أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية














المزيد.....

الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 20:07
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" يضع المجتمع أمام الإنسان شروطاً لم يخترها، والخطر يبدأ حين تتحول هذه الشروط من قيود في الواقع إلى عجز في الوعي " (الكاتب).

يهدف المقال إلى فهم أسباب تماهي الإنسان مع دور الضحية في الواقع الاجتماعي السلبي، وكيف يتحول هذا الدور إلى عجز واستسلام، وما الذي يساعده على استعادة قدرته على الاختيار والفعل.

يعيش الإنسان داخل واقع اجتماعي يسبقه ويؤثر في فرصه ونظرته إلى نفسه وإلى العالم من حوله. وتشكل الأسرة والتعليم والثقافة والمكانة الاجتماعية وطبيعة المؤسسات الإطار الذي تتحدد داخله إمكاناته الأولى ومساحة حركته في الحياة. وتزداد وطأة هذه الشروط في المجتمعات المضطربة، حيث تضعف العدالة وتختل معايير الاستحقاق، فيشعر الفرد أن كثيراً من جوانب حياته تحددها عوامل تتجاوز قدرته على التحكم فيها. في هذا السياق ينشأ شعور حقيقي بالعجز، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الشعور من استجابة لواقع اجتماعي إلى طريقة ثابتة في تفسير الحياة. عندها لا يعود الإنسان يرى نفسه شخصاً يواجه ظروفاً صعبة، وإنما يبدأ في رؤية نفسه بوصفه ضحية دائمة لها.

يتعلم الإنسان تفسير واقعه من البيئة التي يعيش فيها، وحين تتكرر أمامه تجارب يتقدم فيها النفوذ على الكفاءة، والعلاقة على الاستحقاق، والولاء على الجدارة، تتكون لديه قناعة بأن المحاولة الفردية لا تغير الكثير. ومع الوقت تصبح هذه القناعة جزءاً من الثقافة اليومية، فيسمع أن النجاح يحتاج إلى واسطة، وأن الفرص محسومة، وأن أصحاب النفوذ يملكون الطريق، وأن الإنسان العادي لا يملك سوى الانتظار أو الشكوى. وهكذا ينتقل العجز من كونه تجربة شخصية إلى كونه تصوراً اجتماعياً مشتركاً، ويصبح تفسيراً جاهزاً للفشل قبل أن تبدأ المحاولة. فالبيئة التي تضعف ثقة الإنسان بقدرته على التأثير تنتج، بصورة غير مباشرة، إنساناً يتوقع الهزيمة قبل أن يخوض التجربة.

ومع مرور الوقت، يتبلور هذا التصور ليصبح نمطاً في التعامل مع الحياة. يبدأ الإنسان في تفسير إخفاقاته في ضوء الظروف المحيطة، ثم يعمم هذا التفسير على علاقاته وموقعه ومستقبله، حتى يغدو ما فعله الآخرون به حاضراً في تفسير كثير مما يمر به، بينما يتراجع تركيزه على ما يمكنه فعله بنفسه. ويظل الماضي مؤثراً في قراراته، ويستمر حضور من أضروه في وعيه حتى بعد غيابهم، لأن أثر أفعالهم يبقى في نظرته إلى ذاته وإلى الواقع. وهنا تتجلى المفارقة فقد يتعرض الإنسان لظلم حقيقي، لكنه يفقد جزءاً من قدرته على تجاوزه عندما يحول ذلك الظلم إلى جزء ثابت من صورته عن نفسه. فالشكوى قد تعكس مشكلة واقعية، لكن الاستمرار في العيش داخلها يجعلها جزءاً من هويته.

