أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية أنا التي أحببتك.. روبيرتا ريكيا














المزيد.....

رواية أنا التي أحببتك.. روبيرتا ريكيا


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 15:16
المحور: الادب والفن
    


بعد رواية "الحياة التي تبقى" La vie qui reste، نشرت روبيرتا ريكيا "أنا التي أحببتك" Moi qui t’aimais. في الرواية الأولى، كانت المأساة تلاحق عائلة بأكملها، وقد دمرها موت مراهقة على أحد الشواطئ. أما في الثانية، فإن شخصية ثانوية، هي الأخ الأصغر، مذنب لم تُرسم ملامحه إلا بالكاد، يبدو أنها واصلت مطاردة الكاتبة في ذهنها، إلى حد أنها قررت هذه المرة أن تجعل منه الشخصية الرئيسية. وهكذا، في قلب "أنا التي أحببتك"، يكتشف القارئ لوكا، الصبي الصغير البالغ من العمر أربعة عشر عاما.

يعيش مع عائلته في منتجع ساحلي صغير في جنوب إيطاليا، ويختبر في ذلك الصيف أول حب أفلاطوني له مع فتاة نابضة بالحياة ومشرقة، إلى أن تختفي. وحين يأتي رجال الدرك الإيطالي (الكارابينييري) ويطرقون باب العائلة لاعتقال شقيقه، تتلاشى الطفولة والمراهقة في نَفَس واحد. ولتحمي العائلة من العار الذي سيسقط عليها بكل ثقله، تضع أم لوكا ابنها في قطار متجه إلى شمال إيطاليا، إلى منزل عمه أومبرتو وعمته مارا. عندها لا يبقى من ذلك العش الدافئ المحصّن سوى صمت رهيب، تزيده وطأةً الأشياء التي لم تُقَل. وكما اختفت رائحة البحر تماما، رحلت البراءة بلا رجعة. عليه أن يترك خلفه شقيقه المذنب، ووالديه المحطمين المذهولين، وفلافيا التي تمثل حبا جديدا كان في طور التكون.

من هذا الحطام، لم يبق سوى فتى وحقيبة… وعلى هذين العنصرين تبني روبيرتا ريكيا توازن روايتها الثانية.

تأتي "أنا التي أحببتك" لتستقر على الجانب الآخر من مرآة "الحياة التي تبقى"، مستندةً إلى شخصية مستقلة تماما يسهل فهمها حتى دون قراءة الرواية السابقة، وفي الوقت نفسه تكافئ أولئك الذين، مثلي، يعثرون فيها على أصداء مشاهد عاشوها من قبل. لقد تطلب الوصول إلى هذه النتيجة قدرا كبيرا من الدقة في البناء، ورهافة لا متناهية. ما أجمل أن يغوص المرء في هذا النص، وهو يستحضر في ذاكرته المشاعر التي اختبرها سابقا!

لوكا ضحية جانبية لمأساة. ففي غضون ساعات قليلة، يخسر كل شيء. ومع ذلك، فإن شبهه الجسدي بشقيقه يكفي ليجعله مشتبها به في نظر العالم أجمع، وعبئا على والديه. تجعل رواية "أنا التي أحببتك" القارئ يشعر بثقل مثل هذا الإرث يوما بعد يوم. في النظرات التي تنصرف عنه، وفي صمت الوالدين اللذين لم يعودا يعرفان كيف يحبّان، وفي شكوك مارا بشأن احتمال وجود نزعة عنيفة موروثة، سيتعين على لوكا أن يعيد بناء نفسه وأن يجد طريقه الخاص. ومن دون أن يريد ذلك، يحمل ظل تلك الجريمة، ويصبح "من بقي".

في مثل هذا المناخ، هل كان لا بد من انتزاعه من بيئته ومن حب أهله؟

تحدد "أنا التي أحببتك" ثمن الحماية، ليس فقط فيما تنقذه، وإنما أيضا فيما تبتره وتنتزعه.

يتعلق البتر بعائلة الدم، بينما تكون الحماية من نصيب عائلة التبني. وهذه العائلة الجديدة تتشكل بفضل أومبرتو ومارا وابنتيهما. تستعيد "أنا التي أحببتك" نورها، وتركّز روبيرتا ريكيا عندها على تطور المشاعر الإنسانية. وبإصرار لا يتزعزع، تثبت أن الحب، حتى وإن تحطم، قادر على أن يعاد بناؤه. إنها مهمة محفوفة بالمخاطر وبطيئة، لكنها تجد الطريق إلى غد أكثر سعادة.

ومرة أخرى، تتمحور الرواية حول لوكا، الذي عليه أن يسامح نفسه أولا لأنه لم ير شيئا، ثم أن يتصور، في يوم من الأيام، إمكانية مسامحة شقيقه، ذلك البطل الذي رافق طفولته واحتضنها. تمتد الحكاية على عدة سنوات، لتشهد على هذه العملية، من دون أن تتيح للقارئ أبدا أن يتنبأ بما سيفعله لوكا لاحقا.

