احمد الكافي يوسفي
الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 20:48
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
احمد الكافي يوسفي، باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة
حول إعادة إنتاج الاستعمار عبر واجهات مدنية، بيئية، وحقوقية ناعمة، تُصمم خصيصا لإسقاط شرعية الدول وتفكيك سيادتها الوطنية لصالح أجندات أجنبية.
اولا: بنية الهندسة الناعمة للاحتجاج ومسألة "شرعية التظاهر"
تعتمد الاستراتيجيات الاستعمارية الجديدة على هندسة الاحتجاجات وتوجيهها عبر واجهات شبابية ومجتمعية تبدو في ظاهرها محايدة ومستقلة عن الاستقطاب الحزبي التقليدي، متدثرة بشعارات براقة مثل الحراك المدني، السلمي، والبيئي. هذا النمط لا يعبر دائما عن حراك عفوّي، بل يمثل في كثير من الأحيان تكنولوجيا سياسية مُصنّعة يتم فيها تدريب النشطاء والحراكيين وتلقينهم أدلة تشغيلية لإلصاق تهمة الاستبداد بالدول ونزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عنها.
لكن المفارقة تكمن في جوهر الفعل ذاته، فخروج هذه المظاهرات واستمرارها وبثها للعلن يُمثّل دليلا ماديا قاطعا على وجود مساحة من الحرية السياسية تُكذّب شعارات اغتيال الحرية المرفوعة، وتكشف التقاطع العضوي بين التمويل الأجنبي الخارجي والتوظيف المحلي. إن هذا الاستخدام الذرائعي لمفاهيم الحرية والديمقراطية يُمثّل الغطاء الناعم للحرب النفسية والمعلوماتية التي تهدف إلى إدخال الدولة في مأزق سيادي بين خياري الانهيار أو الصدام الإجباري
ثانيا: كيف نميز ميدانيا وفعلیا بين الحراك الوطني الصادق والحراك المخترق؟
التمييز هنا لا يعتمد على النوايا، بل على مؤشرات سوسيولوجية وميدانية صارمة:
•
• مصادر التمويل واللوجستيك العابر للحدود: الحراك الوطني يعتمد على إمكانات ذاتية محلية بسيطة. أما الحراك المخترق فيظهر فجأة بدعم لوجستي عالي الاحترافية (تجهيزات صوتية موحدة، منصات بث رقمية ممولة، حملات علاقات عامة دولية متزامنة، وتغطية إعلامية غربية فورية وموجهة).
• بنية الشعارات (المحلية مقابل العولمية): الحراك الوطني يرفع مطالب مادية واقتصادية واجتماعية ملموسة تخص ابن البيئة المحلية (أجور، تنمية، بنية تحتية). الحراك المخترق يقفز فورا إلى شعارات سياسية كلية تصفية للدولة (إسقاط النظام، إسقاط الدستور، تفكيك الأجهزة السيادية) وهي شعارات تتطابق مع تقارير مراكز الأبحاث الغربية.
• خطوط الاتصال مع السفارات والمنظمات الدولية: يظهر الاختراق ميدانيا عندما تتبنى شخصيات الحراك قنوات تواصل سرية أو علنية مع "مستشارين ثقافيين" سفارات غربية، أو عندما تتدخل منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" أو "العفو الدولية" لحمايتهم وإعطائهم حصانة دولية بمجرد مساءلتهم قانونياً من قِبل قضاء بلدهم الموطن.
ثالثا: النفاق الغربي وسقوط قناع الحريات (قمع حراك فلسطين كمثال)
ادعاء الغرب حماية الحريات وتصديرها انكشفت عورته أمام المسألة الفلسطينية؛ حيث تبيّن أن حرية التعبير تنتهي فورا عندما تهدد المصالح الجيوسياسية للمنظومة الاستعمارية.
أمثلة وشواهد حية من الواقع المعاصر (2024 – 2026)
• انتفاضة الجامعات الأمريكية وقمع الأكاديميين (2024-2025) شهدت كبرى الجامعات الأمريكية مثل جامعة كولومبيا (Columbia University) وجامعة هارفارد (Harvard University) وجامعة إيموري استدعاءً غير مسبوق لقوات الشرطة والمارينز لفض اعتصامات الطلاب السلمية بالقوة. تم فصل عشرات الأساتذة الأكاديميين (مثل البروفيسورات الذين وقعوا على عريضات ضد الإبادة)، وسُحبت المنح الدراسية وعُلقت عضوية منظمات طلابية مثل "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" (SJP).
