أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك














المزيد.....

الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 16:24
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" قد تبذل كل ما تستطيع لتغير واقعك، ثم تكتشف أن ما أعاقك لم يكن ضعفاً في قدرتك، بل وجودك في بيئة لا تمنح جهدك فرصة حقيقية للتغيير " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح أن أثر الجهد الفردي يرتبط بالسياق الاجتماعي الذي يبذل فيه، وأن التعثر لا يرتبط دائماً بضعف القدرة أو قلة المحاولة، بل قد ينتج عن طبيعة العلاقات والفرص والقواعد السائدة في البيئة المحيطة. كما يوضح كيف يمكن لهذا الواقع أن يؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه، ويدفعه إلى مراجعة اختياراته وطريقة تعامله مع محيطه.

يظن الإنسان أن زيادة الجهد ستغير النتيجة، لذلك يواصل المحاولة كلما تعثر. لكن الجهد وحده لا يكفي إذا كان المكان نفسه لا يساعد على التغيير. فقد يعمل الإنسان بجد، ويقدم أفضل ما لديه، ثم يبقى في المكان نفسه، لأن البيئة التي يتحرك فيها لا تمنح ما يقدمه فرصة حقيقية. عندها لا يكون التعثر دليلاً على ضعف الإنسان، فقد يكون الجهد موجوداً، لكن الظروف المحيطة به لا تسمح له بأن يتحول إلى نتيجة.

تختلف البيئات الاجتماعية في الطريقة التي تمنح بها الناس الفرص والتقدير. هناك أماكن تفتح الطريق أمام الكفاءة والعمل، وأخرى تكون فيها العلاقات والمصالح والولاءات أقوى من الجهد. وقد يعمل شخص كثيراً ولا يحصل على التقدير الذي يستحقه، بينما يتقدم آخر بجهد أقل لأن موقعه أو علاقاته تمنحه فرصة أكبر. ومع الوقت يطلب من الأول أن يعمل أكثر وأن يثبت نفسه أكثر، بدلاً من النظر إلى الطريقة التي توزع بها الفرص داخل المكان. وهكذا يتحول خلل في البيئة إلى عبء يحمله الفرد وحده.

ويمتد أثر ذلك إلى نظرة الإنسان إلى نفسه. فعندما لا يجد تقديراً لجهده، قد يبدأ في الشك بقدرته، ويظن أن عليه أن يقدم المزيد حتى يراه الآخرون. وقد يبقى في علاقة أو بيئة متعبة لأنه يتوقع أن يغيرها بالصبر والعطاء. ثم يتعود على التنازل، ويسكت عن أشياء كان يرفضها، ويقبل بما لم يكن يقبله من قبل. ومع الوقت قد يصبح الحفاظ على المكان أهم من الحفاظ على نفسه، فيتأقلم مع واقع كان يريد تغييره.

وتزداد الخسارة عندما يصبح المزيد من الجهد هو الحل الوحيد في نظر الإنسان. فبعض العلاقات لا تتغير بكثرة العطاء، وبعض المواقع تحافظ على ترتيبها لأن هناك من يستفيد من بقائها كما هي. لذلك قد يعمل الإنسان سنوات طويلة ويبقى في النقطة نفسها، ثم يلوم نفسه لأنه لم يفعل ما يكفي، مع أنه ربما فعل أكثر مما ينبغي.

بالمقابل، يصبح الوعي أكثر نضجاً عندما يفهم الإنسان أن الجهد يحتاج إلى بيئة تساعده على النمو، فمن المعروف للجميع أن تطوير الذات والعمل والصبر أمور مهمة، لكنها تفقد جزءاً من قيمتها عندما توضع في سياق يغلق الطريق أمامها. فالمكان الذي يقدر جهد الإنسان يجعل ما يبذله يتراكم، بينما المكان الذي يهمشه يجعله يبدأ من جديد في كل مرة. وتغيير المكان هنا لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني رفض تحويل الحياة إلى محاولة دائمة لإثبات قيمة لا يريد المكان الاعتراف بها.

لهذا لا يكون الحل دائماً في أن نعمل أكثر. فقد تكون المشكلة في المكان الذي نضع فيه قدرتنا، لا في قدرتنا نفسها. فالجهد لا يصنع أثره بمجرد وجوده، وإنما يحتاج إلى شروط تسمح له بأن يظهر. وعندما يغيب ذلك، قد يتحول الإصرار من طريق إلى التقدم إلى طريق لاستنزاف الإنسان. فليست كل مشكلة تحتاج إلى جهد أكبر، بعض المشكلات تحتاج إلى مكان آخر.

نصيحتي لك، وسّع علاقتك في سياقك الاجتماعي، ولا تحصر نفسك في تجربة واحدة، فكل إنسان تلتقيه، وكل اختلاف تفهمه، وكل معرفة جديدة تكتسبها، يضيف شيئاً إلى رؤيتك للناس والعالم. اجعل علاقتك بالآخرين مجالاً للتعلم والتبادل، وابحث عن البيئات التي تتيح لك أن تتطور، وأن تعبر عن قدراتك، وأن تعيش علاقات أكثر احتراماً وإنصافاً، فالسعي نحو واقع أفضل ليس رفضاً لما أنت فيه، بل حق مشروع لكل إنسان يريد أن يعيش حياة أكثر اتزاناً وكرامة. فالقيمة الحقيقية للإنسان تتجلى في قدرته على أن يضيف إلى محيطه الاجتماعي معرفة واحتراماً وأثراً طيباً، وأن يسعى في الوقت نفسه إلى حياة أكثر انسجاماً مع طموحاته.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات
- المعرفة التي ترتقي معها إنسانيتنا
- أن تدخل عالم الآخر دون أن تسكنه (قراءة في مفهوم التعاطف التك ...
- الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية
- الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر


المزيد.....




- رئيس وزراء قطر من طهران: يجب احترام سيادة دول الجوار
- بغداد تحبط محاولة لتصنيع مسيّرات وتتمسك بموعد حصر السلاح.. م ...
- هرمز في قلب القمة المقبلة بين ترامب وشي.. كيف سيتعامل البيت ...
- قطر وإيران تناقشان إنشاء ممر ملاحي مشترك مع عمان في مضيق هرم ...
- -رحّلوني إلى إسرائيل!-.. صرخة عارضة شهيرة توقف محاكمتها
- حل -قسد-.. نهاية تنظيم أم قضية؟
- الجيش الإسرائيلي يسقط مسيرة لـ-حزب الله- ويشن غارات على الن ...
- رومانيا.. سائحتان تنتشلان من البحر حطام طائرة مسيّرة متفجرة ...
- مسرح روماني مزيف.. قصة إيطالي غش العالم
- موقع -واللا- العبري: نتنياهو أجرى مفاوضات سرية ومباشرة مع حم ...


المزيد.....

- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك