أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - توتّر الألوان وسياسة الشارع التونسي















المزيد.....

توتّر الألوان وسياسة الشارع التونسي


احمد الكافي يوسفي

الحوار المتمدن-العدد: 8535 - 2025 / 11 / 23 - 11:28
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


احمد الكافي يوسفي: باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة
مقدمة
لم يعد اللون، في زمن العولمة ، مجرد خاصيّة بصرية أو رمزاً جماليا فقط؛ بل تحوَّل إلى بنية سياسية تُستخدم لإعادة إنتاج علاقات القوة، و الكشف عن الخيالي الكولينيالي، وإخفاء آليات الهيمنة الجديدة. فاللون اذا احتكمنا الى دلالة المفككر فرنسوا فانون خاصة الأسود يُنتَج سياسيا قبل أن يُعرَف بشرياً، لأن الاستعمار يحمّل الجسد الأسود دلالات تسبق الإنسان ذاته. وبذلك يكون اللون الاسود الذي يغزو الشارع التونسي اليوم وان تخفى بشعارات الحريات والبيئة يمكن ان يكون حاملا لدلالات قبل "الانسان" التونسي ذاته ذلك ان الكولولنيالية تغير الوانها باستمرار من اجل طغيان اللون الواحد او الانسان ذو اللون الواحد وهو الانسان بالدلالة ىالغربية : ان تكون انسانا هو ان تكون تابعا وخاضعا وقابلا لكل صور الغرب
اذن، في عالم تحكمه الصور والرموز يتحول اللون إلى «محاكاة سياسية»، إلى واجهة تخفي خلفها استراتيجيات أشد كثافة من الاستعمار التقليدي. هكذا يصبح اللون أداةً في لعبة الهيمنة، ويغدو الصراع اللوني صراعاً على تعريف الإنسان نفسه، وصراعا على سيادة الدول وحقوق شعوبها. فالأسود لم يعد مجرد دلالة هوية، بل غدا لوناً احتجاجياً تُتسلل من خلاله قوى خارجية لتعيد تشكيل المجال السياسي الوطني باسم «الحرية» و«البيئة» و«الحقوق». هذا التوظيف يجعل من الأسود واجهة ناعمة لمشاريع الهيمنة الجديدة التي تتخفّى في لغات تقدمية.
هكذا يتضح أن سياسة اللون ليست صراعاً بين الأبيض والأسود بوصفهما ألواناً، بل هي صراع بين لون وطني يحمي السيادة ولون كولونيالي جديد يتخفى خلف شعارات «الحقوق» و«البيئة» و«الحريات». اللون الوطني –المحمول على الأحمر رمز الدم والتضحية– يحاول منع انزلاق الأسود إلى « لون» تستخدمه القوى الأجنبية لزعزعة المجال السياسي.
إن الصراع هنا ليس بصرياً، بل هو صراع بين معنى ومعنى مضاد: هل يكون اللون أداة تحرر؟ أم يصبح اداة لإعادة الاستعمار في صورة جديدة؟
1) يتخذ اللون الأسود في تونس موقعًا مضطربًا داخل الذاكرة الجماعية، خصوصًا في علاقته بما يمكن تسميته "لاوعي العشرية السوداء" و"لاوعي الظلامية" الذي ما يزال يخيم على المنطقة العربية. إنّ قمع الدوافع المتاجرة بالدين لم يؤدّ إلى اختفائها، بل دفعها إلى التواري في ممارسات تبدو للبعض محايدة، وهي في حقيقتها تعالٍ لرغبات لاهوتية وسياسوية مكبوتة تعود لتشتغل بأشكال رمزية جديدة.
2) فاللون هنا لا يُفهم بالدلالة العلمية النيوتونية بوصفه تركيبة فيزيائية، بل يُقرأ بوصفه تجربة للفهم والتأويل—وفق لغة دلتاي—لا موضوعًا للتفسير. اللون ليس بريئًا ولا محايدًا، بل يتنزل داخل نسق وسياق، ولا يمكن فهمه خارج شروطه الاجتماعية والسياسية والتاريخية. وما يعنينا ليس اللون بوصفه موضوعًا للفيزياء، بل فينومينولوجيته في الفضاء العام، ومحاولة التحامه بخطابات الحرية والديمقراطية ومناهضة الظلم.
3) وفي هذا الإطار، يظهر غزو اللون الأسود—حتى حين يتستر بخطابات البيئة—بوصفه مضاعفة للظلام على الظلام، والسواد على السواد، في سياق حرب التحرير الوطني ضد الفساد والمافيات والعصابات، وضد ضغوط صندوق النقد العالمي ماليًا، ومؤسسات النقد العالمي سياسيًا (مثل جون ولسون وغيره ممّن يستهدفون تونس بالنقد المنحاز)
4) وبما أنّ اللون ليس صفة للأشياء فقط، بل أسلوب حضور في العالم، فإنّه يمتدّ هنا عبر العالم السياسي والديني داخل العالم المادي الاجتماعي والتاريخي. وهكذا يمتدّ لونهم عبر «غزوات» بيئية وحقوقية، بعدما كانت دعوية ودينية، ولا يمكن فصل فعل هذه الجماعات—المتطرفة وغير المتطرفة—عن الحركات التي تسمي نفسها حداثية، حزبية كانت أو نقابية. فهم يبتعدون ويقتربون من أنفسهم حسب الطلب المؤسساتي الغربي الكولونيالي، وهو ما بات جليًّا في تونس وفي العالم العربي والإفريقي، خصوصًا في الدول التي يسعى الغرب إلى المحافظة على هيمنته على ثرواتها الطبيعية والرمزية.
