أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - بين الفكرة والفعل جدل الفلسفة والتغيير














المزيد.....

بين الفكرة والفعل جدل الفلسفة والتغيير


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 11:43
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


” لقد قام الفلاسفة فقط بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن الأهم هو تغييره “ (كارل ماركس). من خلال هذه المقولة سنحاول توضيح مفهوم وحدة النظرية والممارسة، الذي يعني ببساطة أن الأفكار والنظريات لا تكفي وحدها، بل يجب أن تترجم إلى أفعال عملية، والعكس صحيح. فالممارسة العملية تغذي النظرية بالخبرة والمعرفة الواقعية. باختصار شديد التفكير بدون تطبيق فراغ، والتطبيق بدون فهم غير مُجدٍ لا يحقق الغاية المرجوة.

في تاريخ الفكر الإنساني، ظلت مهمة الفيلسوف مرتبطة دائماً بمحاولة فهم العالم، تفكيك أسراره، وتأمل معانيه العميقة. ومنذ الفلسفة اليونانية إلى الفلسفات الحديثة، انشغل المفكرون بالسؤال عن ماهية الوجود والإنسان والمجتمع والسلطة والمعرفة. غير أن ماركس، في لحظة فكرية حاسمة، قلب هذه المهمة رأساً على عقب حين قال: " لقد قام الفلاسفة فقط بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن الأهم هو تغييره ".

بهذه العبارة، لم يقدم ماركس مجرد نقد للفلاسفة، بل أعاد تحديد وظيفة الفكر نفسه، داعياً إلى تجاوز حدود التأمل النظري نحو الفعل الاجتماعي.

لقد كان ماركس يرى أن الفلسفة مهما بلغت من العمق لن تكون ذات قيمة ما لم تلامس حياة الناس وتساهم في تغيير شروط وجودهم. فالتفسير وحده لا يخفف الظلم، ولا يوقف الاستغلال، ولا يبدل الواقع المادي الذي يشكل وعي البشر وتاريخهم. ومن هنا جاءت دعوته إلى أن تتحول الفلسفة إلى قوة مادية، وأن يصبح الفكر محفزاً للتغيير الاجتماعي. فالفلسفة في نظره، ليست رفاهية فكرية بل مشروع تحرري.

ومع ذلك، فإن المقولة تفتح باباً واسعاً للنقاش النقدي. فهل التغيير فعل مستقل عن الفهم؟ أم أن الفهم العميق شرط أساسي لأي تغيير حقيقي؟
قي حقيقة الأمر، إن الاقتصار على التفسير قد يقود إلى العجز، لكن القفز إلى التغيير دون معرفة دقيقة بالواقع قد يقود إلى الفوضى أو استبدال هيمنة بأخرى. فالفلسفة التي لا تترجم إلى عمل بلا جدوى، لكن العمل الذي يفتقر إلى الفهم لا يقل خطورة عن السكون. وهنا تتجلى المفارقة التي تُغني المقولة بدل أن تضعفها: إن التفسير والتغيير ليسا نقيضين، بل هما علاقة جدلية تتكامل فيها النظرية والممارسة.

بناءً على هذا الفهم، يمكن القول إن قيمة مقولة ماركس ليست في إلغاء دور الفلسفة التأملية، بل في تذكير الفكر بدوره الأخلاقي والاجتماعي. إنها دعوة إلى أن تكون المعرفة قوة تحرير، وأن يستخدم التحليل ليس لزيادة أسئلة العالم، بل لصياغة أجوبة تجعل العالم أفضل وأكثر إنسانية.

اليوم، بعد أكثر من قرن ونصف على إطلاق هذه العبارة، ما زالت راهنيتها قائمة. ففي عالم مضطرب، تعجله التكنولوجيا وتثقل كاهله الأزمات، لم يعد يكفي أن نفسر الظواهر أو نَصف المشكلات. إن الحاجة ملحة إلى فكر قادر على تحويل الوعي إلى فعل، وتحويل النقد إلى مشاريع تعيد للإنسان كرامته وقدرته على صناعة مصيره.

وهكذا، تظل مقولة ماركس جرس تنبيه فلسفي يذكر بأن العالم لا يتغير بالكلمات وحدها، ولا بالتأملات العميقة مهما كانت رائعة، بل يتغير حين يلتقي الفكر بالفعل، وحين تتحول الرؤية النقدية إلى ممارسة واعية ومتحررة. إنها ليست دعوة إلى هدم الفلسفة، بل إلى إحيائها من جديد بوصفها قوة قادرة على إعادة تشكيل الواقع بدل الاكتفاء بوصفه.

إن " البعد التطبيقي " في مقولة ماركس يكمن في انتقال الفلسفة من منصة التأمل إلى ساحة الفعل الاجتماعي. فحين يقول: " لقد قام الفلاسفة فقط بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن الأهم هو تغييره "، فهو لا يطالب بإلغاء التفكير، بل يدعو إلى تحويل الفكر إلى ممارسة تقاس بنتائجها لا بخطابها. وهذا الجانب التطبيقي يتجلى في ثلاث مستويات رئيسية وعي الفرد، وبنية المجتمع، وآليات التغيير.

