|
|
قرن المثقفين.. ميشيل وينوك
وليد الأسطل
الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 19:43
المحور:
قضايا ثقافية
تميزت فرنسا، طوال القرن العشرين، بغنى حياتها الفكرية، ولا سيما في باريس. فقد انخرط الكتاب والفلاسفة وعلماء الاجتماع، وكان معظمهم من خريجي المدرسة العليا للأساتذة، في مختلف القضايا الكبرى التي شغلت القرن، فاكتسبوا بذلك مكانة ونفوذا لا مثيل لهما في أوروبا. وهذا هو الموضوع الذي يتناوله المؤرخ ميشيل وينوك في كتابه "قرن المثقفين" (Le Siècle des intellectuels) الصادر عام 1997. وفرنسا هي، قبل كل شيء، بلد "الكاتب-الملك"، ذلك الكاتب الذي تتجاوز مواقفه وكتاباته حدود الأدب الخالص، ويبلغ صداها مجالات الحياة العامة كلها. ومن هنا كانت المكانة التي احتلها المثقف الفرنسي، أشبه بالدور الكهنوتي أحيانا، حين يوظف ما يتمتع به من نفوذ ومكانة في الدفاع عن قضايا سياسية، جديرة بأن تكون موضوعا لدراسة معمقة.
وقد فرض كتاب المؤرخ ميشيل وينوك نفسه، في غضون سنوات قليلة، بوصفه مرجعا أساسيا في التأريخ الفرنسي حول هذه المسألة. تُتَتبَّع ففيه مواقف المثقفين وانخراطهم في الشأن العام، منذ الصراع الحاسم الذي مثّلته قضية دريفوس، وصولا إلى وفاة سارتر وآرون، ومعهما انطفاء صورة نموذجية محتملة للمثقف الملتزم. ويقع الكتاب، مع التسلسل الزمني الملحق به، في أكثر من ثمانمئة صفحة، لكنه مقسم إلى فصول قصيرة نسبيا، تجمع بين الترتيب الموضوعي والتسلسل الزمني، وهي فصول واضحة وسهلة القراءة. والكتاب، في مجمله، مكتوب بأسلوب جيد، ويُقرأ بيسر كبير.
ومن أراد أن يفهم الحياة الفكرية الفرنسية منذ عام 1900، فلا يكاد يستطيع الاستغناء عن هذا الكتاب. كما أن إعادة إصدار قاموس المثقفين الفرنسيين عن دار سوي عام 2009 تشكل مكملا مفيدا لقرن المثقفين. ووينوك لا يعيد هنا سرد تاريخ الأعمال الأدبية أو التيارات الفكرية والأدبية -باستثناء الكتاب الذي لا يمكن تجاهله، وهو كتاب بيندا خيانة رجال الدين (La Trahison des Clercs)- وإنما يرسم صورة بانورامية لانخراط الكتّاب، الذين يشكلون الغالبية العظمى من النخبة المثقفة الفرنسية، في القضايا الكبرى للقرن العشرين: قضية دريفوس، والحرب العالمية الأولى، وأحداث السادس من فبراير 1934، وحرب إثيوبيا، والحرب الأهلية الإسبانية، والحرب العالمية الثانية، وبدايات الحرب الباردة، والجزائر، وستينيات القرن العشرين، والماوية.
ومن خلال ثلاث شخصيات رئيسية: باريه، المناهض لدريفوس؛ وجيد، الخارج على الأعراف؛ وسارتر، المناهض للتيار المناهض للشيوعية، يروي وينوك مواقف المثقفين وانخراطهم في الحياة العامة. وسيلتقي القارئ في صفحات الكتاب بزولا، وموراس، وبيغي، وأناتول فرانس، وبروتون، وأراغون، ومارتان دو غار، ومالرو، ودريو، ومونييه، وكامو، وأليغ، وفوكو، وغيرهم. لكن الكتاب لا يقتصر على مجرد استعراض هذه الأسماء؛ فالحقل الفكري نفسه عرف تطورا خاصا به، يصفه المؤلف بصورة غير مباشرة من خلال السرد المتسلسل للأحداث.
