أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الخطأ بين شجاعة الاعتراف وحيلة التبرير














المزيد.....

الخطأ بين شجاعة الاعتراف وحيلة التبرير


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 13:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" الخطأ لا يكشف ضعف الإنسان بقدر ما يكشف طريقته في مواجهة ضعفه، فهناك من يرى في الاعتراف بداية للإصلاح، ومن يحول الكلام إلى جدار يحتمي خلفه من تبعات ما فعل. وفي المسافة بين الاعتراف والتبرير يظهر مقدار ما يملكه الإنسان من شجاعة لمراجعة نفسه، وقدرته على أن يضع الحقيقة فوق حاجته إلى الانتصار " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل طريقة تعامل الإنسان مع أخطائه بوصفها كاشفاً عن مستوى نضجه في إدارة ذاته وعلاقاته، والكشف عن الفارق بين الاعتراف بالخطأ وتحمل مسؤوليته، وبين التبرير والتفلسف بوصفهما استجابتين قد تعكسان صعوبة مواجهة الذات وتبعات الفعل داخل العلاقات الاجتماعية.

يكشف ارتكاب الإنسان للأخطاء جانباً من ذاته لا يظهر بالوضوح نفسه في المواقف العادية، لأن الخطأ يضعه أمام اختبار تتراجع فيه قدرته على التحكم في صورته أمام الآخرين. عند هذه النقطة تتضح علاقته بالمسؤولية، فبعض الأفراد يتعاملون مع الخطأ باعتباره واقعة تستحق المراجعة، فيعترفون بما حدث ويسعون إلى إصلاح أثره، بينما ينشغل آخرون بصياغة مبررات تخفف وطأته أو تعيد تفسيره بما يبعدهم عن تبعاته. ولهذا يتجاوز الاعتذار مجرد التعبير عن الأسف، فهو اعتراف بأثر الفعل في الآخر وإقرار بالمسؤولية عنه. أما الإفراط في التفسير، فقد ينقل الاهتمام من تصحيح ما حدث إلى البحث عن مخرج منه، فتغدو اللغة وسيلة لتأجيل المواجهة بدلاً من أن تكون أداة لفهم الواقعة.

ويتضح هذا الفارق داخل العلاقات اليومية، حيث تمتد نتائج الفعل إلى شبكة من التفاعلات لا تتوقف عند الشخص الذي ارتكبه. قد يؤدي حكم متسرع إلى جرح صديق، أو تنتج عن إساءة فهم مشكلة عابرة في علاقة عمل، ثم يجد الفرد نفسه أمام أثر لم يكن يقصده. في مثل هذه المواقف يستطيع الاعتذار أن يفتح مجالاً لإصلاح العلاقة، بينما يدفع التبرير المستمر الطرفين إلى الدفاع عن موقفيهما، فتتضخم الواقعة ويتوارى أصل المشكلة. ولا تتشكل هذه الاستجابات بصورة فردية خالصة، فالتنشئة الاجتماعية تؤثر في الطريقة التي يتعلم بها الإنسان التعامل مع الخطأ، وفي المعنى الذي يمنحه للاعتراف والتراجع. لذلك قد يرى بعض الأفراد في الاعتذار تنازلاً يهدد مكانتهم، فيتمسكون بمواقفهم حتى بعد ظهور خطئها، بينما يستطيع آخرون مراجعة مواقفهم دون أن يشعروا بأن الاعتراف ينتقص منهم.

وعندئذ، يمكننا فهم التفلسف بعد الخطأ بوصفه ظاهرة تتصل بطريقة استخدام التفكير أكثر مما تتصل بالتفكير ذاته. فالتفكير النقدي يقتضي مراجعة الموقف واختبار صحته، بينما يتحول إلى دفاع عن الذات عندما يستخدم لإغراق الفعل في سلسلة من التفسيرات التي تجعل الاعتراف به أكثر صعوبة. وقد يطيل الإنسان الحديث لا لأنه اكتشف معنى أعمق للواقعة، بل لأنه يحاول تأجيل اللحظة التي يصبح فيها مطالباً بتحمل مسؤوليتها. عندها لا تعود المشكلة في الخطأ وحده، وإنما في انتقال الإنسان من محاولة فهمه إلى محاولة تبرئة نفسه منه. ولهذا تبدو البساطة في الاعتذار أحياناً أكثر دلالة على النضج من القدرة على بناء خطاب طويل حول الخطأ، لأن الاعتراف يضع الحقيقة قبل الرغبة في الانتصار.

