أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية بنات التاسع من يونيو.. مايليس بيسيري














المزيد.....

رواية بنات التاسع من يونيو.. مايليس بيسيري


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 17:37
المحور: الادب والفن
    


لاحظت أن هذا الموسم الأدبي في فرنسا حافل بالنصوص التي تتناول الحرب العالمية الثانية. وعندما فتحت رواية "بنات التاسع من يونيو" Les filles du 9 juin لـمايليس بيسيري، تساءلت عما يمكن أن يُكتب بعدُ عن هذا الموضوع، وما الذي لم يُقل فيه من قبل. تتناول الرواية مجزرة تول. ورغم أنني كنت أعرف قصة أورادور-سور-غلان التي وقعت في 10 يونيو/حزيران 1944، فإنني لم أكن أعرف شيئا عن مأساة رجال تول الذين أُعدموا شنقا في اليوم السابق. وقد بنت مايليس بيسيري نصها في ثلاثة أقسام، يحمل كل منها اسم امرأة: هورتانس، ولويز، وزوي. جدة وابنة وحفيدة؛ ثلاثة أجيال متعاقبة، لا تتشابه في طباعها ولا في وسائلها لمواجهة الألم. ومع ذلك، فإن ما يجمعهن هنا هو تصدّع واحد، وثلاث طرائق مختلفة لترميمه.

تفتتح هورتانس رواية "بنات التاسع من يونيو". في ذلك اليوم، كان يبدو تحرير مدينة تول أمرا محسوما. لكن حين تستعيد فرقة من قوات ال"إس إس" السيطرة على المدينة، وتختار تسعة وتسعين رجلا لإعدامهم، تجد هورتانس نفسها تختنق فوق شرفتها. زوجها يُشنق أمام عينيها، في اللحظة التي تضع فيها هي نفسها طفلتهما لويز. وكانت هورتانس أما لطفلين من قبل. تقرر أن تقاوم بطريقتها الخاصة: بالصمت. تمحو اسم زوجها من ذاكرتها كي تحمي نفسها وتواصل المضي قدما. تنجو، بالكاد، لكن لهذه النجاة ثمنا ستدفعه بناتها. ففي شخصية هورتانس تناقض مؤلم وقوي بين الحب الهائل الذي تكنه لأطفالها، وعجزها المزمن عن مواجهة ما يؤلمها.

وحيث تختار هورتانس الصمت، تختار لويز، التي وُلدت في خضم المأساة نفسها، نقيضه تماما. تحمل لويز صدمة الشنق مع أمها، فتظهر في صورة نوبات رعب ليلية مروعة، يعجز الأطباء وحتى المعالجة الشعبية في منطقة شاستانغ عن إيقافها. إذا كانت هورتانس تلوذ بالصمت، فإن لويز تريد أن تعرف كل شيء. وتكمن قوتها في الفعل: تصبح مفتشة شرطة، وتجمع ملفا عن جلاد أبيها، والذي ظل بلا عقاب في ألمانيا. تسكن هذه الشخصيةَ غضبةٌ مكتومة وحاجة عميقة إلى العدالة. وتُبنى هويتها كلها حول انتظار محاكمة قاتل أبيها. ومن خلالها ندرك الثمن الإنساني أو المعنوي الذي قد يفرضه التعطش إلى العدالة.

هؤلاء هن "بنات التاسع من يونيو".

وما يجمع هذه الصور الثلاث للنساء أنها جميعا تنبع من الشرخ نفسه: شرخ محاكمة لم تحدث قط على نحو حقيقي. والجانب التاريخي في الرواية موثّق بعناية شديدة: محاكمة بوردو، وحماية أحد المجرمين بموجب اتفاقيات باريس، وإعادة الاعتبار إلى قوات الـ"فافن إس إس" من جانب منظمة HIAG. ويتيح هذا الاهتمام بالتفاصيل للكاتبة أن تبني ردود أفعال بطلاتها الثلاث. تصمت هورتانس لأنها تعرف أن الكلام لن يغير شيئا في ظل الإفلات من العقاب؛ أما لويز فتواجه الأمر مباشرة، وتجمع الأدلة الموثقة؛ بينما تنقل زوي الذاكرة إلى الآخرين، لأن الذاكرة هي العدالة الوحيدة التي لا تزال في متناولها بعدما فشلت عدالة المحاكم فشلا نهائيا. وهكذا تواجه كل واحدة من النساء الثلاث بطريقتها الخاصة ذلك الفراغ القضائي الذي يثير غضبها.