5) في السياق التونسي الراهن، يرتبط الأسود بـ الظلّ الداخلي: ظلّ الإسلام السياسي والقوى المافيوزية التي جرى إقصاؤها من المشهد، رغم كونها المهندس الفعلي لما حدث سابقًا تحت إمرة الغرب الاستعماري. فالأسود، وإن بدا مرتبطًا بتاريخية رمزية في تونس، فهو مخترق كولونياليًا لتوجيهه ودفعه نحو ممارسات خادمة بالضرورة للأجنبي. وليس من قبيل الصدفة أن تعلن فرنسا وأوروبا وأمريكا مرارًا «قلقها» بشأن أوضاع الحريات في تونس؛ فقلقها الحقيقي موجّه نحو الحريات التي تخدم مصالحها الاستعمارية، لا الحريات التي تخدم مصالح الشعوب.
6) ويمكن للون الأسود أن يكون لون القضاة والمحاماة وبعض المقاومات الديكولونيالية؛ إذ يرتبط بالدفاع عن السيادة عبر المناضلين الشرفاء من المحامين والقضاة وحركات التحرّر الوطني. وهذا ما يزيد من توتر اللون الأسود: فداخل عالم الاحتجاج أو القضاء يمكن لهذا اللون أن يتأزّم أكثر بحكم التناقض الذي يخترقه، بحكم التراوح بين الوطنية واللاوطنية، بين الدفاع عن السيادة الوطنية والدفاع عن سيادة عالمية تخدم الكولونيالية.
7) ولئن ارتبط الأسود بلون الحداد والشرعية القانونية، فإنّ الجماعات السياسوية—المعروفة لدى الشعب بعلاقاتها بمؤسسات وشخصيات عالمية—تحوله إلى أداة لا إلى رمز. ولم يعد الأسود يعبّر عن الحرية الحقيقية، بل عن حرية زائفة معولمة ومؤمركة. فالأسود الذي يقدم نفسه حاملًا للذكرى والمعاناة، وصاحب قضية أخلاقية، يخفي لاوعيًا سياسويًا قائمًا على التورّط مع الأجنبي. ويُستخدم هذا اللون لبناء سلطة رمزية تقوم على مآسي من تورّطوا في الإضرار بالشعب ونهب الخزينة العامة وإضعاف الدولة والتفريط في ثرواتها وتقاسمها كعائلات مافيوزية تعتبر تونس ملكًا خاصًا.
8) وعليه، يصبح الأسود اليوم لون تمرد ومقاومة مبرمجة من قبل مؤسسات عالمية. وقد جرى استعمال هذا اللون بالطريقة نفسها في ليبيا ومصر وتونس وسوريا. فالأسود في السياق التونسي لا يرمز للحركات الفوضوية أو اليسارية أو المناهضة للعولمة، بل أصبح معولمًا وخاضعًا للعولمة، تُغذّيه شخصيات ومؤسسات (مثل جون ولسون وغيره). وهذه «المعارضات» لا تناضل داخل أوطانها، بل تتحوّل إلى بزنس سياسي ممول عبر الجمعيات والأحزاب والأنشطة البيئية والحقوقية والبحثية الجامعية.
9) لماذا الأسود في الشارع التونسي؟ لأن الهدف هو محو الهوية والتخفي داخل تركيبات بيئية وحقوقية، وصهر الأفراد داخل جماعة واحدة تخلق "كتلة مظلمة" يصعب تمييزها أمام سلطة الدولة. الأسود هنا هو استراتيجية ضد المراقبة، إلا أنّ هؤلاء مكشوفون بفعل تكرار تصرفاتهم؛ فهم لم يرفعوا يومًا شعارًا ضد الفساد إلا لتصفية حساباتهم، ولم يكشفوا العائلات المافيوزية المتحالفة مع الأجنبي، ولم يدافعوا عن قضايا الشعب الحقيقي، ولا يتحركون إلا داخل سياقات عالمية مشبوهة.
لم يعد الأسود لونا، بل بناء سياسيً كولونياليا؛ لونا احتجاجيا تتسلّل عبره القوى الأجنبية لفرض لونها السياسي ضد اللون المحلي والوطني المقاوم للكولونيالية. وهذا اللون الكولونيالي الذي يرفع شعار «حرّيات، حرّيات» تحجبه سيادة اللون الوطني، خشية اختراقه ودفعه للفوضى. ولونهم الداكن، المليء بالمسكوت عنه، لا يكتسب معنى إلا عبر مواجهة اللون الوطني. لقد أصبح تابعًا للون الدولة—لون الدم الأحمر الذي يحميها—رغم أنّه يتستر بخطابات البيئة والحرية والحقوق، وهو يعلم أنّ وراء لونه لونًا آخر يصنعه الغرب بمؤسساته.
خاتمة
تكشف سياسة اللون انه لم يعد مجرد ظاهرة حسية؛ فهو اليوم أحد أكثر الرموز السياسية حساسية وخطورة. فالأسود يتحول إلى ساحة صراع حول الهوية والسيادة والمعنى. وهنا يتّضح أن الاستعمار لا يغادر إلا ليعود في هيئة جديدة، وأن اللون الأسود يظل حقل اختبار للقوة. واعادة إنتاج الهيمنة بطريقة ناعمة. وبذلك تصبح مهمة الدولة الوطنية ليست حماية الجغرافيا وحدها، بل حماية رموزها وألوانها من الاستحواذ الكولونيالي. وفي النهاية، يظل اللون فضاءً للصراع بين مشروع تحرري يسعى إلى إثبات السيادة، ومشروع خارجي يريد تفكيك هذه السيادة عبر "سياسات اللون"



