حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث
(Hossam Aldin Fayad)
الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 00:48
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
” كلما زاد الإعلان عن الهدف قبل اكتماله، ازداد حضوره الرمزي في وعي صاحبه، حتى يغدو الاعتراف الاجتماعي بديلاً خفياً عن الإنجاز نفسه “.
” إن مشاركة الهدف الشخصي مبكراً مع الآخرين قد تمنح شعوراً زائفاً بالاكتمال، وكأن التصفيق الاجتماعي يمكن أن يعوض فعلاً لم يحدث بعد. كما أن تحويل الأهداف إلى مادة للعرض قبل نضجها الكامل قد يضعف التوتر الداخلي الضروري لاستمرار الفعل، ويقلل من دافعية الإنجاز واستمراريته “.
في ظل التحولات البنيوية المعاصرة التي فرضها الفضاء الافتراضي على أنماط التفاعل الإنساني، لم يعد تشكل الأهداف الفردية عملية داخلية محكومة بإيقاع الذات وحدها، بل أصبح جزءاً من منظومة تواصلية مفتوحة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الفرد وذاته من خلال أعين الآخرين. لقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل الأهداف من مشاريع ذاتية تتبلور في نطاق الوعي الفردي إلى خطابات معلنة تعرض في المجال العام الرقمي، حيث تتداخل الدوافع الذاتية مع آليات الاعتراف الاجتماعي، ويتحول الإنجاز من فعل تدريجي إلى تمثيل رمزي مسبق.
ضمن هذا السياق، تبرز إشكالية نظرية دقيقة تتعلق بطبيعة الدافعية الإنسانية في ظل ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي " برغبة الاعتراف "، حيث لم يعد الاعتراف نتيجة للإنجاز، بل أصبح في كثير من الأحيان سابقاً له، بل ومنتجاً بديلاً عنه. فالفرد الذي يعلن عن أهدافه في مراحلها الأولية لا يقوم فقط بمشاركة معلومة، بل ينخرط في عملية إعادة تشكيل للمعنى، تتحول فيها النية إلى شبه إنجاز، ويستبدل الفعل الفعلي بإشباع رمزي مصدره التفاعل الاجتماعي (إعجابات، تعليقات، دعم ظاهري). وهنا تتقاطع هذه الظاهرة مع مفاهيم مركزية مثل تنظيم الذات والدافعية الداخلية، حيث تشير الأدبيات إلى أن الإفراط في التعزيز الخارجي قد يؤدي إلى ما يُعرف " بإزاحة الدافعية "، أي انتقال مركز التحفيز من الداخل إلى الخارج.
علاوة على ذلك، يمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء نظرية العرض الذاتي Self-Presentation Theory عند إرفنج جوفمان، حيث يسعى الأفراد إلى تقديم ذواتهم ضمن صور متخيلة تتوافق مع توقعات الجمهور في مواقع التواصل الاجتماعي، مما يدفعهم إلى الإعلان عن الأهداف ليس فقط بوصفها مشاريع مستقبلية، بل كرموز دالة على الهوية المرغوبة. وفي هذا الإطار، يصبح الهدف أداة تموضع اجتماعي، لا مجرد غاية سلوكية، وهو ما يفتح المجال أمام مفارقة أساسية: كلما ازداد انكشاف الهدف اجتماعياً، تراجع حضوره كدافع داخلي موجه للفعل.
ومن زاوية تحليلية أعمق، يمكن فهم الإفراط في مشاركة الأهداف بوصفه شكلاً من أشكال الاستباق الرمزي للإنجاز، حيث يحصل الفرد على مكافأة نفسية مبكرة تضعف من توتر التوق الضروري لتحقيق الهدف. فالتوتر هنا ليس عنصراً سلبياً، بل هو شرط ديناميكي لاستمرار الفعل، وعندما يتم تفريغه عبر الاعتراف الاجتماعي المبكر، يفقد الهدف جزءاً من طاقته المحفزة. بهذا المعنى، لا يكون الإعلان عن الهدف مجرد فعل تواصلي، بل تدخلاً في البنية النفسية للدافعية ذاتها.