ومن خلال زوي تحديدا، تستطيع مايليس بيسيري أن تفتح رواية "بنات التاسع من يونيو" على التاريخ الذي لا يكف عن تكرار نفسه، وإن بأشكال مختلفة. وهكذا تأتي الصعودات الانتخابية للجبهة الوطنية في ثمانينيات القرن الماضي، والعنصرية اليومية التي تتسلل حتى إلى عائلة زوي نفسها، لتعيد إلى الأذهان الأسئلة الأخلاقية الكبرى التي أعقبت الحرب. وعندما ظهرت النتيجة التي حققتها الجبهة الوطنية على شاشة التلفزيون في مقهى تول، أمام عيني هورتانس وجيلبير المتجمدتين من الصدمة، اجتاحتني مشاعر أخرى: الرعب، وبرودة تسري على امتداد العنق، ونوع من الدوار الذي نشعر به عندما ينفتح جرح كنا نظنه قد التأم. وإلى جانب الألم الهائل الذي يسببه عجز كامل عن الفهم، برز خوف واعٍ، مقزز، خانق. نعم، يمكن لكل شيء أن يبدأ من جديد. يكفي أن نشغل التلفزيون ونرسم خريطة للنزاعات وللفظائع التي ترتكب.

وهذه، بالنسبة إليّ، هي العبرة الكبرى -إن جاز التعبير- التي تحملها هذه الرواية بالنسبة إلى المجتمع الفرنسي اليوم، ولباقي المجتمعات أيضا. عام 2027 يقترب، والانتخابات الرئاسية الفرنسية تلوح في الأفق. ومن خلال رجال تول الذين أُعدموا شنقا، ومن خلال ما يستطيع الإنسان أن يفعله بأخيه الإنسان، والكراهية التي يستطيع أن ينمّيها ويغذيها، وغياب العدالة الذي يدفع الناس إلى الغليان، وجدت أصداء غريبة وملحّة في حاضرنا.

في "بنات التاسع من يونيو"، تروي مايليس بيسيري ما يحدث بين إعدام رجل عادي وبين حياة نسله من النساء على مدى يقارب ستين عاما، من خلال فراغ قضائي ينتقل أثره من جسد إلى جسد. وللعودة إلى ما قلته في بداية هذه المراجعة، فإن الحرب نفسها لا تشغل هنا سوى صفحات قليلة؛ أما الجزء الأهم فيجري بعدها. وهذا الاختيار تحديدا، اختيار الزمن الطويل، هو ما يتيح مقاربة علم النفس النَّسَبي، أي محاولة إظهار الإرث العابر للأجيال للصدَمات النفسية.

وهذه المدة الزمنية نفسها هي التي تمنح صور النساء الثلاث اكتمالها وقوتها؛ لأن الصمت لا ينتقل من جيل إلى آخر إلا عبر الجسد. تولد لويز في اللحظة نفسها التي يُشنق فيها أبوها، والحبل السُّرّي ملتف ثلاث مرات حول عنقها، كما لو أنها وُلدت هي أيضا مشنوقة. أما زوي فتبحث عن الكلمة الغائبة، فتتعقب الناجين وتستخرج شهاداتهم. هؤلاء النساء اللواتي يلفهن الصمت لا يكففن، مع ذلك، عن الفعل؛ وهذا بالضبط أكثر ما يمسني فيهن. أحب فكرة أننا قادرون على مقاومة إرث عائلي يبدو وكأنه يحمل ختما لا يُمحى.

تصمد هؤلاء النساء الثلاث في مواجهة إفلات القاتل من العقاب، وفي مواجهة التاريخ حين يتلعثم ويعيد أخطاءه. كما أن معاركهن توقظ معاركنا نحن أيضا.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحياة من قاع الكأس
- في الأدب، ليس من الخيانة أن ترى العالم بعين الآخر
- رواية قارئ.. كتابة الذات على هامش النصوص المتخيلة
- القِطَاف في شمبانيا
- من عزلة الشاشة إلى أنس الكتاب
- رواية أنا التي أحببتك.. روبيرتا ريكيا
- شمبانيا، أغنيةُ الكروم والحنين
- قرن المثقفين.. ميشيل وينوك
- الشاعر
- كما يحمل النهر لندن
- روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (2)
- روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (1)
- في السوهو
- أصولٌ أخرى للحُب
- المبدع والرقيب
- فردوس العاشقات الحزينات لبرهان شاوي: أسئلة الحب والرغبة واله ...
- لماذا لن أشاهد أوديسة كريستوفر نولان؟
- الأَثَر
- المدعي العام.. فسيفساء الوهم والقتل والأسطورة
- سلامٌ لراشيل


المزيد.....




- الممثل السابق للهند في بريكس: المجموعة قادرة على توحيد الموا ...
- المؤثرة اللبنانية -يومي- تستقبل مولودها الأول وتكشف عن اسمه ...
- فرقة مصرية تثير الجدل في العراق بصورة لصدام حسين وأوباما
- مصر تحظر أنشطة المدارس المتعارضة مع ثقافتها.. وتشدد على دراس ...
- -مادة دسمة للبكاء-.. قصص تفتّش عن الإنسان تحت ركام الحرب
- فيلم -نازا- يفجّر غضب مسؤولين وشخصيات إسرائيلية
- طارق الشناوي يكشف لـRT حقيقة تصريحاته عن محمود عبد المغني
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يفتتح أعمال ال ...
- أفلام فلسطينية نالت جوائز عالمية كبرى
- للرجال والنساء بتعاون فرنسي.. محمد رمضان يدخل سوق العطور الع ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية بنات التاسع من يونيو.. مايليس بيسيري