أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - من فساد الفرد إلى فساد المجتمع














المزيد.....

من فساد الفرد إلى فساد المجتمع


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 15:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" الإنسان الفاسد لا يأخذ مالاً بغير حق فحسب، بل يبيع أمانته التي اؤتمن عليها، ويسهم في ضياع حقوق الناس، وما يبدأ منفعةً شخصية ينتهي بإضعاف الثقة والعدالة التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح كيف يتجاوز سلوك المرتشي حدود المنفعة الشخصية، ليتحول من ممارسة فردية إلى سلوك اجتماعي يؤثر في طبيعة العلاقات بين الأفراد، ويضعف الثقة والعدالة، ويسهم في تطبيع الفساد وإضعاف التضامن الاجتماعي.

يمارس المرتشي فساده داخل المجتمع قبل أن يمارسه داخل وظيفته، لأنه لا يأخذ المال لنفسه فقط، بل يغير طبيعة العلاقة التي تربطه بالآخرين. فعندما يجعل الخدمة التي يفترض أن يؤديها بحكم وظيفته مشروطة بمقابل، فإنه يحول العلاقة من الثقة إلى المساومة، ومن المساواة في المعاملة إلى البحث عن المنفعة. ومع تكرار السلوك، يمتد أثره إلى نظرة الناس إلى حقوقهم وإلى معنى العدالة في حياتهم اليومية.

يتشكل الانحراف داخل الفرد عبر قدرته على التوفيق بين صورته عن نفسه وسلوكه الفعلي. فقد يرى الرشوة تعويضاً، أو ممارسة شائعة، أو استجابة لواقع لا يستطيع تغييره. ومع التكرار، تصبح السلطة التي يمتلكها بحكم وظيفته مورداً قابلاً للاستثمار، ويغدو احتياج الآخر فرصة للمنفعة الخاصة. ولا يحتاج الفساد إلى شخص يرفض القيم العامة صراحة، يكفي أن يعيد تأويل سلوكه بما يخفف عنه الشعور بالتناقض.

ينتقل هذا التحول إلى المواطن عندما يكتشف أن القاعدة المعلنة ليست وحدها التي تحدد نتيجة المعاملة. فإذا أصبح الدفع يختصر الطريق، أو فتحت العلاقة الشخصية باباً مغلقاً أمام الآخرين، يتعلم الفرد التعامل مع الواقع وفق قواعده الفعلية. عندها تنشأ الرشوة بوصفها علاقة اجتماعية تقوم على توقعات متبادلة، فالموظف يتوقع المقابل، والمراجع يتوقع أن الخدمة لن تسير بدونه، والمجتمع يتعامل مع الممارسة باعتبارها أمراً يمكن السكوت عنه. وهكذا تتكون قاعدة غير مكتوبة تجعل الرشوة سلوكاً متوقعاً داخل الحياة اليومية.

ومع استقرار هذا النمط يتغير معنى العدالة، فيصبح الوصول إلى الحق مرتبطاً بالقدرة على الدفع أو التأثير أو امتلاك العلاقات، بدلاً من الاستحقاق وفق القاعدة العامة. ويصبح المورد الذي يفترض أن يكون متاحاً للجميع قابلاً للتفاوض، ويتحمل من يفتقر إلى المال أو النفوذ كلفة أكبر، لا لأن حقه أقل قيمة، وإنما لأن قدرته على التعامل مع القواعد غير الرسمية أضعف. وبذلك يمنح الفساد التفاوت القائم وسيلة إضافية لإعادة إنتاج نفسه، ويربط الوصول إلى بعض الموارد بموقع الفرد داخل شبكات النفوذ والمصلحة.

كما تتراجع الثقة عندما تصبح النتائج غير قابلة للتوقع وفق القواعد المعلنة. والمواطن الذي لا يعرف ما إذا كان حقه سيحصل عليه بالاستحقاق أم بالعلاقة أم بالدفع، يعيد تنظيم سلوكه على أساس الشك، وقد يلجأ بدوره إلى الوسائل غير الرسمية لحماية مصالحه. وبذلك تتكون دائرة تعزز نفسها، فالفساد يضعف الثقة بالقوانين، وضعف الثقة يدفع إلى الالتفاف عليها، ومع تكرار هذا السلوك تتراجع فاعلية القوانين في تنظيم السلوك وتوجيهه.