• قمع الأطفال واليافعين في المدارس الغربية: في بريطانيا وألمانيا، واجه أطفال المدارس دون سن الثامنة عشرة إجراءات عقابية صارمة؛ حيث رصدت منظمات حقوقية بريطانية (مثل CAGE) إحالة أطفال إلى برنامج مكافحة التطرف الحكومي "Prevent" لمجرد ارتدائهم الكوفية الفلسطينية أو رسمهم للعلم الفلسطيني في كراساتهم المدرسية، مما يفضح زيف شعارات الديمقراطية الغربية وحق التعبير
رابعا: الكولونيالية الخضراء وتحويل البيئة إلى أداة ابتزاز سيادي
لم تعد الكولونيالية الخضراء محصورة في انتزاع أراضي السكان الأصليين لصالح محميات للشركات الغربية فحسب، بل تطورت في الفترة المعاصرة إلى أداة ابتزاز جيوسياسي واقتصادي. يتم من خلالها تحويل الملف البيئي والتلوث إلى سلاح للضغط على حكومات الدول النامية ووضعها في مأزق بنيوي قاهر: فإما الاستجابة الفورية لمطالب الهواء النقي بإغلاق منشآت حيوية (كمجمعات الصناعات الكيميائية أو الفوسفات) وهو قرار يتطلب سنوات ويدمر الموازنة العامة ويخلق بطالة كارثية، وإما مواجهة المحتجين الشبان المدفوعين بأجندة دولية، مما يدفع بالدولة في الحالتين نحو الشلل الاقتصادي أو الفوضى المدنية
أمثلة دولية على الابتزاز البيئي:
• مأزق منشآت التعدين والنفط في أمريكا اللاتينية وإفريقيا: واجهت دول مثل الإكوادور ونيجيريا ضغوطا هائلة من منظمات بيئية دولية مدعومة غربيا لإغلاق حقول نفطية ومناجم وطنية حيوية تمثل أكثر من 40% من دخل الدولة العام تحت شعار "حماية التنوع البيولوجي"، دون تقديم أي بديل اقتصادي، مما يضع السيادة الوطنية في مهب الريح.
• أزمة الفلاحين والصناعات التقليدية في أوروبا الشرقية وشمال إفريقيا: استخدام شروط "الاتحاد الأوروبي للاتفاق الأخضر" للضغط على الدول لإنهاء صناعات كيميائية أو أسمدة وطنية تعتمد عليها توازناتها المالية، مما يجبر هذه الدول على الاستيراد من الشركات الغربية الكبرى.
اذن، تستخدم الدول القوية، دول الشمال المعايير البيئية لشل القدرات الإنتاجية والصناعية المستقلة لدول الجنوب العالمي، وإبقائها مجرد أسواق استهلاكية تابعة. وهو ما يعني امكاني الحديث عن "الإمبريالية البيئية" من خلال توظيف الخطاب الأخضر الغربي لتجريد دول العالم الثالث من سيادتها التنموية والاقتصادية وتحميلها وزر التلوث الذي صنعته الصناعة الغربية تاريخيا
خامسا: المعايير العلمية الصارمة لتحديد الاستبداد مقابل المعارضة المصنوعة
الاستبداد ليس مجرد تهمة انطباعية تطلقها وسائل الإعلام أو يصيغها معارض مرتهن للخارج، بل هو حالة سياسية واجتماعية تُحدد وفق محددات علمية وقانونية موضوعية ومستقرة في فقه القانون الدستوري والعلوم السياسية:
1. بنية التداول على السلطة: يُقاس الاستبداد علميا بمدى انغلاق قنوات التداول السلمي على السلطة دستوريّا وعمليّا، وتحول الدولة إلى ملكية مطلقة أو أوليغارشية مغلقة تمنع أي آليات قانونية للمساءلة أو التغيير الدوري.
