|
|
هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 11:41
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لعل من سوء طالع غوستاف لوبون أن كتابه «سيكولوجية الجماهير» قد قرأه موسوليني وهتلر، وأُعجبا بما ورد فيه، حتى اعتبر البعض أن لوبون يناصر الطغاة والمتسلطين، الأمر الذي انعكس سلباً على أطروحاته، كما ذكر ذلك هاشم حسن في مقدمته الطويلة على هذا الكتاب.
غير أن قراءة المفكر من خلال قرائه، أو الحكم على أفكاره من خلال الأشخاص الذين استفادوا منها، قد تكون واحدة من أكثر الطرق ظلماً للمفكرين. فالفكرة لا تصبح بالضرورة سيئة لأن مستبداً وجد فيها ما يخدم مشروعه، كما أن الكتاب لا يتحول إلى كتاب استبداد لمجرد أن حاكماً مستبداً قرأه وأعجب به. ولعل «سيكولوجية الجماهير» من الكتب التي تعرضت لهذا النوع من الالتباس أكثر من غيرها.
أما أنا، فقد قرأت لغوستاف لوبون بحدود ثلاثة عشر كتاباً، وكانت علاقتي بأفكاره تتجاوز مجرد القراءة العابرة. فقد تأثرت به كثيراً، وتعلمت منه الكثير، ولا سيما في فهم طبيعة الجماعة، وكيف يتغير الفرد حين يذوب في الحشود، وكيف يمكن للعاطفة أن تتقدم على العقل عندما يصبح الإنسان جزءاً من جمهور كبير.
وقد يكون أهم ما علمني إياه لوبون هو أن الإنسان لا يتصرف دائماً بوصفه فرداً مستقلاً، وإنما قد يتغير سلوكه وأفكاره ومواقفه عندما يصبح جزءاً من جماعة. ففي الجماهير شيء يتجاوز مجموع أفرادها، شيء يجعل الفرد أكثر قابلية للتأثر والانفعال والتقليد، وأقل ميلاً إلى النقد والتفكير الهادئ. وهذه الفكرة، بصرف النظر عن مدى اتفاقنا مع جميع تفاصيلها، تظل مثيرة للتأمل، خصوصاً في عالمنا المعاصر الذي أصبحت فيه الجماهير أكثر حضوراً وتأثيراً من أي وقت مضى.
لقد كتب لوبون في زمن مختلف تماماً عن زمننا، قبل وسائل التواصل الاجتماعي، وقبل التلفزيون والراديو بالشكل الذي نعرفه اليوم، ومع ذلك تبدو بعض ملاحظاته وكأنها كُتبت وهي تنظر إلى عالمنا الحالي. فالجمهور لم يعد يحتاج إلى أن يجتمع في ساحة أو ميدان؛ يكفي أن يلتقي حول فكرة أو صورة أو مقطع فيديو أو شعار، ثم تبدأ العدوى النفسية بالانتشار. وقد تتحول قضية صغيرة خلال ساعات إلى قضية عامة، وقد يصبح الرأي المتداول أقوى من الرأي المدروس، وقد يندفع الناس وراء موقف لأن الجميع يندفعون إليه.
وهنا تكمن أهمية لوبون، ليس لأنه قدم لنا الحقيقة النهائية عن الجماهير، وإنما لأنه جعلنا ننتبه إلى سؤال شديد الأهمية: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح جزءاً من الكثرة؟.
لقد كان لوبون مهتماً بالجانب النفسي من التاريخ والحضارة والسياسة، وكان يرى أن فهم المجتمعات لا يمكن أن يقوم على المؤسسات والقوانين وحدها، بل ينبغي أن نفهم أيضاً العواطف والمعتقدات والصور الذهنية التي تحرك الناس. ولذلك فإن قراءة لوبون لا تعني بالضرورة الاتفاق معه في كل ما قال، وإنما تعني الدخول معه في حوار فكري حول طبيعة الإنسان والمجتمع.
ومن الجوانب التي شدتني إليه أيضاً اهتمامه بالعرب وحضارتهم. فقد كتب كتابه الكبير «حضارات العرب»، وهو كتاب يكشف عن اهتمام واضح بتاريخ العرب وإسهامهم الحضاري. وهذا الجانب من فكر لوبون يستحق التوقف عنده، خصوصاً في زمن كانت فيه النظرة الأوروبية إلى الشرق والعرب كثيراً ما تختلط بالاستعلاء والأحكام المسبقة.
