أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش














المزيد.....

أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 14:31
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" تقاس قوة المجتمع بقدرته على إنتاج القدوات التي تمنح القيم مصداقيتها، لأن الأفكار لا تستقر في وعي الأفراد ما لم تجد من يجسدها في الواقع الاجتماعي " (الكاتب).

لم تعد أزمة القدوة في المجتمع المعاصر مجرد مشكلة أخلاقية أو تربوية تخص الأسرة وحدها، بل أصبحت قضية سوسيولوجية تمس البنية العميقة للمجتمع وآليات استمراره. فالطفل لا يكتسب قيمه من الكلمات بقدر ما يكتسبها من الأشخاص الذين يمنحونه معنى لما يقولونه ويفعلونه. وحين تتراجع المكانة الرمزية للأب والأم والمعلم والمربي في المجتمع، وتتقلص قدرة هذه الشخصيات على التأثير، تتسع المسافة بين القيم التي يتعلمها الفرد نظرياً والسلوك الذي يراه يومياً. عندها تبدأ الشخصية بالتشكل وسط حالة من التردد والارتباك، لأنها لم تعد تجد نموذجاً مستقراً يحتذى به، بل تجد صوراً متغيرة تتبدل مع كل ترند وحدث تافه، وكل شهرة عابرة، وكل نجاح سريع لا يرتبط بالعلم أو الجهد أو المسؤولية.

وتزداد هذه الأزمة عمقاً مع انتقال مركز التأثير الاجتماعي من مؤسسات التنشئة التقليدية إلى الفضاء الافتراضي، حيث أصبحت مواقع التواصل (التفكك) الاجتماعي تنافس الأسرة والمدرسة سلبياً في تشكيل الوعي والذوق والقيم للأبناء. وحسب علم النفس، يحتاج الإنسان منذ طفولته إلى نموذج يمنحه الإحساس بالأمان ويحدد له الحدود الفاصلة بين الممكن والمرفوض، وبين النجاح الحقيقي والنجاح الوهمي. لكن حين تصبح الشهرة معياراً للقيمة، ويغدو عدد المتابعين بديلاً عن المعرفة، يتحول التقليد إلى عملية عشوائية تفتقد المعايير. أما حسب علم الاجتماع لا تعني هذه الحالة غياب القدوة فقط، بل تعني دخول المجتمع في حالة من الاضطراب المعياري والقيمي، حيث تتراجع المرجعيات المشتركة التي تنظم السلوك، ويصبح الأفراد أكثر عرضة للحيرة، وأكثر استعداداً لتبني قيم مؤقتة لا تمت بصلة لثقافته ومبادئه تتغير بتغير سوق الترندات الإعلامية التافهة والثقافة الاستهلاكية.

ولهذا فإن مستقبل المجتمعات المعاصرة لا يتوقف على كثرة المناهج الدراسية أو وفرة الوسائل التقنية، بل على قدرتها على إعادة الاعتبار للقدوة بوصفها مؤسسة اجتماعية تصنع الثقة قبل أن تصنع المعرفة. فالتربية لا تنجح عندما تكتفي بتلقين المبادئ، وإنما عندما تقدم نماذج حية تجسدها في الواقع اليومي. وكل مشروع يسعى إلى بناء الإنسان من دون أن يعيد بناء المكانة الأخلاقية للمربي والأسرة والمعلم، سيظل مشروعاً يعالج النتائج ويترك الأسباب. لذا فإن المجتمع الذي يفقد قدوته لا يخسر شخصيات مؤثرة فحسب، بل يخسر البوصلة التي تمنح أفراده القدرة على التمييز بين ما يستحق أن يتبع، وما يستحق أن يتجاوز.

وفي الختام، نعتقد أن أزمة القدوة ليست نتاج قوة الفضاء الافتراضي وحده، بل هي أيضاً نتيجة تراجع النماذج الواقعية القادرة على الإلهام والتوجيه داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. فالفراغ القيمي لا يدوم طويلاً، إذ سرعان ما تملؤه نماذج أخرى، سواء كانت جديرة بالاقتداء أم لا. لذلك تقع على عاتق الآباء مسؤولية أن يكونوا قدوة حاضرة في السلوك قبل القول، وأن يقتربوا من أبنائهم بالحوار والثقة والاحتواء، وأن يمنحوهم من وقتهم أكثر مما يمنحونهم من الأشياء المادية، وأن يحرصوا على أن يكون أبناؤهم أفضل من أنفسهم بالأمس، لا أفضل من الآخرين. أما أنتم أيها الأبناء، فأنصتوا إلى خبرات والديكم، وقدروا ما يقدمونه لكم من نصح وتجربة ومحبة، وأحسنوا اختيار من تؤثرون بهم ومن يؤثر فيكم، واجعلوا العلم، والأخلاق الحميدة، والعمل الصالح رفاقاً لمسيرتكم. فالمجتمعات التي تتبادل أجيالها الثقة والاحترام، وتبني علاقاتها على الحوار والمسؤولية، هي الأقدر على صناعة مستقبل أكثر تماسكاً واستقراراً وازدهاراً.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...
- لعنة الموقع أم غياب القوة؟
- السلطة التي يفسدها حاشيتها...
- من يربي أبناءنا اليوم؟
- وهم الأنا المفكرة... سوسيولوجيا إنتاج الوعي الاجتماعي
- الصراع الأسري وإرادة السيطرة: مقاربة نقدية – تطبيقية في ضوء ...
- تحولات البنية الأسرية العربية من بنية تضامنية إنتاجية إلى عل ...
- من الإنجاز إلى الإعلان: كيف يُعيد الاعتراف تشكيل الذات الهشّ ...
- المرأة العربية بين التماسك الأسري والتفكك الرقمي في ظل هيمنة ...
- ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة ال ...
- هندسة التأثير الخفي وإعادة تشكيل الوعي عند إدوارد بيرنيز
- التوازن النفسي في المجتمعات المعاصرة (قراءة سوسيولوجية نقدية ...
- التروما والوعي الإنساني (من الألم النفسي إلى إعادة إنتاج الم ...
- علم الاجتماع نافذة تنويرية لفهم الذات والعالم


المزيد.....




- المحكمة العليا تسلّم ترامب انتصارًا كبيرًا.. ماذا سيحدث لقاع ...
- مصر.. فيديو العرض الشعبي أمام السيسي ورئيس الصين يلقى رواجا ...
- فظائع فيضانات نيبال مستمرة وقفزة بحصيلة الوفيات لتصل إلى 111 ...
- إيران.. بقائي يعلق على الضربة الأمريكية وهذا ما زعم أنها است ...
- مصر.. 16 قتيلا و28 مصابا إثر حادث مروع جنوب سيناء
- عدوى الانقلابات في أفريقيا.. نحو موجة جديدة في 2026؟
- النيجر.. جيش مُحبَط ومجلس عسكري يبحث عن الحماية
- لأول مرة خارج روسيا.. -روستيخ- تكشف في مصر نظاما لتدمير المس ...
- استطلاع: 63% من الأمريكيين يعارضون إعادة تسمية بحيرة أونتاري ...
- -خطأ بصري- في جواز السفر البيومتري السوري يشعل السوشال ميديا ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش