أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - ذاكرة الغرق: التراجيديا الإنسانية في رواية ذاكرة شمبانيا















المزيد.....

ذاكرة الغرق: التراجيديا الإنسانية في رواية ذاكرة شمبانيا


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 00:42
المحور: الادب والفن
    


كل الشكر والتقدير للصديق العزيز والكاتب الرائع الأستاذ "أحمد رجب شلتوت" على ما كتبه عن روايتي، وعلى قراءته التي احتفت بها وتوقفت عند عدد من جوانبها بتأمل واهتمام. وقد أختلف معه في نقطة أو أخرى مما ذهب إليه في مقالته، وهو أمر طبيعي في اختلاف القراءات وتعدد زوايا النظر إلى العمل الأدبي. لكن هذا الاختلاف لا يحجب تقديري لجهده، ولا يقلل من احترامي لقراءته، التي أعتز بها وأقدرها. فسواء اتفقنا أو اختلفنا، يبقى أن من يقرأ العمل بجدية ويمنحه من وقته وفكره يستحق الشكر والامتنان.


تسعى رواية "ذاكرة شمبانيا" للكاتب "وليد الأسطل" إلى إعادة تشكيل التاريخ الأوروبي _ في القرن الثاني عشر الميلادي _ تخييليا عبر شبكة من الشخصيات النبيلة، والرهبان، والفرسان، والمؤامرات السياسية، والذاكرة التي تتحول إلى قوة محرِّكة للأحداث.

ومنذ العنوان نفسه تتبدى مفارقة لافتة، فـالذاكرة تشير إلى الماضي وما يختزنه من جراح وأسرار، بينما تحيل "شمبانيا" إلى الإقليم الفرنسي الذي كان مسرحًا لصراعات سياسية ودينية.

تبدأ الرواية بمشهد غرق السفينة البيضاء، وهو حدث تاريخي حقيقي شكّل صدمة كبرى في التاريخ الإنجليزي الوسيط، يؤسس عليه الروائي كل ما سيأتي لاحقا، ومرسخا لفكرة الهشاشة الإنسانية في مواجهة القدر.

فالنبلاء الذين كانوا قبل لحظات يعيشون نشوة السلطة والامتياز يتحولون فجأة إلى أجساد غارقة.

تنجح الرواية في تقديم التاريخ كقوة نفسية مؤثرة في الشخصيات. فالكونتيسة أديل تحيا تحت ضغط ذاكرة مأسوية لا تتوقف عن مطاردتها، والكابوس المتكرر الذي يوقظها في بداية الرواية يكشف عن حضور الذاكرة بوصفها لعنة، فالماضي يظل يفرض نفسه على الحاضر.

وهذا ما يجعل الرواية أقرب إلى "رواية ذاكرة" منها إلى رواية تاريخية تقليدية. فالأحداث الكبرى تُروى من منظور أثرها النفسي على الأفراد.

كذلك ينجح الكاتب في بناء عالم القرون الوسطى عبر التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالرحلات والأديرة والملابس والطعام والتراتبية الاجتماعية.

هذه التفاصيل تؤدي وظيفة جمالية ومعرفية معا.
فحين تصف الرواية عربات الكونتيسة وفرسانها وطرق السفر عبر وادي اللوار، أو حين تنتقل إلى دير مارسيني بما فيه من برودة الحجر وصمت الراهبات ونظام القديس بنديكت، فإنها تمنح القارئ إحساسًا حقيقيًا بذلك العصر.

ولا تقع الرواية في فخ التسجيل التاريخي الجاف، لأن الكاتب يوازن دائمًا بين الوصف الخارجي والحركة النفسية الداخلية.

ففي شخصية أديل مثلا نجد امرأة تتظاهر بالقوة السياسية بينما تنخرها الهزيمة من الداخل. إن فقدان الابنة يحوّل حزنها إلى طاقة إرادة وانتقام، فهي لا تبكي ابنتها فقط، بل تحمل شعورًا بالإهانة لعائلتها، ولذلك يصبح الانتقام وسيلة لاستعادة الشرف العائلي.

أيضا يقدّم الكاتب الشخصيات النسائية بوصفها شخصيات فاعلة. صحيح أن المجتمع الإقطاعي الذكوري يفرض على النساء قيودا صارمة، كما يظهر في حديث الراهبة عن ضرورة أن تبقى المرأة تحت حماية رجل، لكن الرواية تكشف في الوقت نفسه عن قدرة النساء على التأثير السياسي.

فأديل تتحرك كعقل سياسي محنك، وإليزابيث تدير عالمها العائلي بحزم وذكاء، وحتى الراهبات يمتلكن سلطة أخلاقية وروحية داخل الدير. بذلك تصبح الرواية مساءلة ضمنية لموقع المرأة داخل البنية الإقطاعية.

كما يبرز البعد الديني في الرواية بوصفه عنصرا مركزيا في تشكيل الوعي الوسيط. فالدير يظهر كفضاء سياسي ونفسي أيضا.

تلجأ الشخصيات إليه طلبًا للخلاص أو الهدوء أو الحماية، لكن الصراعات السياسية والعائلية لا تتوقف عند أبواب الأديرة، بل تواصل حضورها في شكل مؤامرات أو مخاوف أو أسرار مكتومة.

وهذا ما يجعل الفضاء الديني في الرواية فضاءً ملتبسًا؛ فهو مكان للعزلة، لكنه أيضًا مكان تتقاطع فيه المصالح والرغبات الإنسانية.

ومن العناصر المهمة أيضا حضور فكرة الشرف بوصفها قيمة مركزية تحكم العالم الروائي. فالشخصيات تتحرك بدافع الدفاع عن الاسم العائلي والمكانة الاجتماعية، الكونت غيوم مثلًا يعيش أسير شعوره بالإهانة بعد سجنه، وأديل لا تكف عن التفكير في استعادة هيبة عائلتها.

وهكذا يبدو التاريخ في الرواية صراعا بين أكثر من ذاكرة أكثر منه صراعا بين جيوش فقط.
ومن الناحية البنيوية، تعتمد الرواية على التنقل بين أكثر من فضاء وأكثر من شخصية، وهو ما يمنحها اتساعًا ملحميا.

فالكاتب يوزع اهتمامه بين البلاط والطرق والأديرة والفرسان والعائلات النبيلة، هذا التعدد يخلق إحساسًا بعالم حيّ متشابك، لكنه يتطلب من القارئ انتباهًا دائمًا لتتبع العلاقات والأسماء والتحالفات.

ويبدو أن الكاتب متأثر بتقاليد الرواية التاريخية الأوروبية التي تمزج بين الوقائع والخيال، لكنه يضيف إليها حساسية عربية معاصرة في النظر إلى السلطة والذاكرة والهزيمة.

فالرواية، رغم وقوعها في أوروبا الوسيطة، تلامس أسئلة إنسانية معاصرة:

كيف يعيش الإنسان بعد الفقد؟ كيف تتحول الذاكرة إلى عبء؟ وكيف تستخدم السلطة الدين والشرف والعائلة لإعادة إنتاج نفسها؟

كذلك تتميز الرواية بقدرتها على تصوير التناقض الإنساني داخل الشخصيات. فلا أحد نقي بالكامل أو شرير بالكامل.

حتى الشخصيات القاسية تحمل جروحًا داخلية، وحتى المتدينون لا يبدون معزولين عن الطموح البشري.

وهذا ما يمنح العمل عمقه الإنساني ويمنعه من التحول إلى سردية أخلاقية بسيطة.

كما أن الرواية تعيد الاعتبار لفكرة المصير التي كانت مركزية في أدب القرون الوسطى، إذ تشعر الشخصيات دائمًا بأن حياتها محكومة بإرادة عليا أو قدر غامض.

لكن الكاتب يقدّم القدر بوصفه قوة نتيجة لاختيارات البشر وأخطائهم وأحقادهم. ولذلك فإن التوتر بين الإرادة الإنسانية والمصير الإلهي يظل حاضرا طوال السرد.

وفي العمق، يمكن قراءة "ذاكرة شمبانيا" بوصفها رواية عن الخوف من الزوال. فكل الشخصيات تقريبًا تخشى فقدان شيء ما:

السلطة، الأبناء، الشرف، الإيمان، أو حتى معنى الحياة نفسه. لذلك تصبح الذاكرة وسيلة لمقاومة الفناء.

إن أديل تتمسك بالصندوق المسروق لأنه ليس مجرد شيء مادي، بل رمز لذاكرة عائلية وتاريخية تخشى ضياعها.

وأخيرا أعتقد أن السؤال الحقيقي في الرواية هو:
كيف يعيش الإنسان بعد الكارثة؟ هذا هو السؤال الذي يحرّك الرواية من الداخل، فغرق السفينة البيضاء ليس مجرد حدث تاريخي عند وليد الأسطل، بقدر ما هو لحظة انهيار وجودي.

بعده تعيش الشخصيات كلها داخل شعور بالفقد، وكأن الرواية تقول إن التاريخ الكبير يبدأ دائما من جرح شخصي صغير.


رابط الرواية على منصة أبجد:

‏اقرأ الكتاب على @abjjad عبر الرابط:‏https://www.abjjad.com/book/1034090938383?utm_source=app&utm_medium=android&utm_campaign=share_book_app&utm_term=ذاكرة_شمبانيا

#أبجد
#ذاكرة_شمبانيا
#وليد_الأسطل



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد العبور
- بربري في الحديقة: رحلة في الفن والتاريخ
- ما لا تقوله الأشياء
- سفيريس وهاجس الماضي في رواية ست ليالٍ فوق الأكروبوليس
- الساحل الغربي
- رواية بنات التاسع من يونيو.. مايليس بيسيري
- الحياة من قاع الكأس
- في الأدب، ليس من الخيانة أن ترى العالم بعين الآخر
- رواية قارئ.. كتابة الذات على هامش النصوص المتخيلة
- القِطَاف في شمبانيا
- من عزلة الشاشة إلى أنس الكتاب
- رواية أنا التي أحببتك.. روبيرتا ريكيا
- شمبانيا، أغنيةُ الكروم والحنين
- قرن المثقفين.. ميشيل وينوك
- الشاعر
- كما يحمل النهر لندن
- روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (2)
- روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (1)
- في السوهو
- أصولٌ أخرى للحُب


المزيد.....




- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون ...
- فرنسا.. الذكاء الاصطناعي يطيح برواية من جائزة أدبية مرموقة
- بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو ...
- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...
- من الوحي إلى الشاشة.. رحلة القرآن الكريم في معرض تفاعلي ببطر ...
- الحرب والموسيقى والحُبّ: أسبوع الشرق الأوسط في الصحافة السوي ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - ذاكرة الغرق: التراجيديا الإنسانية في رواية ذاكرة شمبانيا