ولم يكن لوبون في كتابه عن العرب مجرد ناقل لبعض المعلومات التاريخية، بل حاول أن يتتبع أثر الحضارة العربية في مجالات متعددة، وأن يقرأ دور العرب في صناعة الحضارة الإنسانية. وقد يكون من المفيد اليوم أن نعود إلى هذا الكتاب لا لكي نقبل كل أحكامه دون نقاش، وإنما لكي نرى كيف نظر مفكر أوروبي في القرن التاسع عشر إلى الحضارة العربية، وكيف استطاع أن يرى فيها عناصر القوة والإبداع والتأثير.
إن اهتمام لوبون بالعرب يفتح أمام القارئ العربي سؤالاً آخر: لماذا نهتم كثيراً بما يقوله الآخرون عنا؟.
ربما لأننا، في كثير من الأحيان، نبحث عن صورتنا في مرآة الآخر. فإذا كتب مستشرق أو مفكر أوروبي عن العرب بإيجابية شعرنا بالاعتزاز، وإذا كتب عنهم بصورة سلبية شعرنا بالاستياء. لكن الأهم من ذلك كله أن نمتلك نحن القدرة على قراءة تاريخنا قراءة نقدية، فلا نحتاج إلى شهادة الآخر لكي نعرف قيمة ما أنجزناه، ولا نرفض نقده لمجرد أنه جاء من خارج ثقافتنا.
ولعل هذا هو أحد الدروس التي يمكن أن نتعلمها من لوبون نفسه: أن الإنسان ينبغي أن يحاول النظر إلى الأفكار بعيداً عن الانفعال الأول الذي تثيره فيه.
لقد تأثرت بغوستاف لوبون، لكن التأثر بمفكر لا يعني أن يتحول إلى مرجعية لا تخطئ. بل إن أفضل طريقة لاحترام المفكر هي أن نقرأه بعمق، ثم نختلف معه حيث ينبغي أن نختلف. فالمفكر الحقيقي لا يمنحك أجوبة جاهزة بقدر ما يمنحك أدوات جديدة للسؤال.
وهذا بالضبط ما وجدته عند لوبون.
لقد جعلني أفكر في الجماعة، وفي السلطة، وفي الزعيم، وفي تأثير الخطاب على الناس، وفي الطريقة التي يمكن أن تتحول بها العاطفة إلى قوة اجتماعية وسياسية هائلة. وجعلني أراقب ما يحدث حولي بطريقة مختلفة؛ فلا أكتفي بالسؤال: ماذا يقول الناس؟ بل أسأل أيضاً: لماذا يقولونه؟ وكيف انتقلت إليهم الفكرة؟ وما الذي جعلها مقنعة لهم؟ وهل يؤمنون بها بعد تفكير، أم لأنهم وجدوا أنفسهم وسط جماعة تؤمن بها؟.
وربما لهذا السبب ظل «سيكولوجية الجماهير» حاضراً حتى بعد مرور أكثر من قرن على كتابته. فالجماهير تتغير أشكالها، لكن الحاجة إلى فهمها لا تختفي.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقرأ لوبون خارج سياقه التاريخي. فهو ابن عصره، وبعض أفكاره تحمل آثار ذلك العصر، وبعض استنتاجاته يمكن مناقشتها وانتقادها في ضوء ما وصلت إليه العلوم الاجتماعية والنفسية لاحقاً. كما أن بعض الباحثين رأوا في نظرياته تبسيطاً لدور الجماهير أو مبالغة في تصويرها باعتبارها أقل عقلانية من الفرد. وهذه ملاحظات لا تقلل من أهمية الكتاب، بل تجعل قراءته أكثر نضجاً.
فليست قيمة الكتاب في أن كل ما فيه صحيح، وإنما في أنه أثار أسئلة لا تزال حية، ليس في هذا الكتاب فحسب، بل في كل كتبه لاسيما التي قرأتها: في علم الاجتماع وعلم النفس وحتى في كتب السياسة.
ولعل من المفارقات أن الكتاب الذي ارتبط اسمه عند البعض بموسوليني وهتلر، يمكن أن يقرأه الإنسان من زاوية أخرى تماماً: بوصفه محاولة لفهم الآليات النفسية التي تجعل الجماهير قابلة للتعبئة والتأثير. والفرق كبير بين أن تشرح كيف يمكن للطاغية أن يؤثر في الجماهير، وبين أن تؤيد الطاغية.
