أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - جدائل المقاومة أو في جدليّة -الجديلة- الكرديّة المضادة للإرهاب















المزيد.....

جدائل المقاومة أو في جدليّة -الجديلة- الكرديّة المضادة للإرهاب


احمد الكافي يوسفي

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 22:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


احمد الكافي يوسفي: باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة
مقدّمة
لم تعد جدائل المقاومة مجرّد استعارة شعرية أو علامة ثقافية للاستهلاك الرمزي، بل غدت، في راهن الكرد وما تميّز به من عنف وارهاب وتوحّش، حدثا وواقعا يفرض نفسه على كل من يريد ان يفهم. ما حدث فعلًا— في الشارع، أمام الكاميرات، وتحت أنظار عالم يدّعي الحياد— لم يكن عرضا رمزيا معزولا، بل ممارسة جسدية مباشرة حوّلت الشَّعر، بما هو عنصر من عناصر الحميميّة في الجسد ، إلى لغة احتجاج. هنا تستحيل "الجديلة" جدليّة اذلال وتحرّر.
إنّ راهنية جدائل المقاومة في واقع الكرد خاصة وسوريا عامة تعكس توتر هذا الجسد الرمز الذي يرتبط بالجديلة بين محاولات التركيع والاذلال والتحكم واعدام الحقمن جهة وميلاد احتجاج مغاير يقوم على ظفر الجدائل لاستعادة الحق من جهة اخرى. انها جديلة مترحّلة لا تستقر في معنى واحد ولا تنغلق في هوية جاهزة، بل تتحرّك داخل جدلية ، حيث يتشكّل الرفض من داخل ما تعرّض للقصّ والتنكيل والتشهير.
1) الجديلة المضادة
ليست الجدائل هنا تفصيلا جماليا فقط ولا علامة أنوثة عابرة فقط، بل رمزٌ يواجه رمزا:
الجمال في مواجهة القبح،
الإنسانية في مواجهة اللاإنسانية،
والأناقة والخصوصية والأصالة في مواجهة همجيةٍ معولمةٍ تحوّلت إلى أداة احتلال وعنف رمزي.
ما جرى لم يكن فعلا كرديا محضا، بل حدثا إنسانيا جامعا.
قصّ الجدائل لم يكن اعتداء على الشعر، بل محاولة لكسر الإرادة والهوية، لإنتاج الإذلال وتعميمه عبر صورة، وفيديو، وعنف رمزي مقصود. لقد أُريد للفيديو أن يُشيع "الحُقرة"، وأن يُحوّل الجسد الأنثوي إلى ساحة إذلال.
لكن ما حدث لاحقا كان انقلابا في المعنى.
من قلب الفعل الهمجي:
— قتل امرأة كردية،
— التمثيل بجسدها،
— قصّ جدائلها وعرضها،
2) الجديلة: من الاذلال الى المقاومة
وُلدت مقاومة مغايرة، مقاومة استعملت الأداة نفسها: الجدائل، لا بوصفها موضع إذلال، بل فعلَ شرف واحتجاج وصمود.
هنا تحوّل الشّعر: شعر المراة تحديدا من خاصية طبيعية للزينة إلى موقف اتيقي،
ومن علامة ضعف مفترضة إلى قوة رمزية جماعية،
ومن أداة للانتهاك إلى أداة للمقاومة.
3) تعميم الاحتجاج: من المحلي الى الانساني
لم يكن الاحتجاج فرديا ولا محليا بل انخرطت فيه نساء ونواب وسياسيات من فضاءات مختلفة:
نائبة كردية في البرلمان الألماني اعتبرت استهداف الجدائل محاولة لكسر الإرادة والهوية.
نائب في البرلمان التركي جدّل شعر ابنته في فعل احتجاج رمزي.
معارضات سوريات أطلقن نداءً جماعيًا: "يا نساء سوريا… اضفروا ضفيرة"
نساء عربيات وسوريات قصصن شعرهن على الهواء مباشرة، لا خضوعًا، بل اعتذارا رمزيا ورفضا اتيقيّا للعنف.
بهذا المعنى، لم يعد الشعر موضوعا ثقافيا أو فولكلوريا، بل ساحة صراع رمزي.
4) رمزية الجديلة والتباساتها: من الشعر الى الشارع
في الثقافة العربية، يلتقط عمر بن أبي ربيعة لحظة طيّ الضفائر بوصفها فعل حياء وخوف:
"طوَتْ ضفائرَها فقلتُ لعلّها
خافت عيونَ الناسِ حين رأتنـا"
أمّا هنا، فالأمر معكوس جذريا:
لا تُطوى الجدائل خوفا، بل تُجدل وتُشهَر في وجه التوحش.
لا تُخفى، بل تُرفع كإعلان رفض.
وفي الثقافة الكردية، ترمز الجدائل تقليديا إلى التضرّع للخالق، وإلى قوة المرأة وعفتها.