إضافة إلى ذلك، يطرح هذا السلوك إشكالية متعلقة بإعادة توزيع المعرفة والإبداع داخل الحقل الاجتماعي، حيث يؤدي الكشف المبكر عن الأفكار ومصادر الإلهام إلى تعريضها لعمليات الاستهلاك وإعادة التدوير من قبل الآخرين، في سياق تتسم فيه العلاقات المعرفية بعدم التكافؤ. وهنا يتقاطع البعد النفسي مع البعد السوسيولوجي، ليكشف عن نمط من التفاعل تُعاد فيه إنتاج الفوارق بين من يُنتج الأفكار ومن يستهلكها، ضمن ما يمكن تسميته " بـاقتصاد تداول الإبداع ".
انطلاقاً من هذه الإشكاليات، يتجاوز السؤال المطروح حدود المفاضلة البسيطة بين الكتمان والمشاركة، ليغدو تساؤلاً مركزياً حول طبيعة الذات في العصر الرقمي: هل لا تزال الأهداف تبنى كمسارات داخلية تتطلب الصبر والانضباط، أم أنها تحولت إلى وحدات رمزية تستهلك ضمن منطق العرض والتفاعل؟ وهل تمثل المشاركة المفرطة للأهداف شكلاً من أشكال الدعم الاجتماعي، أم أنها تعبير عن تحول أعمق في بنية الدافعية الإنسانية، حيث يستبدل الفعل بالاعتراف، والإنجاز بالتمثيل؟
بهذا المعنى، يسعى هذا المقال إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين الإعلان المبكر عن الأهداف والدافعية الداخلية، من خلال مقاربة نفسية - اجتماعية نقدية تكشف عن التوتر القائم بين الحاجة إلى الاعتراف والحاجة إلى الإنجاز، وتبحث في الكيفية التي يعاد بها تشكيل السلوك الإنساني في ظل هيمنة الوسائط الرقمية.
- الإفراط في كشف الأهداف قد يفرغها من قدرتها على التحقق:
إذا ما انتقلنا من مستوى الطرح الإشكالي إلى تفكيك الآليات الكامنة خلف هذه الظاهرة، يتبين أن الإعلان المبكر عن الأهداف لا يعمل فقط كفعل تواصلي، بل كعملية نفسية مركبة تعيد تشكيل بنية الدافعية ذاتها. فحين يصرح الفرد بنيته تحقيق هدف معين، لا يكتفي بنقل معلومة، بل يدخل هذا الهدف في دائرة التفاعل الاجتماعي، حيث يخضع لمنطق التقييم والاعتراف. وفي هذه اللحظة تحديداً، يبدأ التحول، إذ يتلقى الفرد استجابات إيجابية (إعجاب، تشجيع، احتفاء رمزي)، تترجم داخلياً إلى شعور بالرضا، وكأن جزءاً من الهدف قد تحقق بالفعل. هذا ما يمكن تسميته " بالإنجاز البديل "، حيث يستبدل الفعل الفعلي بإشباع رمزي، فتتراجع الحاجة النفسية إلى العمل، لأن التوتر الدافعي قد تم تفريغه جزئياً.
غير أن خطورة هذه العملية لا تكمن في الإشباع اللحظي فحسب، بل فيما تحدثه من إعادة برمجة صامتة لمصدر الحافز. فبدل أن يكون الدافع نابعاً من الداخل (من رغبة في التحقق أو الإتقان) يعاد توجيهه نحو الخارج، ليصبح مرهوناً بردود فعل الآخرين. وهنا يتشكل نمط خفي من الاعتماد، لا يظهر بوصفه ضعفاً، بل كحاجة مستمرة للتغذية الراجعة الاجتماعية. وبهذا المعنى، لا يكون الإفراط في مشاركة الأهداف مجرد سلوك تواصلي، بل آلية لإعادة إنتاج الاعتماد الاجتماعي المقنع، حيث يفقد الفرد تدريجياً استقلالية مشروعه الداخلي.