وتكشف الاستجابة للخطأ كذلك عن المعايير التي تنظم القوة والمكانة داخل الجماعة. ففي البيئات التي ينظر فيها إلى الاعتذار بوصفه ضعفاً، قد يصبح التمسك بالموقف وسيلة للحفاظ على الهيبة، حتى بعد انكشاف عدم صوابه. أما في العلاقات التي تسمح بالمراجعة والتراجع، فيصبح الاعتراف جزءاً من المسؤولية المتبادلة وإعادة بناء الثقة. بذلك لا يمثل الاعتذار شأناً فردياً محضاً، بل يعكس تصوراً اجتماعياً للكرامة والقوة وحدود المسؤولية. فطريقة الجماعة في التعامل مع الخطأ تحدد، إلى حد بعيد، ما إذا كان الفرد سيجد مساحة للاعتراف والتصحيح، أم سيشعر بأنه مطالب بالدفاع المستمر عن نفسه.

في واقع الأمر، يمنح الخطأ الإنسان فرصة لرؤية علاقته بالحقيقة خارج المواقف التي تمنحه شعوراً بالتماسك والسيطرة. وتظهر قيمة هذه الفرصة في الطريقة التي يتعامل بها مع ما تكشفه له التجربة، فإما أن يراجع موقفه ويعيد ترتيب علاقته بمن تأثر به، وإما أن يستهلك طاقته في الدفاع عن رواية تبرر ما حدث. لذلك لا تكمن دلالة النضج في غياب الخطأ، بل في القدرة على تحويله إلى معرفة بالذات ومسؤولية تجاه الآخر. فالاعتذار لا يمحو ما وقع، لكنه يمنع الخطأ من التحول إلى قطيعة، بينما قد يجعل التبرير المستمر من واقعة قابلة للإصلاح اختباراً أطول للعلاقة. وفي هذا المعنى، لا يكشف الخطأ مقدار ما يعرفه الإنسان فحسب، بل يكشف أيضاً مقدار قدرته على مراجعة ما يعرفه عندما تثبت له التجربة خلافه.

نصيحتي لك، اترك في حياتك مساحة للمراجعة، فليس كل ما نؤمن به يحتاج إلى أن نحميه، وليس كل موقف تراجعنا عنه يعني أننا خسرناه. بعض التجارب تأتي لتوسع رؤيتنا لا لتؤكد ما كنا نعتقده، وبعض الاعترافات تفتح أمامنا طريقاً لم نكن نراه ونحن منشغلون بإثبات صوابنا. تعلّم أن تنظر إلى أخطائك بوصفها معرفةً اكتسبتها بالطريقة الأصعب، وأن تمنح الآخرين حقهم في أن يروا منك أثراً لهذا التعلم. فالحياة لا تطلب من الإنسان أن يحافظ دائماً على الصورة التي بدأ بها، بل أن يظل قادراً على أن يصبح أكثر وعياً مما كان عليه بالأمس.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القبول الاجتماعي وحدود الانتماء
- العاطفة واختبار القرب الإنساني
- سقوط الأدوار وإعادة اكتشاف الآخر (من صورة العلاقة إلى رؤية ا ...
- الطيبة في زمن الغدر... عندما تصبح الإنسانية عبئاً اجتماعياً
- المواقف لا تكشف حقيقة الإنسان بل تعريه
- بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها
- العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب
- المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار ال ...
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية


المزيد.....




- من المزرعة إلى الطائرة.. هكذا تُزرع يوميًا 3 أطنان من الخضار ...
- صفقة اندماج باراماونت ووارنر تقترب من الحسم.. ماذا عن CNN؟
- شاهد.. استراحة على الطريق في اليمن تتعرض لضربة جوية ضخمة
- كيف تعتني ببشرتك إن كنت في سن المراهقة؟ خمس نصائح من الخبراء ...
- خطة أميركية بشأن منشآت الطاقة في الخليج.. واشنطن تقترح إنشاء ...
- ترامب يشيد بعمدة نيويورك بعد لقاء -ودّي-.. وممداني يجدد وصف ...
- العراق يرسم مسار حصر سلاح الفصائل.. وإسرائيل تتحسب لهجمات مح ...
- الجيش الأوكراني يفشل في إسقاط أي صاروخ باليستي خلال الغارات ...
- هل يستحضر ترامب وشي بيانا عمره 44 عاما؟
- الصين تختبر أول محطة طاقة شمسية تحت الماء في عرض البحر


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الخطأ بين شجاعة الاعتراف وحيلة التبرير