لكنها هنا تتجاوز هذا المعنى، لتصبح أداة مواجهة مباشرة لأعداء الحياة:
للمتوحشين، لقاطعي الرؤوس، لمحوّلي الجسد إلى غنيمة، ولمن جعلوا من الموت والذبح مسلكا خادما لاسيادهم الامبراطوريين.
هنا، الشعر ليس شرفا في المعاجم، ولا في الكتب، بل في الشارع والمدرسة والساحة العامة فقط ، ليس فعلا فرديا، بل فعلا اجتماعيا مقاوما، تنجزه الحرائر الكرديات والعربيات معا.
إنها حرب رمزية:
حرب الجديلة ضد المقص،
حرب الحياة ضد ثقافة الموت،
حرب الكرامة ضد الإذلال،
حرب الجمال ضد القبح.
من قصّ الجدائل خرجت جدائل مقاومة.
ومن محاولة تعميم الإذلال وُلد تعميم الاحتجاج.
ومن العنف الرمزي تشكّلت اتيقا مقاومة جديدة، تُحوّل الجسد نفسه إلى موقع للرفض، وللمواجهة، وللانتصار.
5) جدلّية الجدائل:
المقاومة بالجدائل لا تعارض العنف فحسب، بل تنبثق من الأداة نفسها التي استُعملت للإذلال. فالجديلة التي تعرّضت للقصّ، والتنكيـل، والتشهير، لا تُستبدل برمز آخر، بل تُستعاد وتُعاد صياغتها بوصفها فعلَ احتجاج وسيادة.
هنا تعمل المقاومة وفق منطق جدلي: في قلب الاذلال يتكوّن الشرف، ومن داخل الجرح يتشكّل المعنى. فالقصّ، بوصفه فعل نفيٍ للكرامة ومحاولة إخضاع، لا يُمحى ولا يُنسى، بل يُرفَع عبر تحويل الجديلة ذاتها إلى ممارسة مقاومة. في هذا التوتر، لا تختفي معاني الموت والإذلال، بل تتعايش مع إمكانات الحياة والعزّة، في تركيبٍ ملتبس يُنتج ذاتًا جديدة تتكوّن في الجرح لا خارجه.
إنّ اتيقا الاحتجاج التي تتشكّل هنا لا تقوم على إنكار العنف، بل على اجتيازه من داخله، عبر فعلٍ رمزيّ يعيد امتلاك الجسد، ويحوّل موضع الاستعباد نفسه إلى موقع قرار وادانة وموقف انساني مضاد للارهاب والرجعية والظلاميّة والتوحّش. بهذا المعنى، لا تكون الجديلة علامة جمال ساكنة لا تتعدى حدود الطبيعة ولا تعبيرا دينيا ، بل جدليّة حيّة: ممارسة ترفع القهر بذات الوسيلة وتؤسّس مقاومة تبدأ من الجرح بوصفه شرط التكوّن والتحرّر.
خاتمة: جدائل المقاومة وفضح الإنساني الزائف
تتجاوز جدائل المقاومة كونها فعل احتجاج رمزي غارق في المحلي والخصوصي، لتغدو ممارسة مواطنيّة منفتحة على الانساني الحقيقي منغرسة في أرض الكرد، تنبع من الجسد بوصفه موقعا للحقّ، ومن الظفيرة او الجديلة المفعمة بدلالات خصوصية ثقافية كردية وعربية مُقاوِمة، لا موضوعًا للهيمنة أو الشفقة. إنّها إنسانيّة متعيّنة، مجسّدة، ومقاتلة، انها جديلة كرديّة تعانق الإنساني الحقيقي لا ذاك الذي صاغته العولمة في صورة مجرّدة ومركزيّة تُقصي الأطراف وتحتكر المعنى. فمن هذا الموقع الكردي، حيث الجسد مُستهدف ومُعرّى، انكشف العالم نفسه في عريه: عالم يعلن مجالس للسلام فيما يموّل العنف المتوحّش، ويتغنّى بالقانون الدولي فيما يفرغه من أي مضمون فعلي.
لقد كان عُري الشعر وإشهار الجديلة عُريا مضادا؛ لا عريَ الضحية، بل عريَ المنظومة التي شرعنت القتل، وصمتت عن التمثيل بالجسد، وتواطأت مع همجية تُمارَس باسم النظام والأمن. هكذا تحوّلت الجديلة إلى شهادة فعليّة تُدين إنسانيّة زائفة، وتعيد تعريف المقاومة لا بوصفها صراعا مسلّحا، بل فعلا مدنيا، جسديا، ومواطنيا، يُقيم الحقّ في الأرض والكرامة من داخل الجرح نفسه. إنّها مقاومة تُحرج العالم، لا لأنها تصرخ، بل لأنها تُظهر، في صمت الجدائل المشهَرة، فراغ خطاب السلام، وانهيار ادّعاء القانون، وافتقار "الإنساني" المعولم إلى إنسانيته.
هكذا تغدو المراة الكرديّة التي تظفر وتُضمر وتُظهر استعارة كثيفة للمقاومة ذاتها: تظفر شعرها فعلَ سيادة، وتُضمر قهرها كي لا يتحوّل إلى انكسار، وتُظهر تمرّدها بوصفه حياةً تُنتَج من قلب الموت.



