احمد الكافي يوسفي
الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 16:09
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
احمد الكافي يوسفي، باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة
القسم الاول: صلاة الجماعة في إسلام آباد، صلاة الديبلوماسية الجهادية ضد العدوان
-في الديكولونيالية حربا وتفاوضا-
في مشهد يجسد عمق الروح الإسلامية وصمود الشعوب المقاومة، أقيمت صلاة الجماعة بين وفد إيراني (شيعي) ومسؤولين باكستانيين (سني) في إسلام آباد، أرض التفاوض بين إيران المُعتدَى عليها والطرف الصهيو-أمريكي المُعتدِي. جاءت هذه الصلاة بعد أسابيع من العدوان والحصار الطويل، لتؤكد أن "الحق لا يضاد الحق"، وأن الوحدة الإسلامية ليست مجرد شعار، بل فعل مقاومة يجمع بين الدفاع الميداني والتفاوض الدبلوماسي. هذه اللحظة تتجاوز الطقوس الشكلية لتصبح رسالة ديكولونيالية (تحررية) تعبر عن رفض التقسيم والفتن، وتدافع عن سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.
شهدت إيران عدوانا استمر اربعين يوما(بعد أكثر من 12 يوماً من التصعيد الأولي)، سبقه حصار طويل يزيد على خمسين عاما، إلى جانب حملات التكفير من تجار الدين، والدعاية الإعلامية العبرية والصهيو-أمريكية باللغتين العربية والفارسية، بالإضافة إلى محاولات الإنهاك عبر أنظمة سابقة ومنظمات معارضة. رغم كل ذلك، صمدت إيران، وقالت كلمتها الأخيرة: هناك حق شعب ودولة ندافع عنه بالتفاوض بعدما دفعنا عنه بالقوة المادية والفعل الميداني في باكستان، أرض التفاوض، التي أصبحت منصة تجمع بين المذاهب الإسلامية في لحظة حاسمة من خلال الصلاة.
ديبلوماسية إيران ليست استسلاما كما يروج ترامب الابستيني وجرذانه في العالم العربي، بل استمرار للحرب بالتفاوض دفاعا عن الأرض والسيادة. إنها ديبلوماسية جهاد مقدس، تعارض تماما ديبلوماسية الشركات الربوية المتوحشة القائمة على المنفعة والخداع.
هي ديبلوماسية العقل الفارسي الجبار ومدرسة الإمام علي (عليه السلام)، لا ديبلوماسية الابتذال والخنوع.
هذه الديبلوماسية مضادة للعدوان الذي يسعى لتحقيق أهدافه بالمفاوضات بعد فشله في الميدان، وتؤكد أن المقاومة تتخذ أشكالا متعددة: السلاح، الدم، والكلمة في طاولة التفاوض.
تحمل صلاة الجماعة في إسلام آباد بعدين:
البعد الشكلي: واجب بروتوكولي ديني يؤديه الكثيرون طمعا في الثواب، وهو ممارسة ميكانيكية لا ترتبط بالضرورة باستقامة السلوك أو صدق العمل.
البعد الرمزي الأهم: دين مغاير قائم على تنمية الإنسانية، والتحرر، ومقاومة الاحتلال والديكولونيالية. هنا تصبح الصلاة استجابة لأمر إلهي يدعو إلى الوحدة المضادة للصهينة والأمركة والأوربة، بالكلام والسلاح دفاعا عن الحق.
إن ضم اليدين أو تثبيتهما في مسجد باكستاني يرسل رسالة واضحة لكل مسلم حر: ما يجمع البشر رغم اختلافاتهم هو"الحق الذي لا يضاد الحق" — الحق القرآني الذي يتوافق مع الحق الإنساني، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.إن ضم اليدين أو إسبالهما لا يمنع إطلاقهما ضد المحتل الغاشم والعدو المتوحش. فإن نحن ضممنا أو أسبلنا يدينا، فإن قلوبنا وعقولنا ممدودة الأعناق في اتجاه الرب، من أجل الصمود في الميدان وتقديم أنهار من الدماء في سبيل الحق.
