أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - من عزلة الشاشة إلى أنس الكتاب














المزيد.....

من عزلة الشاشة إلى أنس الكتاب


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 16:00
المحور: الادب والفن
    


الوحدة هي الشر الجديد لهذا العصر، والسبب في ذلك أنماط حياة تميل إلى عزل الأفراد، كلٌّ منهم داخل فقاعته الخاصة. لم نعد نتحدث مع بعضنا، وإنما نتواصل عبر تطبيقات المراسلة الفورية. وبدل الخروج مع الأصدقاء، نفضل صحبة مسلسل يُعرض على أحد مواقع البث. وهذا الانكفاء الكبير على الذات، وهذه الحياة الضئيلة المحصورة بين جدران غرفة المعيشة الأربعة، يفرزان وحدة مستوطنة وشعورا عاما بالضيق من الحياة.

أصبحت الوحدة قضية من قضايا الصحة العامة. ففي مايو الماضي، عرضت مارين تونديلييه، زعيمة حزب الخضر الفرنسي وأحد أبرز الوجوه السياسية البيئية في فرنسا، مجموعة من الإجراءات لمكافحة هذه الآفة، في إطار حملتها للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة عام 2027. فالوحدة موجودة في كل مكان، في الريف كما في المدن الكبرى. وقد حلت الهواتف المحمولة وإمكاناتها اللامتناهية محل المقاهي الشعبية. وأصبح كل فرد يعيش داخل شرنقة، قوامها محادثات مع أصدقاء عابرين التقى بهم على الإنترنت.

إن عالمنا اليوم يفقد شيئا من عمقه لصالح عالم تهيمن عليه حياة افتراضية بالكامل. والعقل، الذي تستحوذ عليه باستمرار ألف تفاهة وتفاهة، لم يعد يمتلك حتى الحماس اللازم للتوجه نحو الآخر؛ لقد أصبح يميل إلى الاكتفاء بذاته. وفي ظل هذا الاحتفاء بالأنا الذي يتخذ أشكالا لا حصر لها، وفي خضم مصادرة الحياة الاجتماعية، يشعر الفرد بأنه أكثر وحدة يوما بعد يوم، وأنه قد حُرم متعة الحياة.

وهذا أكثر صدقا لدى الشباب، حيث تتشكل حياتهم وتتبدل وفق إيقاع هوياتهم الرقمية. فقد أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي محاكمَ يحاكمون فيها طوال اليوم، فيجدون أنفسهم موضع حكم وسخرية وتنمر وإساءة، وينال من فرادتهم وكيانهم الوجودي. وأمام هذا الطوفان من الكراهية بمختلف أشكالها، تذبل حياتهم وتتفتت، لتتحول إلى أشكال من الوحدة تسجنهم داخل عالم مغلق، منغلق على ذاته، من دون أي تدخل من الخارج.

إذا كانت الوحدة ضرورية بالنسبة إلي لمواجهة قسوة العالم، وإذا كنت أحيانا أستمتع بها، وأمارسها بجرعات كبيرة، فإنها بالنسبة إلى غالبية الناس تبدو عدوا رهيبا. إنهم يخشونها ويرهبونها، ويحاولون الهروب منها بكل الوسائل الممكنة. وحين تنتصر عليهم في النهاية، رغم كل جهودهم، يظهر المرار، ومعه نصيب من مشاعر الضغينة والانفعالات السلبية، مصحوبا بإحساس لا ينتهي بالفشل والعجز.

ومع ذلك، وأقول هذا بكل ما يمكن من تواضع وبصيرة، هناك علاج يمحو كل وحدة ويجعل الحياة أكثر إثارة ومتعة بما لا حدود له: القراءة.

لست وحيدا أبدا عندما تقرأ. فالكتاب لن يتخلى عنك أبدا؛ كما أنه سيتقبلك كما أنت، من دون أن يحكم عليك أو ينتقدك. وسيكون حليفك الأكثر وفاء، ومنارةً في كآبة وجودك، ورافعا لمعنوياتك، ومزوّدا لا يكلّ بالأفكار والمشاعر، وبذلك الإحساس بالمشاركة والتواصل الذي يتجسد في لحظة رائعة من التلاقي.