ويبلغ الفساد الأخلاقي مداه عندما تتبدل نظرة المجتمع إلى الفعل ذاته، فيغدو ما كان يعتبر تجاوزاً أمراً يمكن تبريره أو التساهل معه. ومن يرفض الدخول في هذه الدائرة قد يبدو أقل قدرة على حماية حقوقه، بينما يجد الفساد بيئة تتكيف معه وتتعامل معه بوصفه جزءاً من الواقع. عند هذه النقطة لا يعود المرتشي مستفيداً من خلل قائم فقط، بل يصبح أحد الفاعلين في تطبيعه وإعادة إنتاجه.

وتظهر الكلفة الأوسع في المجتمع الذي يصبح أكثر حذراً في علاقاته وأقل استعداداً لتطبيق القوانين العامة. مما يضعف التضامن وتحقيق العدالة عندما يشعر الفرد أن حاجته يمكن أن تتحول إلى فرصة لاستغلاله، وأن حصوله على حقه قد يتوقف على قدرته على الدفع أو النفوذ. وعندئذ لا يستهلك الفساد الموارد المادية وحدها، بل يستنزف رأس المال الاجتماعي الذي يقوم عليه التعاون والثقة والاعتماد المتبادل.

وفي نهاية المطاف، لا يفسد المرتشي المعاملة التي يأخذ ثمنها فقط، بل يسهم في تغيير الطريقة التي يتعلم بها الناس التعامل مع بعضهم. فالخطر الأعمق للرشوة يبدأ عندما يصبح التجاوز أكثر فاعلية من الالتزام، وتصبح القدرة على الوصول إلى المناصب والخدمات والحقوق أهم من الاستحقاق وتكافؤ الفرص. عندها يتجاوز الفساد صاحبه والمعاملة التي باعها، ليصبح جزءاً من منطق الحياة الاجتماعية، وتغدو الخسارة الحقيقية في تآكل الاعتقاد بأن الحقوق يمكن أن تنال بالحق، وأن العلاقات يمكن أن تقوم على الثقة، وأن المجتمع قادر على الحفاظ على تماسكه دون تحويل حاجات أفراده إلى فرص للانتفاع.

نصيحتي لك، لا تجعل حاجات الناس فرصة لمصلحتك، ولا تجعل موقعك سبباً في خسارة ما بنيته من سمعة ومكانة. فالمال الحرام الذي يأتي بغير وجه حق قد يمنحك منفعة عابرة، لكنه قد يتركك أمام خسارة لا تعوض، في الدنيا والآخرة. فالمكانة الحقيقية لا تبنى بما يحصل عليه الإنسان من موقعه، وإنما بما يتركه من أثر طيب في حياة الناس، وبقدر ما يحفظ من حقوقهم ويصون ثقتهم به.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة


المزيد.....




- شادي جميل يعتذر للسوريين بسبب غنائه لبشار الأسد
- إيران: إعادة فتح مضيق هرمز مرهونة بشروط رغم التفاهمات مع سلط ...
- قادة عسكريون أمريكيون يحذرون: العمليات ضد إيران تستنزف جاهزي ...
- الكويت تسمح بتعيين غير الكويتيين المسحوبة جنسيتهم كضباط صف ف ...
- في اليوم العالمي للاختفاء القسري: من يساعد عائلات الضحايا عل ...
- مصر تحظى بإجماع دولي على استضافتها فعالية أممية كبرى في 2028 ...
- -هدية حب وأمل-.. مادورو يرسل صورا من سجنه إلى أحفاده
- المشير حفتر يرحب باتفاق 4+4 ويؤكد دعمه لإنهاء الانقسام وإجرا ...
- سوريا.. توغل إسرائيلي جديد في محافظة درعا وسط تحليق للمروحيا ...
- -التعاون الرقمي- توسّع عضويتها إلى 24 دولة بانضمام لبنان وسو ...


المزيد.....

- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - من فساد الفرد إلى فساد المجتمع