لقد جعلت قضية دريفوس العالم الفكري ينقسم انقساما حادا، أشبه بثنائية الخير والشر: فقد ظهر في النهاية معسكر يدافع عن الحقيقة ويؤمن ببراءة الضابط اليهودي، وانتهى به الأمر إلى الانتصار. لكن المواقف التي اتخذها المثقفون بعد ذلك لم تعرف قط تلك البساطة التي ميزت في البداية معسكرَي الدريفيين والمناهضين لدريفوس.
وأمام القضايا الكبرى التي طبعت الفترة الممتدة من 1914 إلى 1956، كان المثقفون حاضرين في جميع المعارك تقريبا، بدافع المثالية، وبرغبة في التعبير عن مواقف أخلاقية وسياسية تتيح لهم مكانتهم أو موهبتهم أو شهرتهم اتخاذها. لكنهم كانوا، في أغلب الأحيان، يقفون في الجانب الخطأ من تلك المعارك. ولعل أكثر ما يثير الدهشة هنا هو تكرار عجز النخبة الفكرية الفرنسية عن التعامل مع السياسة تعاملا سليما.
وتظل صرخة رومان رولان الساذجة: "المثقف الذي ينخرط في السياسة هو إعلان دعائي على حاوية قمامة"، واحدة من ومضات البصيرة النادرة لدى الكتّاب الملتزمين. فأراغون ينهال بالمديح على ستالين وعلى ال"تشيكا"؛ وبروتون يتقمص دور اليساري المتطرف؛ وبيندا نفسه يناقض مبادئه بالموافقة على محاكمة رايك؛ ودعاة السلام ينتهون إلى قبول ما لا يمكن قبوله تفاديا للحرب؛ ودريو يستسلم لسحر الرجولة الفاشية؛ وبراسيلاش يغرق في النازية...
فإذا كان سواريز قد ندد بهتلر عام 1936 في كتاب رفضت دار غراسيه نشره بدافع الانتهازية، فكم كان هناك، في المقابل، من أمثال فرنانديز وجوهاندو، ومن أمثال أراغون وفورمسر؟ لقد استخدم السياسيون المثقفين بوصفهم واجهة تمنحهم الشرعية، وعجز هؤلاء عن استعادة استقلالهم، وظلوا أسرى مواقفهم التي سبق أن أعلنوا عنها. وفي هذا تحديدا يرى وينوك خلاصة الإخفاق الذي انتهى إليه مشروع انخراط المثقفين في السياسة.
ويقدم جوليان بيندا المثال الأكثر وضوحا على ذلك. ففي كتابه خيانة رجال الدين، ينتقد بيندا انخراط المثقفين في المجال العام، ويدافع عن وجود مجال أدبي وفلسفي وشعري مستقل عن القضايا الكبرى التي تشغل عصره. فهو يرى أن الكاتب ينتقص من شأنه حين يتدخل في مجالات لا تعنيه في الحقيقة، لأن السياسي لن يتردد في استخدامه لمصلحته. ولذلك أراد بيندا أن يكون حارس استقلال الفكر في مواجهة عصره.
وقبل سنوات قليلة من اندلاع الحرب العالمية الثانية، وفي أوج صعود النازية، لم يكن الموقف السياسي المجرد الذي يدافع عنه بيندا مناسبا تماما للظرف التاريخي. لكن المفارقة أن بيندا نفسه خان مبادئه بعد الحرب؛ فأخذ يمجد "الرفيق المجيد" ستالين والنظام الستاليني، ورفض الإصغاء إلى كرافشينكو، ذلك السوفييتي المهاجر الذي أعلن أنه اختار الحرية، وانتهى به الأمر إلى أن أصبح من رفاق الطريق مع الحزب الشيوعي الفرنسي وموريس توريز.
كان مسالما أمام هتلر، وستالينيا أمام الغولاغ...
لم يحافظ إلا عدد قليل من المثقفين على كرامتهم الأخلاقية وسط هذه المواقف والانخراطات السياسية. ولم يدافع إلا قليلون عن الديمقراطية، ولم يؤمن إلا قليلون بالحرية. أما معظمهم فقد راحوا يستعرضون أنفسهم، في تباهٍ، مرتدين بزّات الغضب والتبسيط والتطرف.