2. استقلال الهيئات القضائية والتشريعية: غياب الفصل الحقيقي بين السلطات، وتغول السلطة التنفيذية المباشر على الأحكام القضائية وصناعة القوانين بمراسيم فوقية تلغي دور المشرعين الممثلين للشعب.
3. طبيعة المنظومة التشريعية والمؤسساتية: وجود نصوص قانونية ثابتة ومؤسسات تمنع حق التنظم الجمعياتي والنقابي والسياسي المحلي المستقل (وليس المرتبط بأجندات تمويل أجنبية)
• المستبد ليس هو من يعاديه الغرب لرفضه التبعية أو لحمايته أمن بلاده القومي من الاختراق، فالغرب قام تاريخيا بدعم أعتى الديكتاتوريات الدموية طالما أنها تحمي مصالحه وتضمن تدفق ثرواته.
• المعارض العميل هو من يستبدل "المعايير القانونية والمطالب الشعبية الداخلية" بأجندة تمليها عليه دوائر الاستخبارات أو المنظمات العابرة للقارات، فيتحول من مطالب بالإصلاح إلى أداة لتقويض أركان الدولة الوطنية تساوقا مع الكولونيالية الناعمة لتهيئة الأرض للاستعمار الخشن.
سادسا: غربنة الاحتجاج
هناك العديد من التيارات الفكرية والنقدية تحدثت عن "غربنة الاحتجاج. هذا المفهوم يعني أن الغرب لم يعد يكتفي باستعمار الدول أو النخب، بل قام بـ "تنميط" و"أدلجة" فعل الاحتجاج نفسه، بحيث أصبحت الثورات لا تنجح أو لا تحظى بالشرعية الدولية إلا إذا تبنت الأدوات، والشعارات، والجماليات، والقيم الليبرالية الغربية، حتى وإن كانت لا تناسب السياق المحلي للشعوب.
تجليات "غربنة الاحتجاج" ميدانيا: كيف تبدو فعليا؟
تظهر غربنة الاحتجاج في السلوك الميداني والجمالي للحراكات عبر مظاهر رئيسية:
1. جمالية او برستيج الاحتجاج : تحول المظاهرة من فعل غاضب ومطلب جذري إلى "كرنفال" أو "مشهد استعراضي" مصمم لـ "الكاميرا الغربية". يتم التركيز على اللافتات المكتوبة باللغة الإنجليزية، والتقاط الصور الجمالية (Instagrammable)، واستخدام موسيقى وأغاني غربية، مما يفقد الاحتجاج عمقه الشعبي ويحوله إلى منتج يسهل على الإعلام الغربي تسويقه واحتواؤه.
2. أدلجة السلمية المطلقة : فرض المفهوم الغربي لـ "السلمية المطلقة" (المستوحى من أدبيات جين شارب) كشرط وحيد لشرعية الحراك. يُستخدم هذا المفهوم لابتزاز الشعوب؛ فإذا دافع المجتمع عن نفسه ضد توغل أجنبي أو عنف بنيوي، يُسقط الغرب عنه صفة "الثورة" ويصنفه كـ "تمرد مسلح". السلمية الغربية المُهندسة تريد محتجين "قابلين للاحتواء" لا يهددون المصالح العميقة للمنظومة الاستعمارية.
3. إعلاء الفردي على الجمعي: تركز غربنة الاحتجاج على مطالب الهوية الفردية والحريات الشخصية بمعناها الليبرالي الغربي، وتتعمد تهميش المطالب السيادية الكبرى مثل: الاستقلال الاقتصادي، طرد القواعد الأجنبية، التحرر من البنك الدولي، أو دعم القضايا التحررية المشتركة (مثل القضية الفلسطينية)
خلاصة القول:
غربنة الاحتجاج هي أعلى مراحل الاستعمار الناعم لأنها تجعل الإنسان المستعمَر (بفتح الميم) يعتقد أنه يثور ويتحرر، في حين أنه يستخدم أدوات، ومفاهيم، وقنوات اتصال صممها المستعمر (بكسر الميم) مسبقا لضمان ألا تؤدي هذه الثورة أبداً إلى استقلال سيادي حقيقي.
#احمد_الكافي_يوسفي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