تصبح صلاة الجماعة هنا مقاومة حقيقية وفعلا تحرريا، رسالة إلى كل مسلم حر بأن ينهض ويسير في طريق الرب، رافضا للتجبر والإبادات الصهيو-أمريكية. هي صلاة الشعوب المقاومة التي قدمت الدم دفاعا عن أرضها وثرواتها وسيادتها. من يوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض، ويجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، فإنه يقاوم ابتذال "جزيرة إبستين" وتوحشها.
كما أنها تفرز بين الحق وبين الظلم والطغيان، وتقدم صورة للمسلمين (قبل الغرب) بأن الشيعي ليس كما تروج له الماكينة الإعلامية الصهيو-أمريكية وبعض القنوات العربية المتصهينة.
هذه الصلاة مضادة لمنهجية التقسيم والتفتيت التي تسعى لإثارة الفتن بين المسلمين. من يحاول اليوم التفريق بين المسار اللبناني والمسار الإيراني، تصدمه صورة الرب الذي وحد مسارات السنة والشيعة في إسلام آباد. إيران تفاوض "الشيطان الأكبر" (ووراءه الشيطان الأصغر)، لكنها لا تتنازل عن مبادئها، وباكستان تثبت أن الوحدة الإسلامية ممكنة رغم الاختلافات المذهبية.
صلاة الجماعة في إسلام آباد ليست مجرد طقس ديني، بل رمز حي للوحدة الإسلامية التي تقاوم الاستعمار والتقسيم، وتجسد ديبلوماسية جهادية تجمع بين الصمود الميداني والحكمة التفاوضية. إنها تعبير بأن "الحق الذي لا يضاد الحق" يجمع المسلمين على اختلاف مذاهبهم في مواجهة الظلم والعدوان.
في زمن الفتن والحروب، تبقى هذه الصلاة دعوة لكل حر للنهوض، ورفض الخنوع، والدفاع عن الأرض والكرامة والسيادة. رب التحرير والتنوير، رب المقاومة المضادة للصهينة والأمركة، يشهد على هذا الفعل الذي يعيد للأمة حقيقتها بما هي مقاومة.
القسم الثاني: الجرح الاستراتيجي ...والمنعرج الاستراتيجي، ممنوع على من لم يبلغ سن الرشد: رشد الجنوب الديكولونيالي
اولا: نقطة التحول الاستراتيجي في مفاوضات إسلام آباد (أبريل 2026). الانتقال من "الردع بالتهديد" إلى "الفرض بالأمر الواقع"، وهذا ما يفسر وصول المفاوضات إلى طريق مسدود.
قلب موازين القوى (الأرض مقابل الطاولة)
إيران ترى أنها حققت مكاسب ميدانية كبرى (إغلاق فعلي للمضيق، استهداف قواعد أمريكية، وتعطيل سلاسل الإمداد). بالنسبة لطهران، العودة إلى "ما قبل الحرب" هي خسارة استراتيجية، لأنها تعني التنازل عن واقع عسكري فرضته بدماء وتكاليف باهظة مقابل وعود دبلوماسية لا تثق بها.
مضيق هرمز: من "ورقة ضغط" إلى "منطقة سيطرة"
قبل الحرب، كان إغلاق المضيق "كابوسا" تحذر منه إيران. اليوم، وبعد أن أصبح مغلقا فعليا، تشعر طهران أن لديها خناقا حقيقيا على الاقتصاد العالمي. مطالبة أمريكا بفتحه الآن ليست مجرد طلب "تسهيل مرور"، بل هي اعتراف ضمني بأنها فقدت السيطرة البحرية، وإيران ترفض منح "مخرج مجاني" لواشنطن دون أثمان سياسية وجيوسياسية ضخمة تتجاوز مجرد رفع العقوبات.
أزمة القواعد العسكرية
خسارة أو تحييد القواعد الأمريكية في الخليج جعلت الموقف التفاوضي الأمريكي "أضعف" ميدانيا مما كان عليه قبل عام. واشنطن تحاول استعادة هيبة الردع عبر الشروط الـ15، بينما تتعامل إيران من منطلق "المنتصر ميدانيا" الذي يملي الشروط، وليس الطرف المحاصر الذي يبحث عن مخرج.