بعد عام 1956، ومع المنعطف الذي مثلته أحداث بودابست، أخذ انخراط المثقفين في القضايا العامة يتراجع شيئا فشيئا، إلى أن ظهرت شخصيات متخصصة في مجالات محددة، على خلاف أولئك المفكرين والروائيين الذين كانوا يخوضون غمار القضايا التي يرونها عادلة. ثم انضم إلى هؤلاء المتخصصين، من علماء الاجتماع والاقتصاديين، مثقفون آخرون يعتمدون على وسائل الإعلام، فأصبحت أعمالهم أقل أهمية بكثير من ظهورهم وتدخلاتهم في البرامج التلفزيونية. أما صورة المثقف الباريسي الغاضب، القادم من أجواء سان-جيرمان-دي-بري، فقد جعلت فكرة الالتزام الفكري نفسها مثارا للسخرية.
وكان من شأن هذا الانقسام أن يقضي نهائيا على الدور الشامل للمثقف؛ ذلك الدور الذي كان يستمده من صفته ككاتب أو فيلسوف، ثم يستخدمه للتدخل في المجال العام وإبداء الرأي في قضايا ليست بالضرورة من اختصاصه.
وهكذا يتابع القارئ، على امتداد القرن، قصة انخراط المثقفين الفرنسيين في القضايا العامة: مواقف كانت أحيانا مرتبكة أو حمقاء، لكنها كانت في كثير من الأحيان صادرة عن حسن نية وحماسة صادقة.
أما المأخذ الأكبر على كتاب وينوك، فيتمثل في الشعور بأن فصوله الأخيرة، ابتداء من ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، قد عولجت على عجل. ففوكو وبارت، ثم بورديو في مرحلة لاحقة، كانوا يستحقون أكثر بكثير من الفقرات القليلة التي خصصها لهم. ولعل السبب في ذلك أن هذه الفترة كانت لا تزال قريبة جدا، بحيث لم تكن قد أفرزت بعدُ ببليوغرافيا كافية وذات حجم يسمح بالاعتماد عليها؟
وبصرف النظر عن هذه الملاحظة، يظل الكتاب جديرا بالسمعة الممتازة التي اكتسبها.
#وليد_الأسطل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الشاعر
-
كما يحمل النهر لندن
-
روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (2)
-
روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (1)
-
في السوهو
-
أصولٌ أخرى للحُب
-
المبدع والرقيب
-
فردوس العاشقات الحزينات لبرهان شاوي: أسئلة الحب والرغبة واله
...
-
لماذا لن أشاهد أوديسة كريستوفر نولان؟
-
الأَثَر
-
المدعي العام.. فسيفساء الوهم والقتل والأسطورة
-
سلامٌ لراشيل
-
ابنُ بابين لا يُغلقان
-
البحث عن ألمانيا المضيئة في حريق مسرح فايمار
-
ملامح الصبي الذي لم يتعلّم الوداع
-
19 يوليو.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
-
أرشيف دالكي.. فلان أوبراين
-
رواية العروس الصامتة.. بييرجورجيو بوليكسي:
-
راشيل، الغيابُ الطويل.. والجدران التي تعرف أكثر (في الغياب ن
...
-
سلطان وبغايا.. تفكيك للمدينة ولجهاز إنتاج المعنى
المزيد.....
-
فدراسيون الجالية الكردستانية - الدنمارك تشارك في مراسم تكريم
...
-
سماء مصر على موعد مع حدث فلكي استثنائي
-
موقع: أكثر من 50% من البولنديين يعارضون تقديم مساعدات عسكرية
...
-
أردوغان: تجار الدم ومرتكبو الإبادة سيخسرون و-قرن تركيا- قد ب
...
-
سليمان منصور: رحيل صاحب عمل -جمل المحامل- الذي -حمل فلسطين ف
...
-
الرئيس الألماني: لا امتيازات في المواطنة لما يسمى -الألمان ا
...
-
محلل كويتي: ترامب لا يبالي أصلا حين تُستهدف الكويت
-
مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يصل روسيا
-
رسالة مصرية إلى واشنطن بشأن المنطقة وأمن الملاحة
-
ريابكوف يبحث مع سفير إسرائيل الحد من التسلح
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|