وفي هذا السياق، تكتسب مسألة توقيت المشاركة وكثافتها بعداً حاسماً. فالفكرة في مراحلها الأولى تكون في حالة سيولة رمزية، تحتاج إلى قدر من العزلة النفسية كي تتماسك وتتحول إلى مشروع قابل للتحقق. غير أن تعريضها المبكر للفضاء الاجتماعي يحولها إلى موضوع تداول، فتفقد جزءاً من طاقتها الأصلية. يمكن توصيف هذه العملية بالاستنزاف الرمزي للأهداف، حيث تُستهلك الفكرة عبر الحديث عنها بدل العمل عليها، وتتحول من قوة دافعة إلى خطاب متداول. إن ما يستنزف هنا ليس الفكرة ذاتها، بل الطاقة النفسية المرتبطة بها، تلك الطاقة التي تعد شرطاً أساسياً للاستمرار في الفعل.
ومن زاوية سوسيولوجيا المعرفة، يفتح هذا الانكشاف المبكر للأهداف ومصادر الإبداع المجال أمام ديناميات غير متكافئة في تداول المعرفة. فحين تطرح الأفكار في المجال العام دون حماية أو نضج كاف، تصبح عرضة لإعادة التوظيف من قبل آخرين قد لا يمتلكون القدرة على إنتاجها، لكنهم يجيدون إعادة صياغتها. لا يتعلق الأمر هنا بثنائية (مبدع - غير مبدع)، بل ببنية حقل اجتماعي تعاد فيه إعادة توزيع القيمة الرمزية للأفكار، بحيث يمكن لمن يمتلك مهارات العرض والتدوير أن يستثمر ما لم ينتجه. وبهذا المعنى، يتحول الكشف غير المنضبط عن مصادر الإبداع إلى شكل من أشكال تسليع الجهد الذهني، حيث يفقد المنتج الفكري خصوصيته ويندرج ضمن اقتصاد تداول مفتوح.
أمام هذه التعقيدات، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بمهارات الحفظ النفسي للأهداف، وهي مهارات لا تقوم على الكتمان بوصفه انغلاقاً، بل على الوعي بإدارة الانكشاف. فالسؤال لم يعد: هل أشارك أم لا؟ بل: كيف أشارك دون أن أفقد السيطرة على دافعيتي؟ ومتى يتحول الإفصاح من دعم إلى استنزاف؟ هذه المهارات تتطلب قدرة على التمييز بين مراحل تشكل الهدف، وفهماً دقيقاً لطبيعة العلاقات التي يعرض فيها. فليس كل جمهور داعماً، وليس كل اعتراف محفزاً، بل قد يكون بعضه بديلاً مضللاً عن الفعل.
وترتبط هذه المهارات ارتباطاً وثيقاً بقدرات تنظيم الذات، حيث يعيد الفرد ضبط العلاقة بين حاجته إلى الانتماء الاجتماعي وحاجته إلى الاستقلال النفسي. فالتوازن هنا ليس بسيطاً، بل يتطلب وعياً بأن كل انكشاف يحمل كلفة، وأن الحفاظ على جزء من المشروع في حيّز الصمت ليس ضعفاً، بل استراتيجية لحماية طاقته الدافعة.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك بُعد الاقتصاد الرمزي للاعتراف، تتضح الصورة أكثر، ففي سياق ثقافي يُكافئ الظهور أكثر مما يُكافئ الإنجاز، قد ينزلق الأفراد دون وعي نحو تحويل أهدافهم إلى أدوات عرض. وهنا يحدث التحول الجوهري: من الفعل إلى التمثيل، من الإنجاز إلى الإعلان، ومن الإنتاج إلى الاستهلاك الرمزي. هذه النقلة لا تفرغ الهدف من مضمونه فحسب، بل تعيد توجيه الطاقة النفسية نحو الخارج، حيث يصبح الاعتراف غاية بحد ذاته، لا نتيجة لمسار فعلي.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الإفراط في مشاركة الأهداف لا يضعف الإنجاز فقط، بل يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والفعل، بين النية والتحقق، ضمن منظومة اجتماعية تعيد تعريف القيمة وفق منطق الظهور لا الفعل.