#احمد_الكافي_يوسفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -أرى ترامب يمتطي حصانا-.. صورة بونابرت تعود في القرن الواحد ...
- المقاومة المُترحّلة والدّيسمبريون الدّيكولونياليّون - نحو اب ...
- -الفيلسوف- عبد العزيز العيّادي حسب عبارة الفيلسوفة انجل كريم ...
- توتّر الألوان وسياسة الشارع التونسي
- توتّر الفلسفة واليومي: انغراسا ومروقا
- الكولينياليّة والديكولونياليّة من خلال شخصية المُقاوم التونس ...
- في تلوّث مُقاومة التلوّث- أو في تمزّق الوعي الايكولوجي
- الميتافيزيقا وتوتّراتها: قراءة فلسفية في الحرب الروسية-الأوك ...
- الفلسفة بما هي نقد المافيات


المزيد.....




- السعودية.. الأمن العام يعلن ضبط 6 وافدين مارسوا أفعالا منافي ...
- رغد صدام حسين تحسم الجدل حول حقيقة -الابنة السرية- لوالدها ف ...
- كيف يحمي لقاح الإنفلونزا القلب؟!.. طبيب روسي يجيب
- علاج مناعي يحقق اختراقا واعدا في مكافحة أخطر أورام الدماغ
- النميمة ليست عادة سيئة.. بل ميزة تطورية تعزز الرغبة في الإنج ...
- اتفاق ترامب مع إيران – نظرة جديدة للشرق الأوسط
- واشنطن تعرف أين يمكن أن يسقط صاروخ -أوريشنيك- الروسي التالي ...
- الولايات المتحدة تطوّر سلاحًا نوويًا جديدًا
- هل في تقارب الولايات المتحدة مع أوزبكستان خطر على روسيا والص ...
- عراقجي حول حوار -سنتكوم- مع دول عربية: الغرباء عاجزون والسلا ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - جدائل المقاومة أو في جدليّة -الجديلة- الكرديّة المضادة للإرهاب