الفجوة في إسلام آباد
• أمريكا: تريد استعادة الوضع "الراهن" (Status Quo) الذي كان يضمن لها التفوق البحري والجوي.
• إيران: تريد تثبيت "الواقع الجديد" (New Normal) الذي تكون فيه هي القوة المهيمنة على الخليج والمضيق دون منازع أمريكي.
هذا التضارب هو السبب في تصريح "جي دي فانس" بأن المطالب الإيرانية "غير مقبولة"، ورد طهران بأن المطالب الأمريكية "منفصلة عن الواقع الميداني".
الانتقال من "القواعد" إلى "الأساطيل والبعيد"
عندما تفقد أمريكا قواعدها البرية (رادارات ومنصات إطلاق)، علمياً تلجأ إلى "القوة الجوية والبعيدة المدى". هذا يعني الاعتماد الكلي على القاذفات الاستراتيجية (مثل B-2 وB-21) والغواصات النووية التي تطلق صواريخ كروز من خارج نطاق الاشتباك المباشر. هذا النوع من القصف يكون تدميريا وشاملا ولا يستهدف فقط أهدافا عسكرية، بل "البنية التحتية الوطنية" (كهرباء، اتصالات، جسور) لشل الدولة بالكامل.
العنف التكنولوجي" (الحرب السيبرانية والمكانية)
العنف القادم قد لا يكون بارودا فقط. فقدان الرادارات قد يدفع واشنطن لاستخدام سلاح الأقمار الصناعية لتعطيل كل ما يتحرك على الأرض في إيران وحلفائها، أو شن هجمات سيبرانية "مدمرة" تستهدف السدود أو المفاعلات أو شبكات الغاز، وهو عنف صامت لكن أثره يفوق القصف الصاروخي.
سيناريو "شمشون" أو التصعيد غير التقليدي
علميا، عندما تشعر قوة عظمى بـ "تهديد وجودي" لمكانتها العالمية (مثل فقدان السيطرة على مضيق هرمز وانهيار منظومتها الدفاعية بالكامل)، يزداد خطر اللجوء إلى الأسلحة التكتيكية النووية أو الأسلحة ذات التدمير الواسع غير التقليدي لإيقاف التقدم الميداني للخصم. هذا هو "العنف الذي ما بعده عنف".
اشتعال الجبهات المتعددة (الحرب الإقليمية الكبرى)
انضمام جنوب لبنان واليمن والعراق، واحتمال فتح جبهة سوريا، يعني علميا تحول المنطقة إلى "ثقب أسود" عسكري. في هذه الحالة، يتوقف الحديث عن "قواعد" ويصبح القتال "من بيت لبيت" ومن "مسيّرة ضد مسيّرة"، وهو ما يستنزف القوة البشرية والاقتصادية للجميع لسنوات طويلة.
اذن، حالة "انسداد استراتيجي" لأمريكا.
ثانيا: ميدانيا يمكن معاينة "الجرح الاستراتيجي" في مفاوضات إسلام آباد (أبريل 2026): الانتقال من مرحلة "الصراع المنضبط" إلى مرحلة "توازن الرعب الوجودي"، حيث فرضت حرب الأربعين يوما حقائق ميدانية لا يمكن تجاوزها.
او خلقت ما يمكن تسميته ب"المبدأ الواقعي" الجديد الذي تتبناه إيران وحلفاؤها:
فشل استراتيجية "الصدمة والترويع"
تاريخيا، كانت أمريكا تعتمد على تفوقها الجوي والتقني لإخضاع الخصوم بسرعة. في هذه الحرب، أثبتت إيران وحلفاؤها (في اليمن ولبنان والعراق) أنهم استعدوا لسيناريو "الأرض المحروقة". مبدأ "القصف بالقصف" يعني أن أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية يقابله فورا استهداف لمصالح حيوية (موانئ، محطات تحلية، حقول طاقة) في كامل المحيط الجغرافي، مما جعل كلفة "التصعيد الأقصى" الأمريكي باهظة ليس على واشنطن فحسب، بل على الاقتصاد العالمي المنهار أصلاً بسبب إغلاق المضيق.
