أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - حريات حريات لتغطية الملفات: تشريح الاحتلال الناعم















المزيد.....

حريات حريات لتغطية الملفات: تشريح الاحتلال الناعم


احمد الكافي يوسفي

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 13:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


احمد الكافي يوسفي، باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة
مقدمة: المفارقة
ثمة مفارقة تسكن خطاب الحرية في زمننا هذا: القيم التي وُلدت لتحرير الإنسان من قيوده، تحوّلت إلى أغلال جديدة. والحرية التي كانت سلاح المقهورين، صارت درعا للقاهرين. هذا ليس سوء استخدام عرضيا، بل انقلاب بنيوي في وظيفة القيم ذاتها — تحوّل جوهري في بنية الخطاب السياسي ، حيث تُستدعى الحرية لا لتحرير الشعوب، بل لتبرير استعبادها، وتُرفع الديمقراطية لا لتمكين الناس، بل لتشريع نهب ثرواتهم.
أولا: شعارات "حريات حريات" — الاقتصاد السياسي للقناع

يريدون دولة لوبيات وعصابات ومافيات، لكنهم يرفعون شعارات "حريات حريات" لتغطية ملفات. هنا الخطاب المجرّد، خطاب الحريات يُستخدم كستار وحجاب ولثام وغطاء للفعل الملموس، فعل النهب : نهب الشركات الأجنبية للثروات الوطنية. فبينما يُشغل الناس بمعركة الأفكار حول الحريات العامة وهي معركة يمولها الغرب الاستعماري، تمرّ ملفاتهم الحقيقية —النهب، التبعية، التفقير ، التنكيل — دون معالجة.

هذه ليست مصادفة، بل بنية معرفية. فالخطاب المجرّد يخدم دائما من يملك أدوات إنتاجه وتوزيعه. وحين يرفع الشعب، شعب الاحرار ، شعب السيادة، شعار "ملفات ملفات" — أي مطالب ملموسة تعبّر عن ذاته ووجعه ومعاناته — فإنه يخرق القاعدة: يرفض الانفصال بين الكلام والواقع، بين الحرية كمفهوم والحرية كتجربة معيشة.

فالتجريد المفرط في الخطاب فعل قصدي لاخفاء الواقع الحقيقي واصطناع واقع زائف. وحين يُستخدم "الحرية" كتجريد مطلق، فإنه يفقد صلته بالظلم الملموس. وهنا تكمن الخدعة: "خطاب حريات لا يعالج ملفات، هو خطاب يخفي الملفات".
ثانيا: إرادة المحتل متنكرة في ثوب منظمات واحزاب وجمعيات "حريات حريات"
من يملك حق تعريف الحرية؟ حين تُستورد شعارات الحرية جاهزة من الخارج، فإنها تحمل في طياتها أجندة الخارج. وهذه ليست نظرية مؤامرة، بل حقيقة بنيوية يعرفها كل من يشتغل في حقل "التصدير الديمقراطي".
الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي اشتغل على مفهوم: "الهيمنة الثقافية". يرى غرامشي أن السيطرة لا تُفرض بالقوة وحدها، بل بإنتاج إجماع ثقافي يجعل المحكوم يقبل حكمه كأنه طبيعي. وحين يتبنّى مثقفون ونشطاء محليون خطاب الحرية الغربي، فإنهم يصبحون — ربما بوعي أو بغير وعي — "مثقفين عضويين" للهيمنة الخارجية.
الخطورة أن هذا لا يبدو استعمارا. بل يبدو تحررا. يبدو "ديمقراطية". وهنا يكمن التلاعب والتحايل في التفاصيل. كما يتحايلون بفلسطين على الاموال يتحايلون بالحريات على الشعب من اجل تصدير خطاب ديمقراطية الغرب الاستعماري
ثالثا: كذبة الديكتاتورية والاستبداد — صناعة العدو لتبرير الهيمنة
هذه آلية قديمة متجددة: "صناعة عدو لتبرير العدوان". أي المعارضة-البزنس تلعب دور الوظيفية التاسيسية لتبرير التدخل الاجنبي عبر صناعة واقع سياسي عبر ممارسات سياسية واعلامية وثقافية لشرعنة التدخل وكذبة تحرير الشعوب مثلما حدث في العراق وسوريا وليبيا الخ
لكن السؤال الأعمق: من يملك سلطة التصنيف؟ من يقرر من هو "ديكتاتور" ومن هو "ديمقراطي"؟ هذه السلطة ليست محايدة، بل هي أداة الهيمنة الأقوى. ميشيل فوكو علّمنا أن السلطة لا تُمارس فقط بالقمع، بل بإنتاج الحقيقة والتصنيفات. ومن يملك سلطة تعريف "الاستبداد"، يملك فعليا سلطة خلق المبررات للتدخل.

