخلاق خارج الاقتصاد ، كما لا تقع الثقة خارجه ؛ إنهما جزء من البيئة التىّ يعمل فيها ، وهذا هو جوهر «الاقتصاد الأخلاقي» عند باولز : الإنسان قد يتعاون لتحقيق منفعة ، لكنه قد يتعاون أيضًا لأنه يثق بالآخرين ، أو يرى التعاون واجبًا ، أو يعتبر العدالة قيمة تستحق الالتزام حتى عندما لا توجد مكافأة مباشرة ، ومن هنا يصبح الانتقال إلى السياسة طبيعيًا ؛ فالمؤسسات العامة ليست مختلفة في جوهرها عن المؤسسات الاقتصادية عندما يتعلق الأمر بالحوافز والثقة ، والدولة لا تستطيع أن تعمل بالقوانين والعقوبات وحدها ، كما لا يستطيع المواطن أن يبني علاقته بمؤسساته على الخوف من العقوبة فقط .

وعندما يشعر المواطن أن قول الحقيقة مكلف ، وأن الاعتراف بالخطأ يعاقب عليه ، وأن الصمت أكثر أمانًا من السؤال ، فإن المشكلة لا تكون في سلوك فردي فحسب ، وإنما في العلاقة بين المواطن والمؤسسة ، لهذا لا تعني الشفافية مجرد نشر المعلومات ، بل قدرة المؤسسة على احتمال الحقيقة عندما تكون غير مريحة .

ولعل الأدب التقط هذه المفارقة في صورة الذئب الذي يتظاهر بالتنسك ، بينما لا يشغله في الحقيقة سوى الفريسة ، حيث قيلَّ : ذِئبٌ تراهُ مُصلِّيًا - فإذا مررتَ به ركعْ - يدعو وجُلُّ دعائهِ - ما للفريسةِ لا تقعْ ؟- عجِّلْ بها يا ذا العُلا - إنَّ الفؤادَ قد انقطعْ - وإذا الفريسةُ خُلِّيَتْ - ذهبَ التنسُّكُ والوَرَعْ .

فالمفارقة هنا ليست بين المظهر الأخلاقي والسلوك فقط ، وإنما بين الحافز المعلن والدافع الحقيقي ؛ وهي النقطة التىّ تجعل أطروحة باولز تتجاوز الاقتصاد إلى الحياة العامة كلها ، فالمجتمع الذي يريد الصدق لا يستطيع أن يكتفي بمعاقبة الكذب بعد وقوعه ، عليه أن يسأل : ما الذي يجعل الصدق ممكنًا ؟ وما الذي يجعل الكذب أقل فائدة؟ .

الحوافز تستطيع أن توجه السلوك ، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع انساناً ، وحين تصبح الحقيقة مكلفة والكذب مربحًا ، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط : لماذا يكذب الناس؟ بل أيضًا : ما الذي جعل هذه المعادلة ممكنة؟

ليس كل ما يُسمع يُصدَّق ، ولا كل ما يتكرر يصبح حقيقة ؛ فالتكرار قد يمنح المعلومة مظهر الصدق دون دليل ، لذلك يبدأ الاندماج الواعي بخفض الاستسلام لما يُعرض علينا ، والقدرة على السؤال والتمييز والتحقق ، وربما هنا تكمن خلاصة «الاقتصاد الأخلاقي»: فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى مؤسسات تردع الخطأ ، بل إلى عائلة ومؤسسات تبني في الإنسان مهارة الصواب وضميرًا يختار حين تغيب الرقابة ، فالأخلاق الحقيقية أن تفعل الصواب لا خوفًا من الرقيب ، بل احترامًا لما استقر في داخله من قيم…والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا😶لم تنسحب طالما طالبت بانسحاب الجبناء؟ …
- الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من با ...
- الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتع ...
- من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨‍🍳: مَن ي ...
- العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴 ...
- الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا ...
- من نهفات الحرب على إيران: باب المندب🚪... حيث يدفع ال ...
- السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …
- الاصطدام العربي الإيراني:بين لعبة الأمم 🇺🇳 و ...
- صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …
- من جغرافيا الطاقة⛽إلى جغرافيا الذكاء🤖…
- بين معطف🧥غوغول وصراع النظريات:جدلية المبدأ والنتيجة ...
- إيران🇮🇷تمدد نفوذها إلى باب المندب:تحولات الق ...
- الفساد حين يصبح قدراً: نظرة👀طفل في هشاشة البناء الأخ ...
- قراءة📕في تحوّلات الموقف الدولي تجاه إسرائيل:من المقا ...
- سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إ ...
- طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة ...
- -الدولة الفلسطينية 🇵🇸 والتحولات الإسرائيلية: ...
- لا تنسوا حذائي ..
- الحلم الجماعي في زمن القهر😇:قراءة في بيداغوجيا المقه ...


المزيد.....




- شاهد.. إطلاق نار جماعي يحول حانتين إلى ساحتي قتل في جنوب إفر ...
- -السيدور- يشعل تحذيرا عربيا من تصعيد إسرائيل في الأقصى
- السيول لا تهدأ في ليبيا.. تحذيرات جديدة من أمطار غزيرة واستن ...
- حريق هائل يهز قلب القاهرة ويغطي السماء بالدخان
- رئيس الوزراء البريطاني يدعو للهدوء وسط توتر في إيرلندا الشما ...
- احتجاجات في النجف لإلغاء حظر الرحلات الإيرانية
- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع من نوع -كاريال- في حجة ...
- 7 قتلى وعشرات الجرحى في غارة سعودية على سوق في اليمن
- أربع ساعات من الجدل.. حارس أيرلندا ينسحب احتجاجاً على مواجهة ...
- الاتحاد الأوروبي يدعو الدول إلى خفض الطلب على الطاقة مع ارتف ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد الثقة في ضوء «الاقتصاد الأخلاقي» لصموئيل باولز ..