#احمد_الكافي_يوسفي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- توتّر الفلسفة واليومي: انغراسا ومروقا
- الكولينياليّة والديكولونياليّة من خلال شخصية المُقاوم التونس ...
- في تلوّث مُقاومة التلوّث- أو في تمزّق الوعي الايكولوجي
- الميتافيزيقا وتوتّراتها: قراءة فلسفية في الحرب الروسية-الأوك ...
- الفلسفة بما هي نقد المافيات


المزيد.....




- -سوق النفط لن تعود إلى العمل فوراً-.. لماذا تحوَّل المحار في ...
- روايات متضاربة بشأن التفتيش النووي في إيران و-الشيوخ الأمريك ...
- إلى أين تتجه كولومبيا بقيادة حليف ترمب؟
- ليبيا.. حظر دخول رعايا 4 دول عبر جميع المنافذ
- النووي الإيراني.. أول اختبار لاتفاق واشنطن وطهران
- أمين عام الناتو يؤيد موقف ترامب.. ويشيد بالدعم الأوروبي
- واشنطن تجدد -رفضها المطلق- لفرض أي رسوم على عبور مضيق هرمز، ...
- حلفاء ترامب يدافعون عن الاتفاق مع إيران.. وعُمان تعلن عن ممر ...
- كيم جونغ أون يعلن المضي في تسليح بحرية كوريا الشمالية نوويا ...
- تحذيرات من كارثة وفظائع جماعية بهجوم وشيك للدعم السريع على ا ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد الكافي يوسفي - توتّر الألوان وسياسة الشارع التونسي