لهذا، التصنيف ليس وصفا، بل فعل سياسي. وحين يُصنَّف قائد وطني كـ"ديكتاتور"، فإن ذلك ليس تقييما موضوعيا، بل إعلان حرب ناعمة.

رابعا: الاحتلال باسم الحرية — التضاد المقدّس

"الاحتلال باسم الحرية والديمقراطية."

هذه ليست مفارقة لفظية، بل جوهر المشروع. ففي اطار كذبة "التدخل الإنساني" تستدعي القوى الغربية حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية لتبرير التدخل، بينما تتجاهل انتهاكات حلفائها. القيم هنا ليست مبادئ، بل "أدوات انتقائية": تُستدعى حين تخدم، وتُنسى حين تضر.

اذن هذه المعارضة-البزنس في "عبودية طوعية لأنهم مُخدّرون بهذا السحر الغربي الديمقراطي والتحرري الذي يموله ويحميه ويدافع عنه من اجل مصالحه. ولا يملك هؤلاء بنيويا لانهم ادوات الا ان يستجيبوا لاوامر الغرب فهم عبيد الغرب لكنهم يبدون "اسودا" في اوطانهم. وهكذا يصبح الاحتلال "حماية"، والنهب "تنمية"، والتبعية "شراكة".

خامسا: الجولاني نموذجا — من إرهابي إلى ديمقراطي
انظر الجولاني في سوريا: من إرهابي إلى ديمقراطي. لكن سوريا تم تدميرها واحتلالها. هذا مثال يدل على أن التصنيف وظيفي لا أخلاقي. الشخص ذاته، لم يتغير، لكن تصنيفه تغيّر. لماذا؟ لأن وظيفته تغيّرت. فالجولاني حين أصبح أداة في إعادة تشكيل سوريا وفق الأجندة الغربية، تحوّل من ارهابي الى ديمقراطي.

هذا ليس تحولا في الشخص، بل تحول في العلاقة مع الهيمنة. والتصنيفات ليست وصفا للواقع، بل أدوات لإعادة تشكيله. والنتيجة؟ سوريا دُمّرت. لا لأنها كانت "ديكتاتورية"، بل لأنها كانت عقبة في طريق مشروع أكبر. والحرية التي رُفعت شعارا كانت غطاء لتدمير دولة.

سادسا: ليبيا — حين تُدمَّر دولة باسم الثورة
ليبيا ليست استثناء، بل نموذجا. دولة كانت من أغنى الدول الأفريقية، تحوّلت إلى فوضى وصراع. وكل ذلك باسم "حماية المدنيين" و"الحرية" و"الديمقراطية".
الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما يجب. لكن الجديد في زمننا أن الأقوياء لم يعودوا يحتاجون إلى تبرير القوة بالقوة. بل يبرّرونها بالأخلاق. والحرية هي أخلاقياتهم المفضلة.
سابعا: فلسطين والمتآمرين — توظيف القيم لتغطية الخيانة
الحريات التي يدافع عنها البعض تارة باستعمال فلسطين، وتارة باستعمال الدفاع عن المتآمرين، هي أدوات احتلال.
هنا، نحن امام توظيف قضية عادلة لتغطية خيانة. فلسطين قضية تحرر حقيقية، لكن حين تُستَخدم كذريعة للدفاع عن المتآمرين، فإنها تُشوَّه. القضية العادلة تصبح غطاء للخيانة.
ثامنا: من يجوّع ويفقّر ويحاصر — هو من يستعمل الحرية

من يجوع ويفقر وينكل ويصنع الأزمات ويحاصر شعبا ماديا ومعنويا، هو من يستعمل الحريات في صيغتها الغربية الاستعمارية.