إن معرفة أدوات التأثير لا تعني بالضرورة استخدامها للاستبداد؛ بل قد تكون المعرفة بها وسيلة للحذر منها.
ومن هنا فإنني لا أستطيع أن أنظر إلى غوستاف لوبون فقط من خلال سوء استخدام بعض السياسيين لأفكاره، كما لا أستطيع أن أضعه في مرتبة المفكرين الذين يجب أن نتفق معهم في كل شيء. إنما أراه واحداً من أولئك الذين فتحوا أمامي نافذة مختلفة على الإنسان والمجتمع.
قرأت له نحو ثلاثة عشر كتاباً، وفي كل قراءة كنت أجد فكرة تستوقفني، أو سؤالاً يدفعني إلى التفكير، أو ملاحظة تجعلني أعيد النظر في شيء كنت أظنه بديهياً.
وهذا، في النهاية، هو الأثر الحقيقي للكتب.
فالكتاب المهم ليس بالضرورة هو الذي يجعلك تقول: «لقد وجدت الحقيقة». قد يكون الكتاب الأهم هو الذي يجعلك تغادره وأنت تحمل أسئلة أكثر مما كنت تحمل قبل أن تفتحه.
وهكذا كان غوستاف لوبون بالنسبة إليّ.
لم أقرأه لأصبح لوبونياً، ولم أقرأه لأدافع عنه، وإنما قرأته لأنني وجدت عنده شيئاً أبحث عنه: محاولة لفهم الإنسان عندما يكون وحيداً، وعندما يصبح جزءاً من جماعة؛ لفهم القوة التي تصنعها الأفكار حين تتحول إلى معتقد جماعي؛ وفهم العلاقة المعقدة بين العقل والعاطفة، وبين الفرد والجمهور، وبين التاريخ والنفس البشرية.
وربما كان أجمل ما في تجربتي معه أنني لم أخرج من كتبه كما دخلت إليها. وهذه، بالنسبة لي، هي قيمة المفكر الحقيقي: أن يغير شيئاً في طريقة نظرك إلى العالم، حتى لو اختلفت معه بعد ذلك في كثير من أفكاره.
أما لوبون، فسيبقى في ذاكرتي واحداً من أولئك المفكرين الذين لم يكتفوا بأن يقولوا لي ماذا أفكر، وإنما دفعوني إلى أن أتساءل: لماذا أفكر بهذه الطريقة أصلاً؟.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
(هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
-
فلاسفة الألمان (1)
-
رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
-
كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
-
المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
-
هواء مجلجل
-
فوق هشة الأوهام
-
قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
-
وها أنا الآن
-
شروط الرواية الناجحة
-
علي الوردي وطبيعة الوعظ
-
ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
-
مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
-
الغجر والقرج في العراق
-
هل وصلت رسالة الحُسين؟
-
قلقنا المزمن
-
الأسئلة الوجودي في (شمس حمراء)
-
الرمز والبُعد الانساني في (ورد السماء)
-
ادغار موران: هل نسير إلى الهاوية؟
-
كولن ويلسون: ثمة مقدرة للإنسان أن يصبح كالآلهة
المزيد.....
-
17 قتيلًا بإطلاق نار داخل حانة في جنوب إفريقيا.. والشرطة تطا
...
-
احتجاز أشخاص وإجلاء سكان بعد إعلان حالة طوارئ قرب قاعدة بريط
...
-
بين انتظار الرد الأمريكي وذكرى اغتيال نصرالله، إيران تتمسك ب
...
-
تقارير عن تحذير مصري قبل هجوم 7 أكتوبر ونتنياهو يرفضها
-
مشروع السكك الحديدية المصري إلى طابا يثير قلق تل أبيب من تغي
...
-
27 سبتمبر 1983 .. الإعلان عن مشروع GNU
-
عاصفة عنيفة تضرب شمال شرق الولايات المتحدة وتحذير من -فيضانا
...
-
أقصى اليمين يتطلع لمكاسب في انتخابات مجلس الشيوخ الفرنسي
-
شهيد و7 مصابين في غارات إسرائيلية على غزة
-
قتيل ومئات الرحلات الملغاة.. عاصفة -نور إيستر- تضرب شمال شرق
...
المزيد.....
-
من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية
/ غازي الصوراني
-
التطوع الرقمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
العمل التطوعى نماذج وتطبيقات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
المزيد.....
|