إن كنوز الأدب العالمي هنا، في متناول اليد. إنها تنتظرك. إنها تتطلع إليك. إنها تريدك. لقد داوت أمراضا كثيرة، وخففت من وطأة كثير من حالات اليأس، وواست آلاما لا حصر لها. ولذلك فإن آلامك لا تخيفها؛ وستعرف كيف تهدئها برفق وحساسية. كتاب واحد، وستنسى أهوال الحياة اليومية، وتنطلق في رحلة لا تكلفك شيئا سوى قدر بسيط من الانتباه.

قد يخيب الكتاب أملك، لكنه لن يخونك أبدا. سيبقى إلى جانبك في جميع الظروف. وسيفتح لك أبواب عوالم رائعة، تنتقل فيها من اكتشاف إلى اكتشاف، ومن نشوة إلى نشوة، ومن مفاجأة إلى مفاجأة. وبالنسبة إلى القارئ المواظب، لا يمكن للوحدة أن توجد؛ فالكتب تقاومها، إذ إنها نوافذ مفتوحة على عوالم مجهولة. كتاب واحد، وإذا بك في مكان آخر.

انسَ شبكات التواصل الاجتماعي، وانسَ تطبيقات المراسلة الفورية، وانسَ هذه الحداثة الزائفة التي تنزع عنك إنسانيتك وتجعلك غارقا في الحماقة. أغلق حواسيبك، أطفئ هواتفك، وافتح كتابا، أيّ كتاب، وسيجعلك إنسانا أفضل. سيعلمك الصبر والتعاطف، اللذين لا تستقيم الحياة من دونهما. وسيملأ صمتك، ويغذي أفكارك وتأملاتك، ويعمق معارفك.

ولمن يشعر بالوحدة، لا أقول إلا شيئا واحدا: اقرأ. اقرأ كل شيء وأي شيء. اقرأ في سريرك أو جالسا على أريكتك، اقرأ في المساء أو عند بزوغ الفجر. اقرأ بلا حساب، اقرأ لكي توجد، اقرأ كما تتنفس. اقرأ في عطلاتك، اقرأ صفحة واحدة كل يوم. اقرأ حتى تفقد صوابك، اقرأ كأنك مسكون بالقراءة، واقرأ باعتدال. اقرأ لتتسلى، اقرأ لتحلم قليلا، اقرأ لتفهم النساء والرجال. اقرأ كي لا تموت. اقرأ، اقرأ، اقرأ؛ وسترى أنه، في وقت قصير، ستصبح وحدتك عزيزة عليك إلى حد أنك ستنتهي إلى محبتها والاعتزاز بها.

القارئ وحيد، لكنه لا يشعر بالوحدة أبدا.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية أنا التي أحببتك.. روبيرتا ريكيا
- شمبانيا، أغنيةُ الكروم والحنين
- قرن المثقفين.. ميشيل وينوك
- الشاعر
- كما يحمل النهر لندن
- روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (2)
- روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (1)
- في السوهو
- أصولٌ أخرى للحُب
- المبدع والرقيب
- فردوس العاشقات الحزينات لبرهان شاوي: أسئلة الحب والرغبة واله ...
- لماذا لن أشاهد أوديسة كريستوفر نولان؟
- الأَثَر
- المدعي العام.. فسيفساء الوهم والقتل والأسطورة
- سلامٌ لراشيل
- ابنُ بابين لا يُغلقان
- البحث عن ألمانيا المضيئة في حريق مسرح فايمار
- ملامح الصبي الذي لم يتعلّم الوداع
- 19 يوليو.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أرشيف دالكي.. فلان أوبراين


المزيد.....




- التعليم العالي تعلن تفاصيل قبول الطلاب الحاصلين على الشهادات ...
- التعليم العالي: «القاهرة 2026» تتجاوز حدود المنافسات الرياضي ...
- تقرير: مسؤولون عسكريون يخشون تأثير نهج هيغسيث على جهود تحديث ...
- انطلاق تدريب معلمي اللغة الألمانية على كتاب «Dabei» المقرر ض ...
- -السيدات العالمات-.. معرض في موسكو يروي قصص رائدات العلم
- صفقة النفط مع فنزويلا.. -مشهد مافيا- على طريقة فيلم العراب؟ ...
- يعقوب الأطرش.. فنان فلسطيني يكتب التاريخ بالفسيفساء
- 5 صفقات أشعلت الانطلاقة العالمية للموسيقى الإفريقية
- الفاشر وأسئلة المآل.. حين تصبح الثقافة والتراث والإبداع تحت ...
- من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - من عزلة الشاشة إلى أنس الكتاب