|
|
الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتعطلت هنا؟ …
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 15:00
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ من أشهر القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بمقتل أعداد هائلة من شعوبهم ، يبرز الزعيم الصيني ماو تسي تونغ ، الذي أدت سياساته ، ولا سيما خلال «القفزة الكبرى إلى الأمام» والثورة الثقافية ، إلى مقتل عشرات الملايين من الصينيين ، وفق تقديرات تاريخية مختلفة ، وبالطبع ، فإن مقارنة الصين بسوريا تحتاج إلى مراعاة الفارق الهائل في عدد السكان والمساحة والظروف التاريخية ؛ فقد تعرض الشعب السوري منذ عام 2011 إلى واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث ، وسقط مئات الآلاف من السوريين، فيما تتراوح التقديرات الإجمالية للضحايا ، بحسب المصادر والمنهجيات ، بين مئات الآلاف وما يزيد على نصف مليون ، لكن أهمية المقارنة لا تكمن في عدد الضحايا ، وإنما في السؤال الذي يأتي بعدها : كيف استطاعت الصين ، رغم حجم الكارثة التىّ مرت بها ، أن تحافظ على استمراريتها التاريخية ، ثم تنتقل لاحقًا إلى بناء قوة اقتصادية وسياسية وتكنولوجية عالمية ؟، فالصين مجتمع خاص من حيث الاستمرارية الحضارية ؛ فهي حضارة تمتد لآلاف السنين ، تعاقبت عليها سلالات وحكومات متعددة ، ومع ذلك بقي الإحساس بالكيان الصيني واستمراريته حاضرًا رغم الحروب والثورات والتحولات الكبرى ، كما أن حجمها السكاني والجغرافي يجعلها حالة استثنائية ؛ إذ إن عدد سكان بعض مقاطعاتها يتجاوز سكان دول بأكملها .
ولهذا ، ورغم القوة التىّ امتلكها ماو ، لم يستطع أن يغيّر البنية العميقة للمجتمع الصيني بصورة كاملة ، استطاع أن يعيد تشكيل الدولة والمجتمع وفق رؤيته الأيديولوجية ، وأن يحدث تحولات هائلة ومؤلمة ، لكن الحضارة الصينية كانت أعمق من أن تختفي خلف مرحلة سياسية واحدة ، وبعد نهاية تلك المرحلة ، استطاعت الصين أن تعيد توجيه نفسها نحو الإصلاح والانفتاح والتنمية ، وصولًا إلى القوة التىّ تمثلها اليوم ، ومن هنا يبرز السؤال الذي يدور في ذهن كثير من العرب ، سواء كانوا مواطنين عاديين أو مراقبين وباحثين : لماذا نجحت عملية الإصلاح والتحول في الصين ، بينما تعثرت محاولات النهوض في العالم العربي؟ربما لا تكفي الإجابة التىّ تختزل المشكلة في الاستعمار العسكري والحروب والتقسيم ، فهذه العوامل تركت آثارًا عميقة بلا شك ، لكنها ليست وحدها التىّ تفسر المأزق العربي ، ثمة عامل أكثر عمقًا يتعلق بالثقافة والوعي وطريقة نظر الإنسان العربي إلى ذاته وإلى العالم .
فمنذ نشوء النظام الاستعماري الحديث ، لم تكن السيطرة على الأرض والموارد هي الوسيلة الوحيدة لإخضاع المجتمعات ؛ بل رافقها إنتاج صورة عن الشرق والعرب والمسلمين ، ارتبط جزء منها بما عُرف تاريخيًا بالاستشراق ، ولا يمكن اختزال الاستشراق كله في وظيفة استعمارية واحدة ، فقد أنتج أيضًا دراسات ومعارف متعددة ، لكن بعض اتجاهاته حمل تصورات مركزية أوروبية ونظرات دونية إلى المجتمعات الشرقية ، المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الصورة الخارجية إلى وعي داخلي ؛ عندما تصبح الأمة مقتنعة بأن عقول أبنائها ليست بمستوى عقول الآخرين ، وأن التحديث لا يمكن أن يأتي إلا من الغرب ، وأن عليها أن تستورد المعرفة والنموذج والمؤسسة بدل أن تنتجها بنفسها ، في مثل هذا الواقع يصبح النمو الطبيعي أكثر صعوبة ؛ لأن النهضة لا تقوم على الاقتصاد وحده ، وإنما تحتاج أولًا إلى ثقافة تؤمن بقدرة الإنسان على صناعة مستقبله ، ولذلك يمكن القول إن الاستعمار لم يدمر المدن والزراعة والاقتصاد فحسب ، وإنما ترك أثرًا في المجال الأكثر حساسية : الثقافة التىّ تشكل وعي الأمة بنفسها .