يمنح هذا الامتداد الزمني "أنا التي أحببتك" بصمتها الروائية التي لا جدال فيها، من دون أن تتراجع روبيرتا ريكيا لحظة واحدة عن الشدة التي تمنحها للرواية ولشخصياتها. لا توجد هنا اختصارات؛ فكل عودة إلى الماضي تأتي عبر شيء ما: غرض، أو أغنية، أو رائحة. وكما في رواية "الحياة التي تبقى"، لا تستخدم الكاتبة حيلا سردية مصطنعة؛ إنها تراهن على مشاعر قارئها. وهذا ينجح فعلا. فهي تجعلنا نشعر في أعماقنا بمعضلات أبطالها، وتضعنا أمام التساؤلات والخيارات والقرارات نفسها. نشعر في أجسادنا بالثمن الذي يدفعه لوكا بسبب جريمة ليست جريمته، وبمدى معاناته لأنه فقد والديه بسبب هذه القضية، وبمدى اتساع ذراعي المستقبل له، رغم هذه القصة الشخصية الرهيبة.

يتتابع كل مشهد مع سابقه بدقة صائغ الذهب. فأصغر الحركات، حتى تلك التي تبدو عابرة، تفتح الطريق أمام مشاهد مشبعة بالحنين أو الحنان. لا تفرض كتابة روبيرتا ريكيا العاطفة على القارئ، لأنها لا تفرض أيضا ما يمكنها أن تتركه للتلميح والاستنتاج. وفي هذا المعنى، أجد في أسلوبها الكثير من قلم لوكا دي فولفيو. فكلاهما يكتب بطريقة بصرية وحسية، وتأتي كتابتهما في خدمة النفس السردي. وفوق ذلك، يصفان إيطاليا الشعبية وصفا عميقا ونابضا، متجذرا في أماكن محددة وطبقات اجتماعية واضحة، ويرسمان لوحات عائلية واسعة تحمل فيها أجيالٌ عبء الأجيال السابقة.

إذا قررت قراءة "أنا التي أحببتك"، فستحظى بامتياز مشاهدة مشهد يُروى مرتين، من وجهتي نظر متعارضتين. وقد فتح هذا مجالا حقيقيا من الاحتمالات، لا سيما أن الكاتبة أقرت بأنه، بعد أن أغلقت صفحة مأساة بيتّا أنسالدو، ظل لوكا، الذي ظهر لفترة وجيزة في تلك القصة، حاضرا معها، إلى أن كرست له كتابا كاملا.

وبما أنني أحببت "الحياة التي تبقى" كثيرا، فقد اندفعت بشغف إلى "أنا التي أحببتك". وفي هذا الموسم الأدبي الذي تفتقر فيه النصوص أحيانا إلى الروح الروائية، استمتعت بهذه الاستراحة التي تمنح الشخصيات والمشاعر مكانتها المستحقة. إنها غوص مُنقذ في نوع أدبي يلائمني إلى حد كبير.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شمبانيا، أغنيةُ الكروم والحنين
- قرن المثقفين.. ميشيل وينوك
- الشاعر
- كما يحمل النهر لندن
- روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (2)
- روايتي ذاكرة شمبانيا: من التاريخ إلى الإنسان (1)
- في السوهو
- أصولٌ أخرى للحُب
- المبدع والرقيب
- فردوس العاشقات الحزينات لبرهان شاوي: أسئلة الحب والرغبة واله ...
- لماذا لن أشاهد أوديسة كريستوفر نولان؟
- الأَثَر
- المدعي العام.. فسيفساء الوهم والقتل والأسطورة
- سلامٌ لراشيل
- ابنُ بابين لا يُغلقان
- البحث عن ألمانيا المضيئة في حريق مسرح فايمار
- ملامح الصبي الذي لم يتعلّم الوداع
- 19 يوليو.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أرشيف دالكي.. فلان أوبراين
- رواية العروس الصامتة.. بييرجورجيو بوليكسي:


المزيد.....




- تركيا.. نجار متقاعد يحول جدران بلدته إلى لوحات فنية
- -رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور ...
- حرب الروايات في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحاول إسرائيل إعاد ...
- -الفراشة الماسية- تفتح آفاقا جديدة للتعاون السينمائي الروسي ...
- جرس القيصر.. قصة جرس روسيا العملاق الذي لم يُقرع أبدا
- جون بولتون: مهمة مدير -سي آي إيه- في موسكو مسرحية ترمبية
- وفاة الفنان المصري محمد التاجي عن عمر يناهز الـ 72 عاما
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يلتقي محافظ ال ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد جامعة ال ...
- قنصوة: الأنشطة الطلابية جزء أصيل من التجربة الجامعية.. والمو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية أنا التي أحببتك.. روبيرتا ريكيا