وعلى مستوى وعي الفرد، يصبح دور الفلسفة أن تمنح الإنسان قدرة على قراءة واقع حياته اليومية، لا بوصفه قدراً محتوماً، بل بوصفه واقعاً قابلاً للتعديل. فالفلسفة هنا تتحول إلى أداة لتحرير الوعي من الاستسلام، وإلى محفز للسؤال: كيف يمكنني تغيير ما أراه؟ ماذا يمكن أن أفعل حيال الظلم أو التمييز أو الاستغلال أو القهر الاجتماعي؟ بهذا يتجاوز الفرد دور المتفرج إلى فاعل قادر على اتخاذ موقف نقدي يترجم إلى مبادرة وسلوك ومشاركة.

أما على مستوى بنية المجتمع، فالمقولة تفتح الباب أمام تطبيق الفلسفة في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة. فالتغيير لا يعني فقط الثورة أو الهدم، بل يشمل تطوير السياسات الاجتماعية، إصلاح المؤسسات، بناء نظام تعليمي يحرر التفكير بدل أن يكرس التلقين، وتأسيس ثقافة نقدية تشجع المشاركة بدل الخضوع. إن تطبيق الفلسفة هنا يمر عبر تحويل الأفكار الكبرى كالعدالة، والمساواة، والكرامة إلى سياسات وممارسات تعيد بناء العلاقات الاجتماعية.

وعلى مستوى آليات التغيير، تظهر المقولة أن الفكر وحده غير كافٍ ما لم يقترن بوسائل عملية: التنظيم الاجتماعي، المشاركة السياسية، الحركات المدنية، النقد الميداني، والبحوث التي تكشف الاختلالات وتقدم حلولاً فعالة. فالفلسفة، لكي تكون قوة تغيير، تحتاج إلى البنية التي تترجمها إلى فعل مؤسسات تستمع، مجتمع يتحاور، أفراد يشاركون، ووعي يدرك أن التغيير عملية تراكمية تتطلب صبراً واستمرارية.

وبذلك، يتحول الجانب التطبيقي للمقولة إلى دعوة للعمل، أي أن يتحول النقد إلى مشروع، والفكرة إلى خطوة، والرؤية إلى أثر. فالعالم لا يتغير حين نفهمه فقط، بل حين نمتلك الجرأة على إعادة تشكيله، خطوة بخطوة، وبوعي مستنير يربط بين النظرية والعمل.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإيمان بالنفس وصناعة الوعي النفسي: قراءة نقدية لأطروحة علي ...
- وظائف النظرية السوسيولوجية بين التأسيس النظري والتطبيقات الم ...
- الأزمة الصامتة... كيف يعيد التفكك الأسري تشكيل البنية الاجتم ...
- أزمة التعليم أم أزمة إنتاج التفكير في المجتمعات العربية؟
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ...
- الشباب العربي كموضوع للمعرفة (قراءة سوسيولوجية في أنماط الاه ...
- الفرد السوي في المجتمع المريض قراءة نقدية للهوية والاغتراب ف ...
- الحقيقة المفقودة قراءة نقدية لمقولة علي الوردي الحقيقة بنت ا ...
- الحداثة المعاصرة في علم الاجتماع: أدوات التحليل السوسيولوجي ...
- نظرية الصراع الاجتماعي المحدثة: أدوات التحليل السوسيولوجي، م ...
- النظرية البنائية الوظيفية المحدثة: أدوات التحليل السوسيولوجي ...
- الإنسان بين السرد والطقس مقاربة انثروبولوجية للثقافات وتجليا ...
- تطبيق نظرية فلفريدو باريتو على النخب العربية المعاصرة في سيا ...
- الجهل البنيوي في المجتمعات العربية المعاصرة من التحديات المع ...
- الجهل البنيوي في المجتمعات العربية المعاصرة من التحديات المع ...
- الجهل البنيوي في المجتمعات العربية المعاصرة من التحديات المع ...
- الإطار التحليلي بين النظرية والتطبيق: الاستلاب الثقافي في ال ...
- تمظهرات القهر الاجتماعي في الحياة اليومية للإنسان العربي الم ...
- هابرماس وهونيث في تفكيك العنف المجتمعي بين العقلانية التواصل ...
- العقل الإنساني بين التوظيف الأداتي والممارسة النقدية والفاعل ...


المزيد.....




- -مهم وله أسباب منطقية-.. حمد بن جاسم يعلق على قرار ترامب بان ...
- السعودية.. إحباط تهريب ملايين الأقراص المخدرة مخبأة في إرسال ...
- مليارديرات مقربون من ترامب قد يجنون أرباحًا طائلة من التدخل ...
- جماجم وعظام وأقدام محنطة.. رجل من بنسلفانيا يواجه تهمًا بسرق ...
- أوروبا.. طقس عاصف يعطل النقل ويحرم مئات الآلاف من الكهرباء
- ما الذي يميز احتجاجات إيران؟
- الجزيرة نت ترصد آثار تصعيد الاشتباكات في حلب
- -ما وراء الخبر- يتناول احتجاجات إيران وتوعُد ترامب بضرب طهرا ...
- الأشرفية والشيخ مقصود.. حيّا التنوع والتوتر في حلب
- احتجاجات إيران.. بين فخ الأمن ورهان تهشيم السيادة


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - بين الفكرة والفعل جدل الفلسفة والتغيير