وهنا ربما تكمن إحدى نقاط الاختلاف مع التجربة الصينية ، فالصين ، رغم تعرضها لحروب وتدخلات خارجية وإذلال تاريخي ، لم تفقد بصورة كاملة تصورها عن ذاتها كحضارة مستقلة ، وعندما بدأت مرحلة الإصلاح ، لم تحاول أن تتحول إلى نسخة من الغرب ، بل استفادت من التكنولوجيا والاستثمار والتجارة العالمية ، مع الحفاظ على تصورها الخاص للدولة والمجتمع والمصلحة الوطنية ، ومن هذه الزاوية ، فإن شخصية الرئيس الصيني شي جين بينغ تمثل مرحلة مختلفة في التاريخ الصيني الحديث ، لكنها ليست بداية النهضة الصينية ، فشي جاء إلى قيادة دولة بنت قدراتها الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية خلال عقود طويلة ، ثم أعاد في عهده التأكيد على مركزية الدولة ، والقوة الوطنية ، والتكنولوجيا ، والأمن القومي ، والحضور الدولي ، وفي المقابل ، تبدو العلاقة بين شي والرئيس الأمريكي دونالد ترمب مختلفة عن العلاقات التىّ جمعت القادة الأمريكيين والصينيين في مراحل سابقة ، فترامب يمتلك أسلوبًا تفاوضيًا مباشرًا ، يميل إلى كسر القواعد التقليدية في العلاقات الدولية ، ووضع التجارة والرسوم الجمركية والصفقات في قلب التفاوض ، بينما تنظر الصين إلى علاقاتها الدولية ضمن حسابات استراتيجية طويلة المدى .
ما زال الرئيس ترامب ، حتى الآن ، يواجه صعوبة في تحويل معظم المبادرات التىّ أطلقها إلى تسويات نهائية ؛ فمسار حل الدولتين لا يزال دون اتفاق نهائي ، ومشروع إعادة إعمار غزة وإعادة تنظيمها وفق تصور جديد لم يدخل بعد مرحلة التنفيذ الكامل ، فيما تستمر الحرب الروسية–الأوكرانية رغم محاولات الوساطة الأمريكية ، كذلك لم تُفضِ الجهود مع إيران إلى اتفاق نهائي ومستقر ، بينما لا يزال الوضع في لبنان مفتوحًا على تساؤلات تتعلق بتنفيذ التفاهمات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية ، لكن الأهم في هذا السياق أن سلسلة الاجتماعات والمفاوضات مع الصين لم تُنتج ، حتى الآن ، تحولًا استراتيجيًا كبيرًا يوازي حجم التوقعات التي رافقت تلك اللقاءات .
ومع ذلك ، فإن التاريخ الأمريكي–الصيني يثبت أن الخصومة لا تمنع التفاوض ، ففي عهد الرئيس ريتشارد نيكسون ، استطاعت واشنطن وبكين فتح صفحة جديدة من العلاقات ، بعدما أدار هنري كيسنجر اتصالات مهمة مع رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي ، ثم التقى نيكسون ماو تسي تونغ في زيارته التاريخية إلى الصين عام 1972، والتىّ انتهت ببيان شنغهاي ، وبعد ذلك استُكمل مسار التطبيع في عهد الرئيس جيمي كارتر عام 1979 ، وقد انعكست تلك التحولات على موقع الصين في النظام الدولي ، لأنها لم تكن مجرد لقاءات بروتوكولية ، بل جزءًا من إعادة ترتيب كبرى لموازين القوى خلال الحرب الباردة ، أما اليوم ، فإن العلاقة بين واشنطن وبكين أكثر تعقيدًا ؛ فالصين لم تعد مجرد قوة يمكن استخدامها في مواجهة الاتحاد السوفييتي ، وإنما أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية واستراتيجية تنافس الولايات المتحدة مباشرة ، ولهذا أصبحت ملفات الرسوم الجمركية ، والتجارة ، والذكاء الاصطناعي ، وأشباه الموصلات ، والمعادن النادرة ، والسيارات ، والزراعة ، إلى جانب الملفات الأمنية والسياسية ، جزءًا من العلاقة بين البلدين ، إلا أن المفاجأة الكبرى هي ارتفاع التبادل الاقتصادي بين البلدين ، مع استمرار تفوق الصادرات الصينية إلى السوق الأمريكية ، لذلك ، يشدد ترمب على استمرار صادرات المزارعين الأمريكيين إلى الصين ، ويبدي انفتاحًا على السيارات الصينية بشرط تصنيعها داخل الولايات المتحدة . وفي الوقت نفسه ، تسعى الصين إلى توسيع حضورها في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا من خلال التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا ، ومن هنا يمكن فهم سبب الاهتمام الصيني المتزايد بعلاقاتها مع الهند ، وكذلك حضورها الاقتصادي في مصر ودول عربية أخرى ، إذ لم يعد الاقتصاد الصيني منفصلًا عن السياسة الخارجية ، وإنما أصبح أحد أهم أدوات بناء النفوذ الدولي .
لكن المفارقة التىّ تستحق التوقف عندها هي أن الصين ، التىّ تعرضت في تاريخها الحديث لكوارث هائلة ، استطاعت أن تحول تجربتها التاريخية إلى مشروع مستقبلي متراكم ، بينما ما زال العالم العربي يعاني من صعوبة تحويل إمكاناته الكبيرة إلى مشروع نهضوي مستمرة ، فالعرب يمتلكون الموقع الجغرافي ، والثروات ، والأسواق ، والموارد البشرية ، والإرث الحضاري ، لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى قوة تاريخية ، وهنا ربما يكون السؤال الحقيقي أكبر من الاستعمار وأكبر من السياسة الدولية : هل استطاع العرب أن يستعيدوا ثقتهم بقدرتهم على صناعة المستقبل؟
فالأمم لا تنهض فقط عندما تتحرر من الاحتلال ، وإنما عندما تتحرر أيضًا من الشعور بالعجز ، ولا يكفي أن نمتلك تاريخًا عظيمًا ؛ فالتاريخ الذي لا يتحول إلى معرفة ، والمعرفة التىّ لا تتحول إلى مؤسسات ، والمؤسسات التىّ لا تتحول إلى إنتاج ، تبقى في النهاية مجرد ذاكرة ، لقد سرق الاستعمار في مراحل سابقة كثيرًا من موارد المنطقة ، لكنه ترك أيضًا سؤالًا أكثر تعقيدًا : ماذا فعلنا نحن بعد رحيله؟
وربما هنا تكمن المسافة الحقيقية بين التجربة الصينية والتجربة العربية ، فالصين لم تعتمد على ماضيها وحده ، ولم تتوقف عند أخطاء قادتها ، وإنما استطاعت أن تحول الذاكرة التاريخية إلى عنصر من عناصر بناء الدولة الحديثة .
أما العالم العربي ، فما زال بحاجة إلى تحويل الحضارة من ذاكرة نفتخر بها إلى مشروع ننتجه ؛ وإلى الانتقال من سؤال : من المسؤول عن هزيمتنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية : كيف نستعيد القدرة على صناعة مستقبلنا؟
فالتاريخ لا يمنح الأمم ضمانًا دائمًا بالبقاء في المقدمة ، كما أن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا…والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨🍳: مَن ي
...
-
العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴
...
-
الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا
...
-
من نهفات الحرب على إيران: باب المندب🚪... حيث يدفع ال
...
-
السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …
-
الاصطدام العربي الإيراني:بين لعبة الأمم 🇺🇳 و
...
-
صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …
-
من جغرافيا الطاقة⛽إلى جغرافيا الذكاء🤖…
-
بين معطف🧥غوغول وصراع النظريات:جدلية المبدأ والنتيجة
...
-
إيران🇮🇷تمدد نفوذها إلى باب المندب:تحولات الق
...
-
الفساد حين يصبح قدراً: نظرة👀طفل في هشاشة البناء الأخ
...
-
قراءة📕في تحوّلات الموقف الدولي تجاه إسرائيل:من المقا
...
-
سلطة المعرفة وتناقضات التكوين 😏:من حداثة العلم إلى إ
...
-
طواحين الهواء والكرش : في سوسيولوجيا الاستحمار الحداثي قراءة
...
-
-الدولة الفلسطينية 🇵🇸 والتحولات الإسرائيلية:
...
-
لا تنسوا حذائي ..
-
الحلم الجماعي في زمن القهر😇:قراءة في بيداغوجيا المقه
...
-
نبوءات حزقيال وسيناريوهات المواجهة: قراءة في خريطة الصراع من
...
-
حين تسقط الأقنعة 😷…
-
من السيارة الصينية🇨🇳إلى سد النهضة.. كيف تعيد
...
المزيد.....
-
رغم أمر قضائي بإعادة تصاريحهم.. منع بعض موظفي CNN من دخول ال
...
-
السعودية.. الدفاع المدني يعلن انتهاء -إنذار الطوارئ- في مكة
...
-
بوتين يبحث مع مجلس الأمن الروسي تدابير إضافية لتعزيز أمن الب
...
-
واشنطن تبعث طائرات عمرها 80 سنة من -قبورها- لتعويض خسائرها ف
...
-
قتلى بغارات جوية باكستانية على أفغانستان.. وطالبان تتوعّد با
...
-
من بينها المبادرة المصرية: 38 منظمة حول العالم تنضم للدعوى
...
-
-الرئيس الصيني لم يظهر رغبة للضغط على إيران لإنهاء الحرب- -
...
-
تبادل رسائل بين طهران وواشنطن.. وتطورات متسارعة في لبنان وغز
...
-
بعد قرار ترامب.. قاضٍ يأمر بإعادة السماح لـ-سي إن إن- و-بولي
...
-
حشود تحتفل باليوم الوطني السعودي بالأعلام والعروض ومسيرة عسك
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|