وتتضح خطورة دور الضحية عندما يتحول الشعور بالعجز إلى طريقة في التعامل مع الواقع. فالإنسان الذي يقتنع بأن قدرته على التغيير محدودة يتراجع عن المبادرة، ويزداد اعتماده على الآخرين، ثم يجد في هذا الاعتماد دليلاً إضافياً على ضعف قدرته على الفعل. ومع الوقت، يبتعد تدريجياً عن المبادرة، ويصبح ما يفرضه الواقع أقوى من قدرته على مواجهته. وهنا يتحول دور الضحية من استجابة لظروف اجتماعية ضاغطة إلى حالة تحد من قدرة الإنسان على تغيير موقعه داخلها. لذلك فإن الخروج من هذا الدور يبدأ باستعادة المبادرة، والبحث عن المساحة التي يستطيع الإنسان أن يتحرك فيها، حتى داخل واقع لم يختره.

خلاصة القول، لا تكمن قوة الإنسان في أن يعيش خارج تأثير المجتمع، فهذا أمر لا يستطيع أحد أن يفعله، وإنما في ألا يسمح لهذا التأثير بأن يصبح مصيره الوحيد. فالمجتمع يترك آثاره في طريقة تفكيرنا وعلاقاتنا واختياراتنا، لكن الإنسان يستطيع مع الوعي والخبرة أن يعيد النظر في كثير مما اعتاده، وأن يختار ما يدفعه إلى الأمام. وربما لا يستطيع الفرد أن يغير البيئة التي نشأ فيها، لكنه يستطيع أن يمنعها من أن تستمر داخله بالطريقة نفسها. وعندما يستعيد الإنسان قدرته على الفعل، يتغير موقعه من الواقع الذي يعيش فيه، فلا يعود ما مر به حكماً على مستقبله، ولا يبقى ما فرضه المجتمع تفسيراً وحيداً لحياته. عندها يصبح الإنسان قادراً على أن يعيش داخل واقعه بوعي، وأن يتعامل مع حدوده دون أن يستسلم لها، وأن يصنع لنفسه مساحة أوسع للحياة التي يريدها.

نصيحتي لك، لا تجعل الأشخاص الذين خذلوك أو البيئة التي أتعبتك معياراً لما تستحقه في حياتك. تعلم أن تفرق بين ما حدث لك وما أصبحت عليه، وبين التجربة التي مررت بها والحكم الذي تصدره على نفسك بسببها. احتفظ بقدرتك على التعلم، وابحث عن كل خطوة تمنحك معرفة أو خبرة أو استقلالاً أكبر، فقد يبدأ التغيير من لحظة بسيطة يقرر فيها الإنسان أن يمنح نفسه بداية جديدة، وأن ينظر إلى مستقبله باعتباره أمراً يستحق أن يعمل من أجله.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تبالغ في التقدير، فالمكانة تُبنى بإنزال الناس منازلهم
- هرمنا ونحن نتعلم كيف نتأقلم مع حياة لا تشبهنا
- الاستقلال المادي والحرية... كيف تتسع مساحة الاختيار؟
- الظلم الاجتماعي المعاصر (الفقر وإعادة إنتاج التفاوت في مجتمع ...
- الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...


المزيد.....




- الاتحاد الأوروبي ينتقد مخطط إسرائيل الاستيطاني في -إي-1-
- شلل متزايد في هرمز.. حركة الشحن تهبط إلى مستويات قياسية
- علماء روس يبتكرون مضادا جديدا للأكسدة
- غيابها عن السوشيال ميديا كان الإنذار.. عملية إنقاذ لفتاة مقي ...
- حريق -هوك- يجبر نحو 90 ألف شخص على إخلاء منازلهم في نيفادا ا ...
- -نوفوستي-: تركيا تتطلع لاستئناف المفاوضات بشأن أوكرانيا قبل ...
- طهران تحذر من تداعيات غياب رد الفعل الدولي على قصف منشآتها ا ...
- مكملات فيتامين (د) قد ترتبط بتحسن الوظائف الإدراكية
- تحذير من مخاطر السجائر الإلكترونية على الصحة النفسية والتنفس ...
- -4+4- توقع بالأحرف الأولى.. هل تبدأ الانتخابات أم معركة الشر ...


المزيد.....

- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الواقع الاجتماعي وصناعة دور الضحية