اذن، الفعل يكشف الخطاب. من يمارس التجويع والحصار والفقر، ثم يتحدث عن الحرية، فهو ليس حاميا للحرية، بل مغتصبا لها. الحرية الحقيقية ليست شعارا يُرفع، بل علاقة مادية بين الإنسان ووطنه وثرواته وقراره.
خاتمة: استعادة الحرية من مغتصبيها

الحرية التي تخدم المحتل ليست حرية، بل هي أذكى أشكال العبودية. والديمقراطية التي تُستَخدم لتبرير النهب ليست ديمقراطية، بل هي واجهة أنيقة للاستعمار.

المهمة الفكرية والسياسية اليوم هي إعادة تعريف الحرية من موقع المضطهد لا من موقع المهيمن، ومن موقع الشعوب لا من موقع السفارات. والبداية تكون بالرفض: رفض شعارات "حريات حريات" التي تخفي "ملفات ملفات". والبداية تكون بالمطالبة: حرية تعبّر عن الذات والوجع والمعاناة، لا حرية تعبّر عن إرادة الغرب وإرادة المحتل.

الحرية الحقيقية لا تُستورد، بل تُبنى من الداخل. ولا تُمنح، بل تُنتزع.



#احمد_الكافي_يوسفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من تاريخ التربية إلى فلسفة التربية: نقد القراءة الاختزالية ل ...
- اشارات نقدية حول الاستعمار الناعم وغربنة الاحتجاج
- في سوء فهم فلسفة التنوع والعيش المشترك اشارات حول فلسفة فتحي ...
- فلسفة مجلّة -الأحوال الشخصيّة-
- في التوتر التاريخي التاريخي بين -حرق قرطاج- و-إنقاذ قرطاج- ف ...
- معارضة الغرف المغلقة والسيناتور الأمريكي جو ويلسون: نفس الخط ...
- توتّر ذكرى الجمهورية بين الأمس واليوم (1957 و2021/2026)
- التوتر بين سيادة الدولة وسيادة اللوبيات: كيف تنتج بعض النخب ...
- جمهوريات الديليستاج والبلاكاوت: كيف تُدار السيادة من الغرف ا ...
- الجرح والمنعرج في التجربة الايرانية : رشد الجنوب الديكولونيا ...
- الاهانة الايرانية: لحظة كوبرنيكية جنوبية مضادة للمركزية
- هل من رشدية مغايرة : مائوية ابن رشد
- الخيانة المزدوجة: من -المجاهدين- الذين باعوا الإسلام إلى -ال ...
- جدائل المقاومة أو في جدليّة -الجديلة- الكرديّة المضادة للإره ...
- -أرى ترامب يمتطي حصانا-.. صورة بونابرت تعود في القرن الواحد ...
- المقاومة المُترحّلة والدّيسمبريون الدّيكولونياليّون - نحو اب ...
- -الفيلسوف- عبد العزيز العيّادي حسب عبارة الفيلسوفة انجل كريم ...
- توتّر الألوان وسياسة الشارع التونسي
- توتّر الفلسفة واليومي: انغراسا ومروقا
- الكولينياليّة والديكولونياليّة من خلال شخصية المُقاوم التونس ...


المزيد.....




- من المزرعة إلى الطائرة.. هكذا تُزرع يوميًا 3 أطنان من الخضار ...
- صفقة اندماج باراماونت ووارنر تقترب من الحسم.. ماذا عن CNN؟
- شاهد.. استراحة على الطريق في اليمن تتعرض لضربة جوية ضخمة
- كيف تعتني ببشرتك إن كنت في سن المراهقة؟ خمس نصائح من الخبراء ...
- خطة أميركية بشأن منشآت الطاقة في الخليج.. واشنطن تقترح إنشاء ...
- ترامب يشيد بعمدة نيويورك بعد لقاء -ودّي-.. وممداني يجدد وصف ...
- العراق يرسم مسار حصر سلاح الفصائل.. وإسرائيل تتحسب لهجمات مح ...
- الجيش الأوكراني يفشل في إسقاط أي صاروخ باليستي خلال الغارات ...
- هل يستحضر ترامب وشي بيانا عمره 44 عاما؟
- الصين تختبر أول محطة طاقة شمسية تحت الماء في عرض البحر


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - حريات حريات لتغطية الملفات: تشريح الاحتلال الناعم