خلاصة القول، إن الإفراط في مشاركة الأهداف لا يمكن اختزاله في كونه سلوكاً تواصلياً بسيطاً، بل هو تعبير عن تحول أعمق في بنية الوعي الفردي داخل سياق اجتماعي يعيد تعريف القيمة وفق منطق الظهور والاعتراف. فهو يكشف عن توتر بنيوي بين نزعتين متعارضتين، نزعة تسعى إلى تثبيت الذات عبر اعتراف الآخرين، وأخرى تتطلب انضباطاً داخلياً وصبراً طويلاً لتحقيق الإنجاز. وفي هذا التوتر تحديداً، تتحدد ملامح الذات المعاصرة، هل تُبنى من الداخل عبر الفعل، أم من الخارج عبر التمثيل؟
فحين تكشف الأهداف قبل أن تبلغ درجة من النضج، لا تفقد فقط جزءاً من طاقتها الدافعة، بل تعاد صياغتها ضمن أفق اجتماعي قد لا يكون متكافئاً مع شروط تحققها. وهنا يتحول الهدف من مشروع وجودي يتطلب التزاماً داخلياً إلى وعد معلن يخضع لمنطق التقييم اللحظي، فتختزل مسارات العمل الطويلة في لحظة اعتراف عابرة. هذا التحول لا يضعف الفعل فحسب، بل يعيد تشكيل إدراك الفرد لذاته، حيث يصبح الاعتراف بديلاً عن الإنجاز، لا نتيجة له.
وفي سياق أكثر عمقاً، تفرض هذه الظاهرة تحدياً مزدوجاً، تحدياً فردياً يتمثل في ضرورة امتلاك وعي نقدي بإدارة الذات الإبداعية، لا بوصفها كتماناً دفاعياً، بل كقدرة على حماية شروط التكون الداخلي للفكرة، وتحدياً اجتماعياً يتعلق بإعادة النظر في منظومات التقدير السائدة، التي تميل إلى مكافأة الإعلان أكثر من العمل، والظهور أكثر من التحقق.
إن الوعي هنا لا يتجلى في الصمت بحد ذاته، بل في إدراك وظيفة الصمت، الذي يكون مساحة لحفظ التوتر الخلّاق، لا انسحاباً من العالم. فالصمت في هذا السياق ليس غياباً، بل شكل من أشكال الحضور المؤجل، حيث تتراكم الطاقة بعيداً عن الاستهلاك الرمزي، لتتحول لاحقاً إلى فعل مكتمل.
وبين الانغلاق الكامل والانكشاف المفرط، تتبلور الحاجة إلى ما يمكن تسميته بأخلاقيات الانكشاف، حيث يُعاد تنظيم العلاقة بين الفرد ومجاله الاجتماعي على أساس وعي بالحدود: ما الذي يُقال؟ متى يُقال؟ ولأي غاية؟ فليست كل مشاركة تعني انفتاحاً، كما أن ليس كل صمت يعني عزلة، بل إن القيمة تكمن في القدرة على التمييز بين ما يُغذي الفعل وما يستنزفه.
في النهاية، لا تقاس قوة الإبداع بمدى حضوره في الخطاب، بل بقدرته على التحقق في الواقع. فالإبداع الذي يعلن قبل أن ينجز، يظل معلقاً في أفق الاحتمال، أما ذاك الذي يبنى في صمت، فيمتلك من الكثافة ما يجعله يتكلم بذاته حين يكتمل. وفي عالم يتسارع فيه كل شيء نحو العرض، يصبح الحفاظ على جوهر الفكرة في طور التكوين فعلاً نقدياً بامتياز، يعيد الاعتبار للإنجاز بوصفه ممارسة، لا مجرد إعلان.
#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)
Hossam_Aldin_Fayad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