تجاوز "عقدة القواعد"
فقدان القواعد الأمريكية في الخليج وفشل المنظومات الدفاعية (مثل القبة الحديدية وغيرها) أمام كثافة المسيرات والصواريخ الفرط صوتية، جعل أمريكا "مكشوفة" ميدانيا. إيران اليوم لا تفاوض من موقع "المحاصر"، بل من موقع من استطاع إخراج القوة العظمى من "منطقة الراحة" العسكرية.
الثقب الأسود" كخيار استراتيجي
يبدو أن محور المقاومة اتخذ قرارا بأن تحويل المنطقة إلى "ثقب أسود" هو أهون الشّرّين مقارنة بالاستسلام للشروط الأمريكية. هذا الاستعداد النفسي والعسكري لتحمل التدمير الشامل مقابل كسر الهيمنة الأمريكية هو ما أصاب المفاوضين في إسلام آباد بالذهول، حيث وجدوا طرفا إيرانيا يرفض العودة إلى "ستاتيكو" ما قبل الحرب جملة وتفصيلاً.
حتمية "الواقع الجديد"
فشل مفاوضات 12 أبريل 2026 يؤكد أن:
• أمريكا: تريد استعادة هيبتها المفقودة والعودة لضبط المضيق.
• إيران: ترى أن "زمن التهديد" انتهى وحل محله "زمن الفعل"، وأن مضيق هرمز أصبح "بحيرة إيرانية" بفعل السلاح، ولن يعود "ممراً دوليا" بالشروط الأمريكية القديمة.
الخلاصة:
العالم اليوم يواجه حقيقة أن القوة العسكرية التقليدية لم تعد كافية لفرض إرادة سياسية على خصم مستعد لـ "الانتحار الاستراتيجي" دفاعا عن سيادته. فشل إسلام آباد هو إعلان رسمي بأن قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط قد كُتبت من جديد بالدم والنار، ولا يمكن مسحها بطاولة مفاوضات.
ثالثا: في العنوان
الجرح الاستراتيجي" و"المنعرج الاستراتيجي"
• الجرح: لا يشير فقط إلى خسارة القواعد أو السفن، بل إلى جرح "الكبرياء" و"الهيبة" الأمريكية التي كانت تقوم على فكرة القوة التي لا تُقهر.
• المنعرج: هو الإقرار بأن المسار التاريخي للسيطرة الغربية على الشرق الأوسط قد انعطف بشكل حاد ولا يمكنه العودة إلى المسار المستقيم السابق (ما قبل الحرب)
ممنوع على من لم يبلغ سن الرشد"
هذه استعارة لابراز أن "الوصاية" الغربية كانت تعتبر دول الجنوب "قاصرين" يحتاجون دائماً لحماية أو إرشاد أمريكي. فشل مفاوضات إسلام آباد هو إعلان بأن هذا العصر انتهى؛ فالطرف الآخر (إيران وحلفاؤها) يتحدث الآن بلغة "الند للند" وبقوة السلاح، فارضا شروطه كفاعل "بالغ" ومستقل تماما
رشد الجنوب الديكولونيالي (Decolonial): "الديكولونيالية" ليست مجرد خروج المستعمر، بل هي تفكيك عقلية التبعية.
• ما حدث في الميدان (إغلاق المضيق، تحييد الرادارات، تحدي القاذفات) هو ممارسة فعلية لـ "السيادة المطلقة" التي لا تنتظر إذنا من واشنطن.
• هذا "الرشد" هو ما يفسر رفض الشروط الأمريكية ؛ فالجنوب الذي "بلغ سن الرشد" عسكريا وسياسيا لم يعد يقبل بـ "إملاءات" الغرف المغلقة.
الخلاصة:
العنوان يختصر المشهد في أننا لسنا أمام مجرد "حرب إقليمية"، بل أمام "ثورة جيوسياسية" أخرجت المنطقة من عباءة الهيمنة. فشل إسلام آباد هو شهادة ميلاد هذا "الجنوب الراشد" الذي يكتب قوانينه الخاصة بيده، حتى لو كان الثمن هو "الثقب الأسود".
#احمد_الكافي_يوسفي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